تكشف أزمة الصرف الصحي في دار السلام بسوهاج كيف يمكن لمرفق أساسي مؤجل أن يتحول من مشروع خدمي متعثر إلى خطر يومي يلامس صحة السكان والمياه الجوفية ويضغط على تشغيل منشأة طبية تخدم مئات الآلاف.
وتكشف المذكرة النيابية المقدمة في 19 سبتمبر 2026 أن الاعتراض لم يعد على بطء التنفيذ فقط بل على امتداد الجدول حتى 2028 رغم ارتباط استكمال الشبكة بالتشغيل الكامل لمستشفى دار السلام المركزي.
الصرف المؤجل يفاقم الخطر البيئي
وبحسب الشكاوى الواردة من الأهالي فإن الاعتماد المستمر على البيارات وتراكم مياه الصرف وانتشار الحشرات يضع السكان أمام أضرار صحية وبيئية متكررة ويزيد مخاطر تسرب الملوثات إلى التربة والمياه الجوفية.
كما يضاعف استمرار هذا الوضع كلفة التأخير على الأسر التي تتحمل أعباء شفط البيارات ومواجهة الروائح والحشرات بينما يبقى الحل الدائم مؤجلا رغم أن الصرف الصحي ليس خدمة تجميلية بل ضرورة صحية.
وفي المقابل تعترف التحركات الرسمية نفسها بأن التأجيل حتى 2028 يحتاج إلى مراجعة إذ طالب نائبان عن المنطقة بضغط البرنامج الزمني وتشكيل لجنة فنية وتحديد الأعمال والاعتمادات المطلوبة بصورة ملزمة.
وفوق ذلك فإن مطالبة المذكرة بحل مؤقت وآمن لربط المستشفى بالشبكة تكشف أن مشكلة المرافق تجاوزت حدود الإزعاج المحلي وأصبحت قادرة على تعطيل الاستفادة الكاملة من استثمار صحي قائم بالفعل.
ومن الناحية العلمية يحذر خبراء البيئة والمياه من أن الصرف غير المعالج لا يختفي داخل الأرض بل قد ينقل الملوثات إلى مصادر المياه والتربة ويخلق سلسلة أضرار صحية يصعب عكسها لاحقا.
وفي هذا السياق يكتسب موقف الدكتور نادر نور الدين أستاذ الزراعة والموارد المائية بجامعة القاهرة وزنا خاصا بعدما انتقد في يوليو 2026 سياسات مائية حكومية وطالب بإعادة النظر في أولوياتها.
كما شدد نور الدين في تصريحات حديثة على ضرورة منع إهدار المياه وترشيد استخدامها وهي رؤية تجعل ترك التسربات ومصادر التلوث دون حل سريع تناقضا مع منطق حماية الموارد المائية المحدودة.
وبالتالي فإن أزمة دار السلام لا تبدو منفصلة عن إدارة أوسع للموارد لأن كل يوم تأخير يعني استمرار بيئة غير آمنة حول المنازل والمنشآت العامة مع استنزاف مالي وصحي يدفعه السكان مباشرة.
المستشفى يعمل تحت قيد المرافق
وبدأ مستشفى دار السلام المركزي تشغيل مرحلته الأولى في يوليو 2025 بعد توقف استمر أكثر من أحد عشر عاما وشملت البداية عيادات خارجية والاستقبال والطوارئ والمعامل والأشعة والصيدليات لخدمة سكان المركز.
لكن هذا التشغيل المرحلي لا يلغي المشكلة الحالية لأن المذكرة النيابية في سبتمبر 2026 ربطت استكمال الصرف بقدرة المستشفى على العمل بصورة كاملة وآمنة وطالبت بعدم انتظار الموعد المقرر في 2028.
ومن ثم فإن تصوير الأزمة باعتبار المستشفى مغلقا بالكامل ليس دقيقا بينما الأدق أن خدمات تعمل بالفعل لكن اكتمال المنظومة الطبية يظل مرتبطا بحسم ملف الصرف والمرافق المتأخرة دون إبطاء جديد.
كذلك فإن مستشفى يخدم أكثر من نصف مليون مواطن لا يمكن التعامل مع بنيته الأساسية كملف ثانوي لأن أي قصور في الصرف ينعكس على مكافحة العدوى وسلامة البيئة المحيطة وكفاءة التشغيل.
وفي هذا الإطار ينتقد الدكتور محمد حسن خليل منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة واستشاري أمراض القلب منذ سنوات ضعف الإنفاق العام على الصحة وقصور الاستثمار في المرافق والخدمات الأساسية.
كما أكد خليل في مناقشات صحية أن ضعف التمويل والمرافق العامة يظل من التحديات الكبرى أمام تحسين الخدمة وهو نقد يضع تأخر ربط مستشفى قائم بمرفق أساسي ضمن خلل أوسع في ترتيب الأولويات.
وعلى الأرض فإن زيارة محافظ سوهاج للمستشفى في مايو 2026 لمتابعة الخدمات الطبية تؤكد أن المنشأة تعمل بالفعل جزئيا لكن استمرار أزمة الشبكة يظل نقطة ضعف يمكن أن تقيد التوسع والتشغيل الكامل.
وبهذا تصبح المشكلة أكثر إحراجا إداريا لأن الدولة أنفقت على إنشاء وتجهيز منشأة كبيرة ثم تركت مرفقا أساسيا مرتبطا بها يسير بجدول أبطأ بما يهدد الاستفادة الكاملة من الأموال المنفقة.
وفي النهاية الصحية للأزمة يدفع المواطن الثمن مرتين مرة حين يتعايش مع صرف غير مكتمل حول منزله ومرة حين يجد منشأة طبية يفترض أن تخدم المنطقة مازالت مقيدة باستكمال بنية أساسية ضرورية.
تعدد الجهات يطيل عمر الأزمة
ولا تقف الأزمة عند نقص التمويل وحده لأن أعمال الصرف في دار السلام ظلت جارية حتى منتصف سبتمبر 2026 مع جولات متابعة رسمية ومطالبات للشركات المنفذة برفع معدلات الإنجاز وتذليل العقبات.
كما أن تفقد الأعمال في مدخل أولاد سالم وشارع السادات قبل أيام من المذكرة النيابية يوضح أن التنفيذ لم يتوقف تماما لكن سرعته لم تعد مقبولة بالنسبة لمطالب التشغيل والخدمة المتراكمة.
وفي قراءة أوسع يرى الدكتور حمدي عرفة أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير شؤون البلديات الدولية أن تعدد الجهات وضعف التنسيق بين المرافق من أبرز أسباب إطالة زمن المشروعات الخدمية.
وقد أوضح عرفة في سبتمبر 2026 أن تأخر مرفق واحد قد يؤخر رصف الطرق أو تشغيل منشأة مرتبطة به وطالب بجداول زمنية موحدة ومعلنة تربط المشروعات بدلا من إدارتها كجزر منفصلة.
وهذا التشخيص ينطبق بوضوح على دار السلام حيث تتقاطع شركة المياه والصرف والجهات المحلية والإسكان والصحة والشركات المنفذة بينما يبقى المواطن أمام نتيجة واحدة وهي أن الخدمة لم تكتمل.
وفضلا عن ذلك كانت الحكومة نفسها قد وصفت في يوليو 2026 قطاع معالجة الصرف الصحي بأنه ركيزة استراتيجية للبنية الأساسية وشددت على كفاءة التشغيل والاستدامة والالتزام بالمعايير البيئية.
لكن بقاء دار السلام أمام أفق يمتد إلى 2028 يخلق فجوة واضحة بين الخطاب العام عن أولوية الصرف وبين الواقع المحلي الذي يحتاج إلى ضغط التنفيذ وربط المرافق بمواعيد تشغيل فعلية.
ولهذا فإن طلب تشكيل لجنة فنية ليس إجراء شكليا إذا التزم بتحديد المسؤوليات والأعمال المتبقية والتمويل والموعد النهائي ونشر ما تم إنجازه بما يسمح بمحاسبة أي جهة تتسبب في تعطيل جديد.
وفي المقابل فإن الحل المؤقت المقترح لربط المستشفى يجب ألا يتحول إلى ذريعة لتجميد الشبكة الأساسية بل إلى إجراء قصير المدى يضمن الخدمة الطبية بالتوازي مع استكمال المشروع بصورة نهائية.
كما أن ضغط الجدول الزمني لا ينبغي أن يعني تجاوز المعايير الفنية لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو استبدال التأخير بتنفيذ متعجل يخلق أعطالا وتسربات ويعيد الأزمة بعد إنفاق أموال إضافية.
وأخيرا تكشف دار السلام أن قيمة المشروع لا تقاس بنسبة الحفر أو طول المواسير ولا بعدد الجولات الميدانية بل باليوم الذي تصل فيه الخدمة الآمنة إلى البيوت وتعمل المنشآت العامة بكامل طاقتها.
وبينما ينتظر الأهالي نتيجة ملموسة يظل السؤال الأهم بلا إجابة معلنة حتى الآن وهو لماذا يحتاج مرفق بهذه الصلة المباشرة بالصحة والمستشفى إلى الانتظار حتى 2028 بدلا من جدول أقصر وملزم.

