لم يعد الكلام عن “استقلال القضاء” في مصر سوى نكتة سوداء، بعد التسريب غير المسبوق لكشوف تعيين 790 معاون نيابة من دفعة 2022، التي حصلت عليها منصة “متصدقش” من داخل مكتب تعيينات الأعضاء بمكتب النائب العام.

المذكرة السرّية، التي أقرّ بصحتها قضاة بارزون في محكمة النقض واستئناف القاهرة والتفتيش القضائي، كشفت ما يعرفه الجميع ويجري إنكاره رسميًا منذ سنوات: القضاء في “جمهورية السيسي” يُدار بالوراثة لعائلات قضائية وأمنية وعسكرية، بينما يُسحب ملف التعيينات تدريجيًا من أيدي المجلس الأعلى للقضاء لصالح الأكاديمية العسكرية، في خطوة فجة لعسكرة ما تبقّى من مؤسسات الدولة.

 

هذا التسريب لم يكن مجرد “فضيحة أخلاقية” تخص المحسوبية والواسطة؛ بل وثيقة سياسية من العيار الثقيل، تكشف حجم الصراع المكتوم بين القضاة من جهة، ومؤسسة الرئاسة والأجهزة السيادية من جهة أخرى، على من يملك حق صناعة القاضي القادم الذي سيحكم باسم الشعب، بينما هو في الحقيقة ابن القاضي، أو الضابط، أو عضو مجلس الشيوخ المعيَّن بقرار من الحاكم.

 

تسريب يهزّ أسطورة “هيبة القضاء” ويفضح صراع الكواليس

 

بحسب مصادر “متصدقش”، التسريب لم يكن صدفة ولا “اختراقًا” من الخارج؛ بل خُرِجت المذكرة من داخل المجموعات المغلقة للقضاة عمدًا وبقرار محسوب التوقيت، يُرجّح أنه من داخل المجلس الأعلى للقضاء نفسه.

المجلس الذي وجد نفسه في قلب عاصفة سياسية بعد تسرب نية السيسي نقل التعيينات والترقيات بالكامل إلى الأكاديمية العسكرية، قرر أن يغسل يديه أمام القضاة والرأي العام: نحن انتهينا من اختيار الدفعة واعتمادها في 31 ديسمبر 2025، وأي تجميد أو إلغاء أو تعديل لاحق ليس من مسؤوليتنا.

 

هذا التوقيت شديد الدلالة؛ فالتسريب خرج إلى العلن بعد يوم واحد فقط من اجتماع طارئ لنادي قضاة مصر، أعلن فيه حالة الانعقاد الدائم، ولوّح بعقد جمعية عمومية طارئة في 6 فبراير 2026 لمواجهة ما وصفه القضاة بـ”أمر جسيم” يمس استقلال القضاء وبنيته المؤسسية.

أي أن المجلس الأعلى للقضاء، المحاصر بغضب القضاة من جهة، وضغط السلطة التنفيذية والأجهزة من جهة أخرى، قرر أن يرمي الكرة في ملعب الرئاسة والأكاديمية العسكرية، وأن يقول للقضاة: “الكشوف مكتملة، أولادكم موجودون، وإذا تم ذبح هذه الدفعة أو إعادة فتح الملف، فالمجزرة ليست من عندنا”.

 

لكن ما يكشفه التسريب أخطر من مجرد “تبرئة ذمة”. فهو يفضح حجم المعركة الحقيقة على السلطة داخل القضاء: من يملك مفاتيح التعيين والترقية؟ المجلس الأعلى للقضاء الذي راعى التوازنات القديمة بين أبناء القضاة والشرطة والجيش، أم الأكاديمية العسكرية التي تريد أن تصبح الباب الوحيد لكل من يحلم بارتداء روب القضاء، ليخرج في النهاية قاضٍ “مؤمَّن سياسيًا وأمنيًا” قبل أن يعرف حتى معنى العدالة؟

 

قضاء الوراثة: أولاد القضاة والأمن يجلسون على منصة الحكم قبل أن يولدوا مهنيًا

 

قراءة أولية في الكشوف المسربة تكفي لتكشف حقيقة “جمهورية الأولاد”: أكثر من 30% من المقبولين أبناء قضاة، ونسبة مماثلة تقريبًا من أبناء ضباط الشرطة والجيش، أي أن ما يزيد على 60% من الدفعة ينتمي إلى العائلات القضائية والأمنية والعسكرية.

هذا ليس “ميلًا طبيعيًا” أو “صدفة سعيدة”، بل منظومة مغلقة تحكمها علاقات الدم والسلطة، وتقصي أبناء الفقراء والطبقة الوسطى من منصة العدالة قبل أن يطرقوا بابها.

 

الأسماء ليست مجرد أرقام؛ فالكشف يضم أبناء قضاة لعبوا أدوارًا مركزية في القضايا السياسية الكبرى: فض اعتصام رابعة، اغتيال النائب العام، أحداث ماسبيرو، “طلاب ضد الانقلاب”، وملفات أخرى حوّل فيها القضاء إلى عصاٍ غليظة في يد السلطة.

بعض الأسماء الواردة هي لأبناء رؤساء دوائر جنايات أمن الدولة العليا، ونواب رؤساء محكمة النقض، ورؤساء مكاتب فنية للنائب العام، وقيادات التفتيش القضائي وهيئة قضايا الدولة، في رسالة واضحة من المجلس الأعلى للقضاء للقضاة الغاضبين: أبناءكم في المقدمة، وأماكنهم محفوظة.

 

ولا يقف الأمر عند عائلات القضاة فقط؛ فالتسريب يكشف حضورًا لافتًا لأبناء قيادات أمنية وعسكرية: أبناء مساعدي وزراء الداخلية، ومديري الأمن، وضباط الأمن الوطني، وقادة في القوات المسلحة والمخابرات الحربية، بل وحتى أبناء ضباط كان لهم دور مباشر في قضايا سياسية حساسة مثل “أحداث الاتحادية”. هكذا يتحوّل القضاء إلى امتداد طبيعي لسلسلة الأوامر الأمنية، لا إلى سلطة مستقلة تراقب وتحاسب هذه الأجهزة.

 

الأدهى أن القائمة تضم أيضًا أبناء أعضاء مجلس الشيوخ المعيَّنين بقرارات رئاسية، في تجسيد فاضح لطبيعة النظام: الحاكم يعيّن النائب، والنائب يدخل ابنه إلى القضاء، والقاضي الجديد يحمي شرعية الحاكم والنائب… دائرة مغلقة من المصالح لا مكان فيها لمفهوم “الشعب مصدر السلطات”.

 

عسكرة العدالة: الأكاديمية العسكرية فوق المجلس الأعلى للقضاء

 

في خلفية هذا التسريب يقف مشروع أخطر بكثير من مجرد “واسطة” في التعيينات: تحويل الأكاديمية العسكرية إلى بوابة إلزامية لكل من يريد الانخراط في السلك القضائي. الفكرة كما رصدتها “متصدقش” في تقارير سابقة تقوم على إلغاء مكتب تعيينات الأعضاء بمكتب النائب العام، ونقل الاختصاص بالكامل للأكاديمية العسكرية، لتتولى استقبال الطلبات، وإجراء التقييم، وتنفيذ التدريب الإلزامي، ثم تمرير الأسماء إلى الرئاسة لإصدار القرار الجمهوري.

 

بمعنى أوضح: القاضي القادم لن يكون ابن الكتاب والقانون، بل ابن الدورة العسكرية والفرز الأمني، وهو ما يفسر غضب القضاة الذين يمثل أبناؤهم نسبة كبيرة من هذه الدفعة. فحتى داخل بنية الدولة العميقة، هناك من يدرك أن عسكرة القضاء بهذا الشكل تعني تجريد المجلس الأعلى للقضاء من آخر أوراق قوته، وتحويله إلى مجرد ختم على قرارات تُتخذ في مقرات الأجهزة.

 

تسريب الكشوف، إذن، هو صرخة من داخل النظام نفسه، لا دفاعًا عن العدالة، بل دفاعًا عن “حصص” القضاة في كعكة السلطة. أما الحقيقة المرَّة فهي أن الخاسر الوحيد في صراع الأجنحة هذا هو المواطن العادي، الذي يذهب إلى محكمة يواجه فيها قاضيًا ربما يكون ابن من أصدر أو صادق على قرارات قمعه، أو ابن ضابط شارك في اعتقاله أو تعذيبه، أو ابن نائب جلس في مجلس بلا صلاحيات لتمرير قوانين تخنق حريته.

 

في النهاية، تسريب دفعة 2022 لا يفضح فقط قضاءً بالوراثة، بل يكشف بوضوح أن نظام السيسي لا يريد عدالة مستقلة، بل قضاةً مدجَّنين، يخرجون من تحت يد المؤسسة العسكرية والأمنية، ويحكمون باسم القانون بينما هم في الحقيقة جزء من ماكينة القمع ذاتها… نفس الماكينة التي تملأ السجون، وتغلق المجال العام، وتستخدم “هيبة القضاء” ستارًا لشرعنة كل ما لا يمكن تبريره.