كشفت التحقيقات في الإسكندرية عن تفاصيل مأساوية لجريمة قتل جماعي ارتكبها أب بحق أربعة من أبنائه خنقاً، قبل أن يتخلص من جثثهم بإلقائها في مياه الملاحات بمنطقة بحيرة مريوط غرب المدينة، في واقعة هزّت الرأي العام وأعادت فتح ملف العنف الأسري والفقر والاضطرابات النفسية المهملة.

 

بداية القصة.. جثث مجهولة في الملاحات

 

بدأت فصول الجريمة ببلاغ تلقته مديرية أمن الإسكندرية من قسم شرطة كرموز، يفيد بعثور الأهالي على أربع جثث لأطفال داخل ملاحات تقع على الطريق الدولي الساحلي، حيث جرى انتشال الجثث ونقلها إلى المشرحة، وسط حالة من الذهول والصدمة بين الأهالي.

 

وبسبب عدم وجود أي أوراق ثبوتية بحوزة الضحايا، بدت القضية في بدايتها لغزاً غامضاً، خاصة مع تغير ملامح الجثث نتيجة بقائها عدة أيام في المياه المالحة، ما صعّب عملية التعرف عليها سريعاً.

 

تحريات موسعة وتقنيات حديثة

 

أمام غموض الواقعة، شكّلت الأجهزة الأمنية فريق بحث جنائي موسع، عمل على عدة مسارات متوازية، شملت مراجعة بلاغات التغيب عن الأطفال في محافظة الإسكندرية والمحافظات المجاورة، وفحص حركة المترددين على الطريق الدولي الساحلي، إلى جانب تفريغ تسجيلات كاميرات المراقبة المنتشرة في محيط موقع العثور على الجثث.

 

ومع تقدم التحريات، بدأت خيوط القضية تتكشف تدريجياً، خاصة بعد رصد إحدى الكاميرات لتحركات رجل بصحبة عدد من الأطفال، ثم اختفائه في منطقة تخلو من الكاميرات قبل أن يظهر مجدداً بعد ساعات بمفرده، في مشهد أثار شكوك المحققين.

 

صدمة الحقيقة: الأب هو الجاني

 

بعد أيام من العمل الأمني المكثف، توصلت التحريات إلى هوية الضحايا، وتبيّن أنهم أربعة أشقاء، ثلاث فتيات وولد، تتراوح أعمارهم بين 8 و17 عاماً. والأكثر صدمة أن المتهم الرئيسي في القضية لم يكن سوى والدهم، بائع فول يبلغ من العمر 50 عاماً، ينحدر من محافظة المنيا.

 

وباستئذان النيابة العامة، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على المتهم، الذي انهار خلال التحقيقات واعترف تفصيلياً بارتكاب الجريمة، مؤكداً أنه خنق أبناءه الأربعة واحداً تلو الآخر، ثم ألقى جثثهم في مياه الملاحات قبل نحو عشرة أيام.

 

اعترافات أخطر… زوجة قُتلت وأُلقيت في النيل

 

وخلال استجوابه، فجّر المتهم مفاجأة صادمة أخرى، حين أقر بأنه سبق أن قتل زوجته قبل نحو عام، وألقى جثتها في نهر النيل بمحافظة المنيا، مدعياً أن الجريمة جاءت نتيجة شكه في سلوكها، وفق زعمه.

 

وأوضح أنه عقب مقتل زوجته فرّ من الصعيد، متنقلاً بين عدة محافظات، قبل أن يستقر في الإسكندرية ويعمل بائع فول، دون أن تُكتشف جريمة قتل الزوجة طوال هذه الفترة.

 

دوافع الجريمة… فقر وادعاءات ومعايرة

 

وبرّر المتهم جريمته بحق أبنائه بعجزه عن الإنفاق عليهم، إضافة إلى ما وصفه بتعرضه للمعايرة من المحيطين به بسبب سلوك والدتهم، وفق أقواله.

 

كما أشار إلى أن أحد أبنائه الخمسة نجا من القتل، لكونه كان نائماً بجوار عمته التي يقيم معها في منطقة الورديان غرب الإسكندرية، ولم يتمكن من اصطحابه يوم تنفيذ الجريمة.

 

تفاصيل يوم الجريمة

 

كشفت التحقيقات أن المتهم كان يقيم مع أبنائه الخمسة في منزل شقيقته. وفي صباح يوم الواقعة، قرابة الساعة السابعة، اصطحب أربعة من أبنائه – الابن الأكبر وثلاث فتيات – وترك الطفل الأصغر نائماً. وعاد إلى المنزل في نحو الثالثة عصراً من دونهم، ثم غادر مرة أخرى في المساء.

 

وعندما سألته شقيقته عن مصير الأطفال، ادعى أنه استأجر لهم شقة جديدة، قبل أن يختفي تماماً، لتتكشف الحقيقة لاحقاً مع العثور على الجثث.

 

محاولة فاشلة وجريمة مكتملة

 

وأظهرت التحقيقات أن المتهم حاول في البداية التخلص من أبنائه بطريقة أخرى، إذ اصطحبهم ليلاً إلى أحد مزلقانات السكك الحديدية، محاولاً إلقاءهم أسفل عجلات القطار، إلا أن وجود عدد كبير من المواطنين حال دون تنفيذ مخططه، ما دفعه إلى تغيير وجهته نحو منطقة الملاحات.

 

هناك، نفّذ جريمته البشعة، حيث خنق أبناءه الأربعة تباعاً، ثم ألقى جثثهم في المياه، قبل أن يفر إلى محافظة الدقهلية في محاولة للتخفي، إلى أن نجحت الأجهزة الأمنية في ضبطه.

 

قرارات النيابة واستمرار التحقيقات

 

وقررت النيابة العامة حبس المتهم أربعة أيام احتياطياً على ذمة التحقيقات، مع استمرار تحريات المباحث الجنائية، وسماع أقوال الشهود، وطلب تقرير مفصل عن تفريغ تسجيلات كاميرات المراقبة، إضافة إلى تقارير الطب الشرعي الخاصة بمناظرة جثامين الضحايا، تمهيداً للتصريح بدفنهم.

 

ونُقلت جثامين الأطفال إلى مشرحة كوم الدكة، فيما جرى تحرير محضر إداري بالواقعة، ولا تزال التحقيقات مستمرة لكشف جميع الملابسات والدوافع المرتبطة بالجريمة، بما في ذلك واقعة قتل الزوجة التي اعترف بها المتهم.

 

جريمة تهز المجتمع وأسئلة بلا إجابة

 

أثارت الجريمة صدمة وغضباً واسعَين في الشارع وأعادت إلى الواجهة نقاشاً مؤلماً حول تصاعد العنف الأسري، وتأثير الفقر والاضطرابات النفسية غير المرئية، وغياب آليات الحماية الاجتماعية للأطفال داخل الأسر الهشة.

 

وفي وقت تتزايد فيه الجرائم الأسرية بشكل لافت، حذّر حقوقيون من خطورة تجاهل البعد الاجتماعي والإنساني في التعامل مع هذه القضايا، مؤكدين أن المأساة لا تتوقف عند حدود الجريمة، بل تمتد إلى منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة جادة، لحماية الأطفال ومنع تكرار مثل هذه الكوارث الإنسانية.

 

https://www.youtube.com/shorts/Vm0Wk6nfCDc