في السادسة مساء 11 فبراير 2011، تلا اللواء عمر سليمان بيانًا مقتضبًا أعلن فيه تنحي الرئيس محمد حسني مبارك عن منصبه، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد.

البيان، رغم قصره، فتح بابًا واسعًا للتأويل، سواء بسبب صياغته القانونية المتناقضة أو بسبب الغموض الذي أحاط بكواليس اتخاذ القرار.

بعد سنوات، لا تزال لحظة التنحي واحدة من أكثر لحظات التاريخ السياسي المصري الحديث التباسًا، إذ تداخلت فيها إرادة الشارع، وحسابات المؤسسة العسكرية، وضغوط الداخل والخارج.


 

بيان التنحي وصياغة اللحظة

 

جاء بيان عمر سليمان محمّلًا بإشكال قانوني واضح. فالإعلان عن “تكليف” المجلس العسكري بإدارة البلاد يفترض بقاء الرئيس في موقعه لحظة إصدار القرار، بينما يفيد النص نفسه بتخليه عن المنصب. هذا التناقض لم يكن تفصيلاً لغويًا، بل عكس ارتباك اللحظة ومحاولة إخراج سياسي سريع يرضي أطرافًا متعددة.

 

في اليوم ذاته، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بيانه الثالث، الذي أثنى فيه على مبارك، مشيرًا إلى “تفضيله المصلحة العليا للوطن”، ووجّه تحية إلى أرواح الشهداء. البيان حاول الموازنة بين الاعتراف بتضحيات المحتجين، وعدم القطيعة الكاملة مع رئيس ظل، بحكم منصبه، رئيسًا للمجلس العسكري. هذه الصيغة كشفت مبكرًا عن توجه المجلس لإدارة مرحلة انتقالية تحفظ الدولة ومؤسساتها، دون الانحياز الكامل لأي طرف.

 

خطابات مبارك والمناورة حتى اللحظة الأخيرة

 

منذ اندلاع الاحتجاجات في 25 يناير وحتى مساء 10 فبراير، ألقى مبارك ثلاثة خطابات شكّلت معًا سجلًا واضحًا لمحاولات البقاء. الخطاب الأول، فجر 29 يناير، جاء بعد تصاعد الاحتجاجات وسقوط مئات الضحايا. رفض فيه التنحي، واكتفى بإقالة الحكومة، متهمًا “قوى سياسية” غير مسماة بإثارة الفوضى، في وقت كانت فيه الدولة قد قطعت الاتصالات والإنترنت.

 

الخطاب الثاني، في الأول من فبراير، حمل نبرة عاطفية، وأعلن فيه عدم الترشح لولاية جديدة، وكلف عمر سليمان بالحوار حول الإصلاح الدستوري. لكنه تضمن تهديدًا مبطنًا بالفوضى، ما اعتبره المحتجون محاولة للضغط. بعد ساعات، وقعت “موقعة الجمل”، التي شكّلت نقطة تحول، بعدما فشلت محاولات فض الاعتصام بالقوة.

 

أما الخطاب الثالث، مساء 10 فبراير، فكان محاولة أخيرة للاستعطاف. وعد مبارك بتعديلات دستورية وإلغاء الطوارئ، وهاجم ما وصفه بإملاءات خارجية. إلا أن الخطاب جاء منفصلًا عن المزاج العام، حيث كان الشارع قد حسم موقفه، مطالبًا برحيل النظام بالكامل. الرد جاء سريعًا من المجلس العسكري، بإعلانه الانعقاد الدائم دون وجود الرئيس، في إشارة إلى انتهاء دوره فعليًا.

 

الجيش والقرار: بين الدولة والنظام

 

تكشف مجريات الأيام الأخيرة قبل التنحي أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة أصبح الطرف الحاسم. تقديرات أمنية داخلية، وتقارير دولية، بينها مراسلات مسربة لوزارة الخارجية الأمريكية، أشارت إلى أن الثورة تتقدم، وأن قمعها بالقوة يحمل مخاطر جسيمة. كما حذّرت تقارير من أزمة غذاء وشيكة، ما زاد الضغط على الجيش للتدخل.

 

بحسب هذه الروايات، دار خلاف داخل القيادة حول شروط خروج مبارك. طرحت سيناريوهات لبقائه شكليًا مع نقل السلطة لنائبه، لكن رد فعل الشارع الغاضب، واستعداد المتظاهرين للزحف نحو القصر الجمهوري، وتعاطف بعض صغار الضباط مع الاحتجاجات، جعلت هذا الخيار غير قابل للتنفيذ. في النهاية، قُدّم لمبارك مخرج يضمن له خروجًا آمنًا مقابل التنحي، وهو ما وافق عليه.

 

قرار التنحي عكس طبيعة العلاقة بين الجيش والدولة في مصر. فالجيش، منذ 1952، يُنظر إليه باعتباره الضامن الأخير للاستقرار. لم تشهد البلاد انقلابات متكررة، لكن شهدت تدخلات حاسمة في لحظات أزمة، كما في 1971 و1981 و1986. في 2011، رأى قادة المجلس أن الدفاع عن بقاء مبارك سيضعهم في مواجهة مباشرة مع الشارع، ويهدد تماسك المؤسسة والدولة معًا.

 

ما بعد 11 فبراير: دلالات مستمرة

 

لم يكن تنحي مبارك نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة انتقالية معقدة. استطاع الجيش أن يستعيد موقعه المركزي في رسم المسار السياسي، مستفيدًا من انقسام القوى المدنية، ومن تصوره كالمؤسسة الأكثر تنظيمًا. في الوقت نفسه، كشفت الأحداث أن الحلول السياسية تجاوزت الرئيس قبل تنحيه، وأن القرار لم يكن لحظة مفاجئة بقدر ما كان نتيجة مسار متسارع.

 

بعد أكثر من عقد، تظل ذكرى 11 فبراير محطة أساسية لفهم طبيعة السلطة في مصر، ودور المؤسسة العسكرية، وحدود تأثير الشارع. لحظة التنحي لم تكن انتصارًا خالصًا، ولا انقلابًا تقليديًا، بل تسوية اضطرارية فرضتها موازين القوة في لحظة استثنائية من تاريخ البلاد.