لم تكن وفاة الفتاة في قوص حادثًا مفاجئًا ولا قدرًا غامضًا. ما جرى كان جريمة بطيئة، ممتدة، ومقصودة، انتهت بموت فتاة قاصر بعد حرمانها من الطعام والشراب داخل منزل يفترض أنه مكان أمان. التفاصيل التي تكشفت في يناير الماضي صادمة بما يكفي لهز أي ضمير حي، ليس فقط بسبب قسوتها، بل لأن الجناة كانوا الأب والأم معًا، ولأن الجريمة استمرت أكثر من عام دون أن تنقذ الضحية.

 

الواقعة حدثت في قرية أبو خزام بمركز قوص بمحافظة قنا، حيث توجه الأب إلى الوحدة الصحية طالبًا استخراج تصريح دفن لابنته البالغة من العمر 17 سنة. الطبيب لاحظ هزالًا غير طبيعي على الجثمان، ورفض إصدار التصريح، لتبدأ خيوط الجريمة في الظهور.

 

حبس وتجويع لمدة عام وشهر

 

التحقيقات كشفت أن الفتاة لم تمت في يوم أو أسبوع، بل بعد عام وشهر كاملين من الاحتجاز داخل غرفة مغلقة في منزل الأسرة. الأب أقر أمام جهات التحقيق بأنه قام بحبس ابنته بدعوى “تأديبها”، لكن التحريات أثبتت أن ما حدث كان احتجازًا قسريًا وتعذيبًا وتجويعًا ممنهجًا.

 

الفتاة كانت مقيدة داخل غرفة حديدية، ومحرومة من الطعام بشكل متعمد. لم يكن الحرمان عارضًا أو نتيجة فقر، بل عقابًا متواصلًا انتهى بجسد هزيل وجفاف شديد. التحقيقات كشفت أيضًا أن الأب حفر حفرة داخل الغرفة لاستخدامها لقضاء الحاجة، في مشهد يعكس مستوى غير مسبوق من القسوة والتجرد.

 

زوجة الأب، وهي والدة الضحية، لم تكن غائبة. أقرت في التحقيقات بأنها كانت على علم كامل بما يجري، ولم تتدخل لوقفه. بل إن شهادات داخل الأسرة أكدت أن باقي الأبناء كانوا يدركون أن شقيقتهم محتجزة وممنوعة من الطعام.

 

الطب الشرعي: الجسد يروي ما أُخفي

 

نقل الجثمان إلى مستشفى قوص المركزي فتح الباب أمام الحقيقة كاملة. تقرير الطب الشرعي كشف عن هزال تام في الجسد، وعفونة شديدة في البطن وفروة الرأس، وهي مؤشرات لا تترك مجالًا للشك في أن الوفاة جاءت نتيجة تجويع طويل الأمد وحرمان متواصل من الغذاء والماء.

 

هذه النتائج دفعت النيابة إلى إصدار قرار بتشريح الجثمان رسميًا، وحبس الأب 4 أيام على ذمة التحقيقات، مع استمرار التحقيق مع الزوجة وكل من ثبت علمه بالجريمة. أقارب الفتاة من جهة الأم أكدوا أنهم حاولوا التواصل معها مرارًا، لكن الأب كان يمنعهم ويقدم روايات كاذبة عن مكان وجودها.

 

الخبير القانوني الدكتور محمد حامد سالم، أستاذ القانون الجنائي، يؤكد أن الواقعة “تنطبق عليها جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار”، موضحًا أن استمرار الفعل لمدة عام وشهر ينفي أي ادعاء بالخطأ أو الإهمال. ويضيف أن اشتراك الأم بالصمت والعلم يجعلها شريكة قانونًا في الجريمة.

 

جريمة أسرية تكشف فراغ الحماية

 

ما يجعل جريمة قوص أكثر فداحة أنها وقعت داخل بيت، وبعيدًا عن أعين أي نظام حماية حقيقي. لا زيارة اجتماعية، لا متابعة مدرسية، لا تدخل مبكر، رغم أن الفتاة كانت قاصرًا. الخبير في علم الاجتماع الدكتور أحمد زايد يرى أن ما حدث “نتاج مباشر لغياب منظومة رصد للعنف الأسري”، مؤكدًا أن الجرائم الطويلة المدى لا تقع فجأة، بل تمر بمراحل كان يمكن إيقافها لو وُجد تدخل مبكر.

 

من جانبها، تشير الدكتورة هبة الليثي، أستاذة الإحصاء الاجتماعي، إلى أن العنف داخل الأسرة غالبًا ما يبقى مخفيًا بسبب ثقافة الصمت والخوف، وأن الفتيات القاصرات هن الأكثر عرضة للدفع الثمن. وتؤكد أن غياب الإبلاغ لا يعني غياب الجريمة، بل يعني أن الضحية تُترك وحدها حتى النهاية.

 

قضية قوص ليست مجرد واقعة جنائية، بل مرآة لثغرات خطيرة في منظومة حماية الأطفال. فتاة جُوّعت حتى الموت، داخل غرفة مغلقة، لمدة عام وشهر، دون أن يطرق بابها أحد. هذه ليست مأساة فردية، بل إنذار صارخ بأن ترك العنف الأسري دون رقابة يعني أن الجريمة قد تستمر… حتى آخر نفس.