أقر مجلس النواب في القاهرة، بعد أسبوعين من الجلسات العامة، موازنة 2026-2027 وخطة التنمية، بإيرادات مستهدفة 4 تريليونات جنيه، ومصروفات 5.1 تريليون، وانتهى بإحالة توصيات لجنة الخطة والموازنة للحكومة.

 

هكذا لم يكن التصويت مجرد إجراء مالي، بل تثبيت سياسي لوصفة تستنزف المجتمع، حيث تمر الأرقام من القاعة الباردة، بينما يقف المواطن خارجها بين الغلاء والضرائب والدين وطوابير العلاج المهددة بالانهيار.

 

أرقام رسمية فوق جسد منهك

 

في المقابل، تعرض الحكومة فائضا أوليا مستهدفا عند 5% وعجزا كليا عند 4.9%، لكنها تتجاهل أن الفائض الأولي لا يعني رخاء، بل يعني أن الدولة تجمع قبل أن تدفع فوائد الديون.

 

غير أن الموازنة بنيت على سعر صرف عند 47 جنيها للدولار، ونفط عند 75 دولارا للبرميل، وهي افتراضات تبدو هشة أمام حرب إقليمية وأسواق مضطربة وحكومة اعتادت ترحيل الخسائر للمواطنين.

 

لذلك تصبح الأرقام الرسمية أقرب إلى هندسة محاسبية منها إلى خطة إنقاذ، فالحكومة تطلب من الناس تصديق نمو الإيرادات، بينما يلتهم التضخم أجورهم، وتتحول كل زيادة اسمية إلى ورقة بلا قيمة.

 

وبدورها، تراهن الحكومة على حصيلة ضريبية تقارب 3.5 تريليون جنيه، مع وعود وزير المالية أحمد كجوك بعدم فرض ضرائب جديدة، لكن المعنى العملي أن التحصيل والرسوم والامتثال سيطاردون الناس بطرق مختلفة.

 

كما أن حديث توسيع القاعدة الضريبية لا يصبح عادلا إلا إذا بدأ من الثروة والتهرب والامتيازات، لا من الموظف وصاحب الورشة، وهو ما ينسجم مع تحذير هاني توفيق من ترك المتهربين خارج الحساب.

 

علاوة على ذلك، تكشف خطة التنمية عن إنفاق عام 8.224 تريليونات جنيه، واستثمارات كلية 3.7 تريليون، لكن ضخامة الرقم لا تضمن عدالة الأثر، إذا بقيت الأولوية لمشروعات فوقية لا تلمس جيوب الفقراء.

 

الدين والضرائب يلتهمان السياسة

 

ومن ثم، تبدو الموازنة الجديدة محكومة بظل الدين أكثر من احتياجات المجتمع، فالخدمة العامة لا تتقدم عندما تتحول الإيرادات إلى محطة عبور نحو الدائنين، قبل أن تصل للمدرسة أو المستشفى أو الدعم.

 

بناء على ذلك، يكتسب وصف النائب أحمد فايد للموازنة باعتبارها مشهدا من فيلم رعب معناه السياسي، خصوصا حين يقول إن كل جنيه دين من 2020 أصبح يكلف الموازنة الحالية 2.87 جنيه.

 

في السياق ذاته، تشير مقارنة فايد بين نمو الضرائب بنسبة 164% وزيادة الاستثمارات الحكومية بنحو 55% إلى خلل فاضح، فالمواطن يدفع أكثر، بينما لا يرى عائدا مماثلا في فرص العمل والخدمات.

 

على الجانب الآخر، يلفت ممدوح الولي إلى ضرورة تفكيك جداول الموازنة لا الاكتفاء بالتصريحات، لأن أرقام الفوائد والأقساط تكشف الوزن الحقيقي للدائنين داخل المال العام، بعيدا عن لغة التفاؤل الحكومية.

 

مع ذلك، لا تتعامل السلطة مع الدين كفشل في الأولويات، بل كقدر محاسبي يبرر المزيد من التقشف، وكأن المواطنين هم من قرروا الاقتراض للمشروعات الاستعراضية، ثم عوقبوا بفاتورة السداد.

 

ونتيجة لذلك، يتحول البرلمان إلى ختم سياسي أكثر منه سلطة رقابة، إذ يمرر موازنة مثقلة بالشكوك، ثم يرسل توصيات للحكومة، رغم أن التجربة تقول إن التوصيات غالبا تنتهي في أدراج البيروقراطية.

 

إذ تكشف توصيات لجنة الخطة والموازنة نفسها مقدار القلق من دقة التقديرات، واحتساب الاستحقاقات الدستورية للصحة والتعليم والبحث العلمي، وهو اعتراف ضمني بأن الوثيقة الرسمية تحتاج إلى رقابة لا إلى تصفيق.

 

الصحة والتعليم خارج الأولوية

 

بينما تتحدث الحكومة عن بناء الإنسان، تقول النائبة أميرة فؤاد إن المواطنين لا ينتظرون مؤشرات مالية، بل مستشفيات مجهزة، وأقساما للأورام والعلاج الإشعاعي والحروق والحضانات، وخدمات صحة نفسية لا تحتمل التأجيل.

 

فضلا عن ذلك، تكشف ملاحظات فؤاد الفجوة بين خطاب الدولة وتجربة المريض، فالموازنة التي لا تعالج نقص الأقسام الأساسية تترك الناس فريسة للانتظار أو الاستدانة أو الموت البطيء خارج غرف الرعاية.

 

ومن ناحية أخرى، تدعم الباحثة الاقتصادية سلمى حسين هذا النقد من زاوية دستورية واجتماعية، إذ ترى أن التحايل على نسب الإنفاق على الصحة والتعليم استمر سنوات، رغم الزيادات الاسمية التي تروجها الحكومات.

 

في المقابل، يصبح الحديث عن زيادة مخصصات الصحة والتعليم بلا معنى إذا لم يحتسب على أساس حقيقي، ويصل للمستشفى والمدرسة، ويوقف نزيف الإنفاق الشخصي الذي يدفعه الفقراء تعويضا عن انسحاب الدولة.

 

لهذا تكشف الموازنة عن أزمة حكم قبل أن تكشف أزمة أرقام، فالدولة تجمع الضرائب باسم الإصلاح، وتقترض باسم التنمية، ثم تترك المواطن يشتري حقه في العلاج والتعليم من دخله المنهك.

 

كذلك لا يمكن عزل الموازنة عن السياق السياسي الأوسع، حيث يغيب النقاش الشعبي الحقيقي، وتتحول الجلسات البرلمانية إلى مسرح محدود، يسمح ببعض الاعتراضات، ثم يمرر النتيجة النهائية كما تريد الحكومة.

 

إضافة إلى ذلك، فإن إحالة التوصيات للحكومة لا تكفي إذا لم تلزمها بمراجعة افتراضات الدولار والنفط، وضبط خدمة الدين، وتوجيه الموارد للصحة والتعليم والدعم، لا إلى بنود تبتلعها الفوائد والمشروعات المؤجلة.

 

أما المواطن، فهو الطرف الغائب الحاضر في كل رقم، يدفع ضريبة أعلى، ويتحمل سعرا أعلى، وينتظر خدمة أضعف، بينما تخبره الدولة أن المؤشرات تتحسن وأن الإصلاح يحتاج صبرا إضافيا.

 

وبالنتيجة، تمر موازنة 2026-2027 كوثيقة جباية ودين أكثر منها عقدا اجتماعيا، لأنها تعد الدائنين بما يريدون، وتعد الحكومة بالأرقام، وتترك المصريين أمام خدمات متهالكة ومعيشة قاسية وأسئلة بلا إجابة.

 

وفي النهاية، فإن المعارضة الحقيقية لهذه الموازنة لا تبدأ من رفض الأرقام فقط، بل من رفض فلسفة كاملة تعتبر المواطن مصدرا للتحصيل لا صاحب حق، وتتعامل مع الصحة والتعليم كمتبقيات بعد الدين.