تُظهر بيانات ميزان المدفوعات الأخيرة أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر تراجع بنحو 11% في الربع الأول من العام المالي 2025/2026، إلى 2.4 مليار دولار فقط، مقابل 2.7 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، رغم كل ضجيج السلطة عن «تحسن مناخ الاستثمار» و«عودة الثقة».
هذا التراجع يأتي بعد عام استثنائي دخلت فيه مليارات الدولارات إلى الخزانة عبر صفقة رأس الحكمة مع الإمارات بقيمة إجمالية معلنة تبلغ 35 مليار دولار، جزء كبير منها تنازل عن ودائع قديمة وليست استثمارًا إنتاجيًا جديدًا بالمعنى الحقيقي.
ومع ذلك، ما إن هدأ أثر الصفقة حتى ظهرت الحقيقة: المستثمر الجاد لا يثق في اقتصاد تُهيمن عليه الدولة والأجهزة، وتُدار فيه الملفات الكبرى بصفقات مغلقة لا بسياسات شفافة ومستقرة.
في هذا التقرير نستند إلى تحليلات أربعة من أبرز الاقتصاديين: د. سالي صلاح، د. عالية المهدي، د. هاني توفيق، ود. مدحت نافع، لنفهم: لماذا تهرب الاستثمارات من مصر، رغم كل «القوانين» و«الفرص» التي تروّج لها الحكومة؟
أرقام المركزي تفضح الوهم: صفقات عقارية ضخمة… واستثمار منتج هزيل
بحسب بيانات البنك المركزي، سجل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر 2.4 مليار دولار في الربع الأول من السنة المالية 2025/2026، بتراجع 11% عن الفترة نفسها من العام السابق، رغم تحسن نسبي في بعض المؤشرات الخارجية بعد تعويم الجنيه وتدفقات من الخليج.
في المقابل، تعتمد السلطة في تسويق «نجاحها» على صفقة رأس الحكمة مع الإمارات، التي ضخت 35 مليار دولار في فترة قصيرة، جزء منها عبر تحويل ودائع إماراتية قديمة لدى البنك المركزي إلى «استثمار مباشر» على الورق، وجزء آخر عبر بيع حقوق تطوير واحدة من أهم السواحل المصرية لصالح صندوق إماراتي.
هنا تطرح د. سالي صلاح سؤالًا حادًا: هل ما يجري «استثمار» أم «استعمار اقتصادي مقنّع»؟
في تحليل مطوّل، تشير إلى أن نمط تدفق الأموال الخليجية – خاصة الإماراتية – يقوم على الاستحواذ على أراضٍ زراعية وموانئ ومواقع استراتيجية (من وادي النطرون إلى رأس بناس ورأس الحكمة)، مقابل التزامات ضريبية ورسومية هزيلة، بينما يتحمل الشعب فاتورة الديون والضرائب التي قفزت لتشكل نحو 89% من إيرادات الموازنة بحسب تقديراتها.
وتخلص صلاح إلى أن ما تسميه الحكومة «استثمارًا» هو في كثير من الأحيان:
بيع أصول وسيادة مستقبلية مقابل سيولة عاجلة تُستخدم لسد فجوات الدولار وخدمة الدين، دون أي تحول حقيقي في بنية الاقتصاد أو قدرته الإنتاجية.
تراجع صافي الاستثمار الأجنبي المنتج – رغم صفقة بحجم رأس الحكمة – يُثبت عمليًا أن العالم لا ينخدع بالرواية الرسمية؛ المستثمر يقيس المناخ الاستثماري بما يراه من شفافية وحكم قانون ومنافسة عادلة، لا بعدد الصور التذكارية في حفلات التوقيع.
اقتصاد مرتهن وقطاع خاص مخنوق
تحذّر د. سالي صلاح من أن مصر تسلّم أراضيها الزراعية وموانئها ومواقع حساسة لشركات أجنبية، بينما تبقى نسبة كبيرة من غذائها مستوردة، وديونها الخارجية تتجاوز 180 مليار دولار، والداخلية نحو 15 تريليون جنيه، مع اعتماد متزايد على الضرائب لسد عجز الموازنة.
بهذا المعنى، ترى أن نموذج «الاستثمار» الحالي يضاعف هشاشة الاقتصاد بدل أن يقللها.
من زاوية أخرى، تذهب د. عالية المهدي – العميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – إلى قلب المشكلة:
لا يمكن الحديث عن جذب استثمار أجنبي جاد بينما القطاع الخاص المحلي نفسه مُهمّش ومُحاصر.
في تحليل لها حول خطاب «اقتصاد الحرب»، تؤكد المهدي أن جذور الأزمة ليست فقط في نقص الدولار أو تقلبات سعر الصرف، بل في تراجع دور القطاع الخاص وانكماش نصيبه من الائتمان المصرفي إلى نحو 21% فقط، وهو مستوى متدنّ جدًا لا يشجع على الاستثمار أو التوسع الإنتاجي.
تشدد المهدي على أن:
- القطاع الخاص يوظف نحو 75% من قوة العمل في مصر، ومع ذلك لا يحصل إلا على حصة ضئيلة من التمويل.
- معظم الإنتاج والتصدير (باستثناء النفط) يعتمد على هذا القطاع، بينما تركز الدولة على المشروعات العقارية والإنشائية كثيفة الدين وقليلة القيمة المضافة.
توصيتها واضحة:
قبل أن نطارد المستثمر الأجنبي، علينا أولًا أن نحرر المستثمر المحلي من قبضة البيروقراطية والأجهزة، وأن نعيد صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد بعيدًا عن منطق «اقتصاد الحرب» الذي يدفع الثمن فيه المواطن والقطاع الخاص معًا.
لكن ما يحدث على الأرض – من توسع أذرع الدولة والأجهزة السيادية في كل قطاع تقريبًا – يبعث برسالة عكسية تمامًا: السوق محجوزة، والقواعد تتغير بقرار سيادي، والمنافسة غير متكافئة.
أزمة مناخ لا تُصلحها قوانين ولا صفقات
منذ سنوات، يكرر الخبير الاستثماري د. هاني توفيق نقطة جوهرية:
«مشكلة الاستثمار في مصر ليست قانونًا، بل مناخ استثماري معطوب».
في حوار قديم لكنه ما زال صالحًا تمامًا اليوم، قال توفيق بوضوح إن الاعتقاد بأن الاستثمار الأجنبي المباشر سيعود بمجرد إصدار قانون استثمار جديد هو وهم؛ لأن المناخ يعاني من الفساد، وتدخلات المحليات، وبطء استخراج التراخيص، ونقص الأراضي الصناعية المرفقة.
هذه العوامل نفسها هي التي تدفع المستثمر الأجنبي اليوم إلى التردد أو الانسحاب، مهما تعددت القوانين أو «الحوافز الورقية».
الدكتور مدحت نافع، في أكثر من مقال، يضع إصبعه على جرح آخر:
اعتماد السلطة المفرط على الأموال الساخنة وصفقات بيع الأصول، بدل بناء قاعدة إنتاجية تجذب استثمارًا مستقرا.
في تحليله لمؤشرات المخاطر، يوضح نافع أن الاعتماد على استثمارات الأجانب في أدوات الدين – مع كل موجات الدخول والخروج السريعة – جعل الاقتصاد رهينة لتقلبات هذه التدفقات، وأعادنا مرارًا إلى دوامة «الشح الدولاري»، وتراجع صافي الأصول الأجنبية في البنوك، رغم فترات قصيرة من التحسن بعد التعويم وصفقة رأس الحكمة.
وفي مقال آخر عن «مصر تستطيع بالصناعة»، يربط نافع بين ضعف مساهمة الصناعة في الناتج المحلي (نحو 16% فقط) وضعف جاذبية الاقتصاد للاستثمار الأجنبي الحقيقي، مشيرًا إلى أن الأنشطة الريعية – كالعقار، والذهب، وأدوات الدين – تزاحم الصناعة على التمويل، في ظل عوائد فائدة مرتفعة لا يمكن لأي نشاط إنتاجي أن ينافسها.
يخلص نافع إلى أن:
- بناء قاعدة صناعية وزراعية قوية هو الشرط الأساسي لاستدامة الاستثمار الأجنبي المباشر.
- تحسين مناخ الاستثمار يعني:
- تخفيض كلفة التمويل
- تسهيل التراخيص
- توفير أراضٍ صناعية مرفقة
- ضمان منافسة عادلة لا تميّز كيانًا مملوكًا للدولة أو الجيش على حساب مستثمر مدني
خلاصة: تراجع الأرقام ليس «صدفة»… بل استفتاء صامت على سياسات فاشلة
حين يتراجع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر 11% في ربع سنة، ليقف عند 2.4 مليار دولار فقط، رغم تعويم العملة، وصفقة عقارية عملاقة، وحملات دعائية عن «مناخ جاذب»؛ فهذه ليست «تقلبات عابرة»، بل تصويت صامت من المستثمرين ضد الطريقة التي يُدار بها الاقتصاد المصري.
من مجمل ما قالته د. سالي صلاح، ود. عالية المهدي، ود. هاني توفيق، ود. مدحت نافع، يمكن تلخيص الرسالة في النقاط التالية:
- الاستثمار لا يأتي إلى اقتصاد مرتهن للديون، تُباع فيه الأصول الاستراتيجية لسد فجوة الدولار، بينما تُسحق الطبقات الوسطى بالضرائب.
- ولا يأتي إلى دولة تخنق القطاع الخاص وتترك له 21% فقط من الائتمان المصرفي، بينما تفتح كل الأبواب للأذرع الاقتصادية الرسمية وشبه الرسمية.
- ولا يأتي إلى سوق تغيب فيها الشفافية، وتُغيّر فيها القواعد بقرارات أمنية، ويتحكم فيها منطق «اقتصاد الحرب» والتعبئة المستمرة بدل منطق التخطيط والإصلاح.
لذلك، فإن تراجع الاستثمار الأجنبي اليوم ليس مجرد «رقم سلبي» في بيان البنك المركزي، بل شهادة دولية على فشل نموذج اقتصادي يقوم على: بيع الأصول، وتوسيع قبضة الدولة والأجهزة، وتحصيل الضرائب من شعب منهك، مع تجاهل تام لمطالب الإصلاح الحقيقي.
وببساطة:
المستثمر الأجنبي لا يثق في اقتصاد لا يثق فيه أهله.
ما لم يتغير هذا الواقع من جذوره، ستظل كل صفقات المليارات مجرد «جرعة مسكن» قصيرة الأجل، تعجز عن إخفاء حقيقة اقتصاد يطرد الاستثمار بدل أن يجذبه.

