منذ قرابة عامين، تعيش أسرة الطبيب المصري محمد سعيد حالة قلق لا تنتهي، بعد اختفائه المفاجئ داخل الأراضي الصومالية أثناء مشاركته في مهمة إغاثية إنسانية.
القضية، التي بدأت كرحلة عمل طبي نبيلة، تحولت إلى واحدة من أكثر الملفات الإنسانية غموضًا، في ظل غياب معلومات رسمية حاسمة، وصمت طويل من الجهات المعنية، مقابل استغاثات متكررة من الزوجة والأسرة.
القصة عادت بقوة إلى الواجهة مؤخرًا بعد تداول مقاطع مصورة لزوجة الطبيب، ظهرت فيها وهي تطالب بتدخل عاجل لكشف مصير زوجها، مؤكدة أن الغموض الممتد لعامين بات عبئًا نفسيًا وإنسانيًا لا يُحتمل.
مهمة إغاثية انتهت باختفاء كامل
محمد سعيد، طبيب مصري من محافظة المنوفية، سافر إلى الصومال ضمن مهمة إغاثية إنسانية، في وقت كانت فيه البلاد تعاني من أوضاع صحية صعبة ونقص حاد في الكوادر الطبية. ووفق المعلومات المتداولة، كان وجوده في الصومال مرتبطًا بالعمل الطبي فقط، دون أي نشاط سياسي أو أمني.
لكن بعد فترة من وجوده هناك، انقطع الاتصال به بشكل كامل. لا مكالمات، لا رسائل، ولا أي إشارات تطمئن أسرته. ومع مرور الأيام، تحولت حالة “فقدان الاتصال” إلى ملف اختفاء مفتوح، دون إعلان رسمي يوضح ما إذا كان الطبيب محتجزًا، أو تعرض لحادث، أو وقع ضحية للانفلات الأمني المعروف في بعض المناطق الصومالية.
خبراء في الشؤون الإنسانية يرون أن خطورة الواقعة لا تكمن فقط في اختفاء شخص، بل في أن الاختفاء طال طبيبًا كان يؤدي عملًا إغاثيًا، وهو ما يثير تساؤلات حول سلامة العاملين في المجال الإنساني، وضمانات حمايتهم في مناطق النزاع.
زوجة الطبيب: عامان من الانتظار بلا إجابة
في مقاطع الفيديو التي جرى تداولها على نطاق واسع، ظهرت زوجة محمد سعيد وهي تروي تفاصيل المعاناة الممتدة لعامين، مؤكدة أنها لم تتلقَّ أي معلومة مؤكدة عن مصير زوجها منذ اختفائه. وأوضحت أن الأسرة طرقت كل الأبواب الممكنة، دون الوصول إلى نتيجة واضحة.
الزوجة شددت على أن زوجها لم يكن مسافرًا بحثًا عن مكسب شخصي، بل لأداء واجبه الإنساني والطبي، معتبرة أن أقل ما تستحقه الأسرة هو معرفة الحقيقة، أياً كانت. هذه الرسائل الإنسانية لاقت تعاطفًا واسعًا، وأعادت طرح القضية باعتبارها ملفًا إنسانيًا قبل أن تكون شأنًا سياسيًا أو أمنيًا.
خبراء في القانون الدولي الإنساني يؤكدون أن اختفاء عامل إغاثة أو طبيب في منطقة نزاع يستوجب تحركًا عاجلًا متعدد المسارات، يشمل التواصل مع السلطات المحلية، والمنظمات الدولية، والجهات ذات الصلة، وعدم ترك الملف رهينة الزمن.
صمت رسمي وتساؤلات لا تنتهي
حتى الآن، لم يصدر توضيح رسمي حاسم يشرح ملابسات اختفاء الطبيب المصري، أو يحدد مسار التحقيقات، وهو ما فتح الباب أمام حالة من الإحباط والغضب المكتوم لدى الأسرة والمتابعين. ويرى خبراء أن طول أمد الصمت يزيد من تعقيد القضية، ويضعف فرص الوصول إلى خيوط حاسمة.
كما يشير مختصون إلى أن مرور عامين دون إجابة واضحة يطرح تساؤلات حول آليات المتابعة في مثل هذه الحالات، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواطنين يعملون في بيئات عالية الخطورة. ويؤكدون أن إدارة هذا النوع من الملفات تتطلب شفافية مدروسة، حتى لا تتحول المعاناة الإنسانية إلى حالة نسيان تدريجي.
السياق الأمني في الصومال وخطورة العمل الإنساني
العمل الطبي والإغاثي في الصومال يظل محفوفًا بالمخاطر، في ظل الأوضاع الأمنية المعقدة، وتعدد الأطراف المسلحة، وضعف السيطرة المركزية في بعض المناطق. خبراء أمنيون يوضحون أن العاملين في المجال الإنساني قد يجدون أنفسهم عرضة لمخاطر غير متوقعة، رغم الطبيعة السلمية لعملهم.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن قضية محمد سعيد لا يجب أن تُقرأ كحالة فردية فقط، بل كمؤشر على الحاجة إلى تعزيز إجراءات الحماية، ووضع آليات واضحة لمتابعة العاملين في المهام الإنسانية، وضمان عدم ترك أسرهم في مواجهة المجهول حال وقوع أي طارئ.
قضية إنسانية تتجاوز الفرد
مع عودة القضية إلى الواجهة، تتزايد الدعوات للتعامل معها بوصفها قضية إنسانية عاجلة، لا تحتمل مزيدًا من الانتظار. فمعرفة مصير طبيب اختفى أثناء أداء عمل إنساني ليست مطلبًا أسريًا فحسب، بل التزام أخلاقي تجاه كل من يغامر بحياته لتقديم المساعدة في مناطق الأزمات.
خبراء في الشأن الحقوقي يؤكدون أن إبقاء الملف مفتوحًا دون نتائج يبعث برسالة سلبية للعاملين في المجال الإنساني، ويقوض الثقة في منظومات الحماية والمتابعة.
انتظار الحقيقة
بعد عامين من الغياب، لا تزال أسرة محمد سعيد تنتظر إجابة واحدة واضحة: أين اختفى الطبيب المصري؟ وهل ما زال على قيد الحياة؟ وبين استغاثات الزوجة، وتعاطف الرأي العام، وصمت المعلومات، تبقى القضية اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات على التعامل مع الملفات الإنسانية المعقدة، قبل أن يطويها النسيان.

