أعلن وزير النقل بحكومة الإنقلاب في مصر كامل الوزير تنفيذ ثمانية ممرات لوجستية دولية متكاملة، خلال الاحتفال باليوم البحري العالمي، مقدمًا المشروع بوصفه طريقًا لترسيخ مكانة مصر الإقليمية، دون عرض حساب تفصيلي لتكلفة كل ممر وعائده.
وبينما تصدرت وعود الاندماج في التجارة العالمية المشهد، بقي السؤال الأثقل خارج العرض الاحتفالي وهو مقدار ما سيعود على الاقتصاد والأسر، بعدما تُخصم نفقات الإنشاء والتشغيل والتمويل من الإيرادات المنتظرة لهذه المشروعات.
وعود الممرات تحتاج كشف حساب
فمن الناحية المعلنة، تربط الممرات موانئ البحرين الأحمر والمتوسط بالمناطق الصناعية والزراعية والتعدينية، عبر الطرق والسكك الحديدية والموانئ الجافة، بهدف تقليل زمن انتقال البضائع وتكاليفها وتعزيز قدرة المنتجات المصرية على المنافسة.
لكن تحويل هذه الأهداف إلى شهادة نجاح مسبقة يمثل قفزة دعائية؛ إذ لا يكفي رسم شبكة ضخمة على الخريطة لإثبات جدواها، ما لم تقترن بطلب تجاري وتعاقدات تشغيل وعوائد قابلة للقياس.
وفي هذا السياق، حذر مدحت نافع، خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل، في مقال بتاريخ 7 سبتمبر 2026، من الاعتماد الكبير على الأموال الساخنة، داعيًا إلى جذب استثمارات إنتاجية تولد صادرات أو تستبدل الواردات.
وعلى هذا الأساس، يبرز معيار مختلف لتقييم الإنفاق الحكومي، قوامه قدرة الاستثمار على إنتاج موارد مستدامة؛ وهو استنتاج يمكن تطبيقه على الممرات، وليس تعليقًا من نافع على إعلان الوزير الأخير.
كذلك أعلن الوزير بلوغ تداول البضائع نحو 233 مليون طن خلال 2025، وتداول الحاويات 11.1 مليون حاوية مكافئة، لكن هذه الأرقام تقيس حجم النشاط ولا تكشف وحدها صافي الربح الاقتصادي.
فضلًا عن ذلك، فإن زيادة التداول تحتاج تفصيلًا يميز الصادرات المحلية والواردات وبضائع الترانزيت، لأن أثر كل نشاط على الصناعة والتوظيف والعملات الأجنبية يختلف، ولا تختصره حصيلة إجمالية توظف في الاحتفالات.
ومن ثم، يصبح المطلوب نشر تكلفة كل ممر، ومصادر تمويله، ومواعيد تشغيله، وحجم الطلب المتوقع عليه، بدل الاكتفاء بإعلان العدد وكأنه دليل كافٍ على نجاح السياسة الاقتصادية أو سلامة ترتيب أولوياتها.
وبالتالي، فإن موضع النقد ليس حاجة مصر إلى نقل متطور، بل مطالبة الناس بتصديق العائد قبل رؤية حساباته؛ فالمشروع العام يستحق التمويل بجدواه، ولا يكتسب حصانة لمجرد إدراجه ضمن خطاب الإنجازات.
الاقتراض يفرض مراجعة الأولويات الحكومية
وعلى الجانب المالي، لا يجوز فصل مشروعات النقل عن خيارات الإنفاق العام؛ فالأموال الموجهة إلى مشروع معين تغيب عن بدائل أخرى، وتصبح المفاضلة أكثر إلحاحًا عندما يرتبط التمويل بالتزامات طويلة الأجل.
وفي هذا الإطار، دعت عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد والعميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، في تصريحات بتاريخ 20 يوليو 2026، إلى خطة واضحة لخفض القيمة المطلقة للدين العام.
كما انتقدت المهدي الاعتماد المفرط على أذون الخزانة مرتفعة الفائدة، معتبرة أنه يحمل الدولة أعباء مالية تعوق التنمية، وشددت على أن تحسن المعيشة يتطلب خدمات تعليمية وصحية أفضل، وليس مؤشرات نقدية وحدها.
وانطلاقًا من هذا النقد، لا يصح التعامل مع الممرات باعتبارها ملفًا هندسيًا منعزلًا؛ فقرار التنفيذ يجب أن يوضح موقعها بين احتياجات الإنتاج والخدمات، وقدرتها على تغطية أعبائها دون مزاحمة الضروريات الاجتماعية.
إذ إن الاستدانة لمشروع منتج قد تجد مبررها في عوائده، لكن هذا المبرر يظل محتاجًا إلى إثبات؛ ولا تستطيع عبارات المكانة الإقليمية أن تسدد قسطًا أو تعوض تقديرًا متفائلًا لحركة التجارة.
وفي المقابل، لا يتضمن العرض المنشور لتصريحات الوزير تفاصيل مالية مستقلة لكل ممر، ولذلك لا يمكن الجزم من الإعلان وحده بربحية المشروعات أو خسارتها، وتبقى المحاسبة التفصيلية مطلبًا مشروعًا لا تشكيكًا عبثيًا.
وبناءً عليه، ينبغي إخضاع دراسات الجدوى لاختبارات تشمل تأخر التشغيل وتراجع الطلب وارتفاع تكاليف الصيانة، مع إعلان الجهة التي تتحمل الخسائر المحتملة، بدل ترك المخاطر خارج الصورة المشرقة المقدمة إلى الجمهور.
لهذا، فإن الحكومة مطالبة بالتوقف عن تقديم حجم الإنشاءات بديلًا عن كفاءة الإنفاق؛ فالمساءلة تبدأ قبل التعاقد والاقتراض، وإرجاؤها إلى ما بعد اكتمال المشروع يحول الأموال المدفوعة إلى ذريعة لاستمرار المسار.
احتياجات المصريين تسبق دعاية المشروعات
وفي جانب ترتيب الأولويات، انتقد الخبير الاقتصادي هاني توفيق، في تصريحات منشورة بتاريخ 10 مارس 2026، طلب تمويل لمشروعات مثل المونوريل والأبراج الأيقونية، داعيًا إلى تقديم الاحتياجات الأساسية على الإنفاق غير العاجل.
كما شدد توفيق، في سياق حديثه آنذاك عن تداعيات التصعيد الإقليمي، على حماية الفئات الأكثر هشاشة وتوفير الغذاء والخدمات الصحية، معتبرًا أن توجيه الموارد للمشروعات غير الملحة يزيد الضغط على المالية العامة.
وبالاستناد إلى هذا الموقف، يطرح إعلان الممرات سؤال الأولوية والتوقيت، دون نسبة اعتراض مباشر إلى توفيق على الممرات الثمانية؛ فتعليقه السابق يتعلق بمنهج الإنفاق الحكومي وكيفية حماية المجتمع خلال الأزمات الاقتصادية.
ومن ناحية أخرى، فإن ربط الموانئ بالمصانع لا يضمن وحده زيادة الصادرات، ما لم تتوافر للمصنع قدرة على التمويل والإنتاج والطاقة والتسليم، وإلا ظلت كفاءة النقل منفصلة عن اختناقات النشاط المنتج.
كذلك يحتاج وعد خفض التكلفة إلى مؤشرات معلنة تقارن تكلفة نقل الشحنة وزمن الإفراج عنها قبل التطوير وبعده، وتوضح نصيب المصدرين الصغار من التحسن، بدل اقتصار القياس على توسعات المنشآت.
وبالمثل، ينبغي توضيح شروط التعاقد مع المشغلين وتوزيع الإيرادات والالتزامات، لأن جذب شركة عالمية لا يعفي الدولة من إثبات عدالة العقد، وحماية المنافسة، وضمان نصيب مناسب للمصلحة العامة من النشاط.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تتحول المشروعات إلى فرص عمل مستقرة وتكاليف إنتاج أقل وعوائد معلنة؛ أما الاكتفاء بالترويج للموقع الجغرافي فيترك السؤال عن كفاءة الإدارة والإنفاق بلا إجابة مقنعة.
وأخيرًا، لا تحتاج مصر إلى احتفال إضافي يعلن قرب التحول إلى مركز عالمي، بل إلى حكومة تقدم حسابًا قابلًا للفحص؛ فثمانية ممرات لا تمنح ثمانية أعذار لتأجيل الشفافية أو إعفاء المسؤولين من المحاسبة.

