د. فتحي أبو الورد :

تنوعت الاجتهادات فى طرح الرؤى والأفكار للخروج من الأزمة فى مصر ، وكانت جلها تجنح تجاه الحل السياسى لإيجاد مخرج للمعضلة المصرية ، وكانت كل مبادرة تطرح ، تعترضها كثير من الأسئلة لا تجد جوابا ، من أهم تلك الأسئلة : ماذا عن القصاص لدماء الشهداء ؟ وهل سيقبل القاتل أن يقتص منه وهو متربع على عرش السلطة ؟ وهل سيقبل الانقلابيون اعتزال الحكم ، وتسليم السلطة طواعية على طبق من ذهب لمن يعتبرونهم خصومهم ، وهم مازالوا فى قوتهم وسطوتهم ؟ أم سيظلون فى تصدر المشهد أو التحكم فيه ولو من وراء ستار ؟  وكيف ستتطهر مؤسسات الشرطة والقضاء والإعلام فى ظل هيمنة العسكر،  سواء كان العسكر فى الواجهة أو من وراء ستار ، فهذه المؤسسات ربيبة العسكر و صنيعته ؟ أم هل سيتم الحل السياسى مبقيا على منظومة الثورة المضادة (الإعلام والشرطة والقضاء الفاسد) لتعيد الكرة مرة أخرى وتنقلب على أى شرعية قادمة ، وتحول دون إرادة الجماهير وحريتها ، وهكذا دواليك ، ندور فى حلقة مفرغة ؟
ومرد هذه الحيرة والاضطراب لدى أصحاب المبادرات والرؤى يعود إلى التأثر بميزان القوة المادية العسكرية لعصابة الانقلاب ، حيث توقفهم هذه القوة عن طرح الحل الصحيح الجذرى المتمثل فى عزلهم من المشهد السياسى ، وإعادتهم إلى ثكناتهم 
ويتشكك كل متابع ومراقب للمشهد المصرى فى جدوى إيجاد مخرج للأزمة عن طريق تسوية سياسية ، لأن أية تسوية سياسية فى ظل سطوة الانقلاب ستجعل العسكر هم أصحاب اليد الطولى ، وسيخضع لهم أى رئيس ، وأية حكومة تأتى ، وسيكون أى رئيس مدنى مجرد واجهة ودمية يحركها العسكر أنى شاءوا ، مهما كان الظهير الشعبى الذى وراءه ، ولن يختلف الوضع كثيرا فى السياسة العامة الداخلية والخارجية للعسكر ،  اللهم إلا فى الشكل والمظهر...لأن القرار الأمريكى والغربى الذى ظهرت معالمه على الأرض قضى بإخماد صوت الإسلاميين إلى الأبد ، وقبر مشروعهم السياسى الإسلامى ، واستئصال شأفة أصحاب المشروع السنى الحضارى من الوجود ، ولن يقبل منهم إلا الاستسلام التام ، والانقياد الخانع ، دون أن يتيح لهم فرصة أى ظهور على الساحة ، وإخفائهم من المشهد تماما ، وعدم إعطائهم ولو هامشا ضئيلا من الحرية يمارسون من خلاله دورا على الأرض ، على الأقل لمدة قد تمتد لعشر سنوات أو أكثر  حتى يحكم هيمنته مرة أخرى ، وتنسى الشعوب ما أطلق عليه يوما ما الربيع العربى أو الثورات العربية ..إلا أن يشاء الله أمرا آخر فى علمه .
ولعل تصريحات بعض الساسة الغربيين والعرب ذكرت هذا صراحة دون الحاجة إلى إعمال الفكر والعقل والتحليل لاستنباط هذه المعلومة فهى من الوضوح بحيث أصبحت ملقاة على قارعة الطريق ..
لا أمل إذن فى التغيير السلمى ، والحل السياسى ، عبر وسائل المسار الديمقراطى .
ونظرة عجلى على واقع دول الربيع العربى تؤكد ذلك ..
  ففى تونس بعد أن تنازلت النهضة عمدا عن الحكومة ، وتعمدت أن تحل ثانية فى ترتيب الانتخابات البرلمانية الأخيرة ، ثم لم تعلن تأييدها لأحد مرشحى الرئاسة رغبة فى الهدوء ، والتوافق على حكومة وحدة وطنية وشراكة وطنية ، واستثمار مناخ الحرية فى الدعوة والتوعية والتربية والمشاركة بنصيب ولو قليل فى العملية السياسية ..بعد هذا كله بدا أن القرار الذى صدر لمنفذى المشروع الغربى فى تونس قد قضى  بإقصاء النهضة تماما ، وعزلهم عن المشهد السياسى ، وجاء تشكيل الحكومة الجديد مترجما لهذا ، حيث استبعد النهضة تماما ، ثانى أكبر كتلة داخل البرلمان ، مما جعل الحركة تصرح بأنها لن تمنح الثقة للحكومة على هذا النحو .. وبعد ذلك حين تم منح الثقة للحكومة لم يكن اختيارا مرضيا للنهضة ، ولكنه قبول المضطر للواقع .
أما اليمن ، فبعد التفاهمات التى حدثت والاتفاق على بنود  المبادرة الخليجية التى لم ترق لتلبية طموح كل من شارك فى الثورة اليمنية ..بعد هذا كله ظهرت النتيحة ، وجاء رد أعداء الثورة فى الداخل والخارج بلسان الحال  : بأن اليمن لا يسع المطالبين بالحرية والاستقلال بعامة ، والإسلاميين على وجه الخصوص ، ولا مانع من التعاون مع الشياطين ، والأعداء الظاهريين من أجل وأد المشروع اليمنى الذى يهدف إلى الحرية والاستقلال ، ثم كان الانقلاب على الشرعية التوافقية من الحوثيين مثالا صارخا لضرب ما يتشدق به الاستئصاليون من دعوى التشارك ، والعمل وفق مشروع وطنى يمنى كبير يتوافق الجميع عليه ، ويحتفظ كل أصحاب أيدلوجية بأيدلوجيتهم .
وأما ليبيا فبعد أن اتجهت نحو إرساء دولة القانون ، وإقامة دولة المؤسسات ، وخطت خطوات نحو العدالة الانتقالية انقلب أتباع النظام القديم ، من أنصار المشروع الغربى فى ليبيا على الإسلاميين ، وكان شعارهم أن ليبيا ليست للجميع ..ليبيا فقط لأعداء المشروع الإسلامى ، وإن لم تصدقوا فاسألوا الداعمين لنا فى السر والعلن من الغربيين والعرب..ليبيا لفريق واحد منا ..إما نحن وإما أنتم .. فلا مجال للحديث عن التعايش ، والشراكة الوطنية ، وكل مصطلحات الدجل السياسى .
لقد تراجعت الثورات فى اليمن وتونس وليبيا وسوريا التى كانت ترى فى مصر الظهير الإقليمى الأقوى الذى يمكن أن يعول عليه ، وأن يقف بجوارهم فى مسيرة الاستقلال ، والتصدى للهيمنة الغربية ، ولن تستطيع أى من هذه البلدان أن تستعيد ثورتها إلا بعد أن تنجح الإرادة الثورية فى مصر ...
  كما أصبح وضع فلسطين فى أسوأ حالاته حين سقطت مصر فى أيدى الانقلابيين ، بل وأصبحت مصر فى ظل الانقلاب الظهير الإقليمى الأكبر لحماية الكيان الصهيونى.. لكن .. بعد فضل الله تعالى  تغيرت المعادلة اليوم فى مصر لصالح الثوار بعد أكثر من عام ونصف على الأرض من تحمل سفاهات المغيبين ، وسخرية الأفاقين ، وهم ماضون فى طريقهم الذى رسموه لأنفسهم نحو التحرر فى صمت وصبر ، يقدمون التضحيات الجسام من أجل توضيح الحقيقة ، وإعادة الوعى لشريحة كبيرة كانت غائبة أو مغيبة ، وإبراز عجز وفشل الانقلابيين فى إدارة الدولة..والآن أصبح للثورة حاضنة شعبية كبيرة ، وتكبر يوما بعد يوم .
إن الشارع المصرى لم يكن يوما من الأيام فى حالة غاضبة ثائرة شاملة مستعصية على العسكر مثل اليوم ، وربما لن تتكرر مثل هذه الأجواء مرة أخرى إن لم يتم استثمارها، وربما سيندم قادة الثورة إن خسروا هذه الجولة ، ولم تكن نهايتها  إسقاط دولة العسكر ، والتحرر من الهيمنة الغربية ، وإقامة دولة العدل والحق والقانون .
هناك دعوات من بعض المخلصين المؤيدين تتزيا بزى التعقل والتريث ، وتحذر من الدخول فى دوامة العنف ، متجاوزة حالة الشارع الثورية الملتهبة ، والحراك الشعبى الغاضب ، وهى دعوات دافعها الحرص والحب ، لكنها إلى التثبيط أقرب منها إلى التعقل ، لأنه إن لم تستثمر الفرصة اليوم ، وتؤتى أكلها فى نهاية الجولة فلن تقوم للثورات العربية قائمة بعد اليوم ، ولن تستقل إرادة الشرق عن الغرب ، اللهم إلا إذا أراد الله شيئا آخر فى علمه .
بعض الإصلاحيين يطرحون فكرة الدخول فى تهدئة مع الانقلابيين ، والقبول بأى هامش من هوامش الحرية واستثماره فى الدعوة والتربية والعمل الاجتماعى ، حتى تتهيأ الأرض للتغيير .
وأقول : أما إنهم سيسمحون بهامش من الحرية بعد إخماد جذوة الثورات فهذا
ما لا أظنه ولا أتوقعه ، بل أتوقع مزيدا من التضييق والتهميش والإقصاء ، والقهر حال تم القبول بمثل هذه التهدئة.
وهب أنهم سمحوا بهامش ضئيل من الحرية ، لكى نستثمره فى الدعوة والتربية والعمل الاجتماعى كما تقولون .. فماذا بعد؟ هل تظنون أن التغيير سيحدث تلقائيا دون تدافع ؟ فمن ظن أن المشروع الإسلامى التحررى الحضارى الذى يراد له التمكين ، والذى شق طريقه بالفعل نحو الواقع سيتم بلا تضحية  وشهداء ، فهو واهم ، ولم يفقه سنة الله فى التمكين والتغيير والتدافع ، فلن يُمَكّن للمشروع حتى يبتلى أصحابه .  
أم هل يتصور أصحاب هذه الرؤية أننا سنكون أحسن حالا بعد ذلك  ؛ فنصارع النظام حتى نصرعه ؟ إذا كان الأمر كذلك ، فها نحن اليوم وصلنا إلى  الحالة التى يهدف إليها أصحاب هذه الرؤية ، فلماذا ننتظر ونضيع الفرص ، ونهدر الوقت ، ونعطى فرصة لعدونا أن يلتقط أنفاسه ، ويتقوى علينا ، ويرتب صفوفه ؟ 
لا مفر إذن  من استكمال الجولة ، ومواصلة صراع الإرادات حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا .  ولا مانع – فى ظل السلمية - من الدفاع عن النفس ، ورد المعتدى لكى يحدث هزة قوية فى صفوف الانقلاب ، فتتجرأ الجماهير على النزول بأعداد غفيرة ، لتقتص من القتلة ، وتحسم الصراع  وتنهى المعركة .
كما لا يجوز الالتفات إلى نعرات الناقمين والحاقدين لتثبيط الثائرين ، والتى تعقد المقارنة بين قوة الجيش والشرطة وتأييد الغرب فى ناحية ، وبين ضعف الثائرين وقلة امتلاكهم لوسائل القوة المادية ، فإن يد الله تعمل فى الخفاء ، وتأييد الله أكبر وأعلى من كل تأييد ، وليس هذا بكلام دراويش ، ومن ظن أن معركة المظلومين مع الظالمين مدارها القوة المادية فقط فقد غاب عنه أن للكون إلها يدبر أمره ، ويصرف شأنه ، وأن الله يدافع عن الذين آمنوا ، وأن النصر من عند الله ( وما النصر إلا من عند الله ) ، وكذلك غاب عنه سنة الله فى استدراج الظالمين .
 كما أتمنى أن يكون الذين اتخذوا قرارالعنف النبيل الذى يستهدف أركان دولة العسكر، وتشتيت نظامها الأمنى ومؤسساتها ، وإرباك حساباتها ، دون التعرض للمواطنين  حتى العبيد من المؤيدين لطغمة العسكر ، والذين آذوا وأساءوا إلى مؤيدى الشرعية والحرية طوال الحقبة الماضية ، إن الذين اتخدوا قرار العنف النبيل ضد النظام لردع أدواته فى القتل والاغتصاب والسحق والاعتقال ، أتمنى أن يكون ما أقدموا عليه بعد توفيق الله تعالى .. بناء على قراءة متأنية للواقع على مدار عشرين شهرا ، ورصد وإحصاء وقياس لحركة الشارع حتى حانت اللحظة المواتية .
 وبطبيعة الحال لن يتم التغيير وانتصار إرادة الشعب دون تضحيات ، أدعو الله أن تكون فى أضيق حالاتها ، وهذا لا يخفى على متتبع لتاريخ الثورات فى أى بقعة فى العالم.
ولا يغالى أحد خارج دائرة صنع القرار فيدعى أن لديه معرفة و قراءة للمشهد أوسع ،  وإدراكا للواقع أشمل من قراءة وإدراك أهل الميدان ، حتى لا يكون عامل تثبيط لدى الثائرين والمؤيدين لهم من حيث لا يدرى .
وقد ظل الحراك الثورى طيلة عشرين شهرا ينمو ويتسع ، ويكسب أنصارا كل يوم تدريجيا ، لكن كثيرا من المؤيدين للحرية والشرعية ، وكذا الساخطين على حكم العسكر من غير مؤيدى الشرعية لما ينضموا بعد إلى قافلة الثائرين ، والمشاركة معهم فى الميادين ، لأن المشاركة تعنى التضحية بدءا بالنفس وانتهاء بالاعتقال والتعذيب والأذى ، وكثير منهم غير مؤهل لذلك ، ولكن هؤلاء فى ترقب دائم لمسيرة الأحداث ، ويتحينون الفرصة ، ريثما يهتز عرش الانقلاب فينضمون للحراك الثورى بالملايين دون تدرج .
العجيب أن كثيرا من الناس خاصة الشباب كانوا يطالبون قيادة الحراك الثورى طيلة الشهور الماضية بما يسمى بالعنف النبيل ورد المعتدى ، فى إطار تطور شعار سلميتنا أقوى من الرصاص ، حتى إن البعض من شدة الضيق بالالتزام بالسلمية اتهم قادة الحراك الثورى بالضعف والتهاون فى دماء الشهداء ، وتقديم الثوار لقمة سهلة للشرطة والبلطجية ، دون وجود رادع .. وهؤلاء هم أسعد الناس بالتطور الحاصل على الساحة الثورية اليوم .
بينما هناك صنف آخر ممن يهتم بالتنظير ،ويغرق فى التوهمات ، ويحسب موازين القوى بالحسابات المادية  فقط ، وقف مستغربا من التصعيد الأخير مستنكرا ما يحدث ، خشية العواقب والمآلات التى يسرف فى تخيلها ، حتى خلقت منه عاجزا لا يهتدى لرأى ، ولا يقدم على خيار .
يبقى أن أقول : إن استمرار الحراك الثورى ، والضغط الشعبى على الأرض هو الذى سيضمن نجاح الثورة بإذن الله ،  أو على أقل تقدير فى الجانب الآخر هو الذى سيضمن تسوية مرضية مع كفلاء الانقلاب العسكرى – حال حدثت - تلبى إلى حد كبير طموح الثوار ، وتضحيات الشهداء .