أعادت وقائع تسريب امتحانات الشهادة الإعدادية 2026 في عدد من المحافظات، ملف الغش الإلكتروني إلى الواجهة من جديد، في وقت تؤكد فيه وزارة التعليم أن الامتحانات مؤمَّنة بالكامل، بينما تمتلئ جروبات "شاومينج" على تليجرام بعروض بيع الامتحانات مقابل مبالغ مالية، وترصد قنوات معارضة مشاهد غش جماعي داخل اللجان.
وبين نفي رسمي ووقائع متداولة على الأرض، يقف أولياء الأمور وقرابة مليون و300 ألف طالب وطالبة في حالة قلق وارتباك من تأثير هذه الفوضى على مبدأ تكافؤ الفرص.
شاومينج يعود إلى الواجهة.. تسريب مزعوم وامتحان للبيع بـ700 جنيه
مع انطلاق امتحانات الفصل الدراسي الأول لطلبة الشهادة الإعدادية صباح السبت، تداولت صفحات الغش الإلكتروني على تليجرام ما قالت إنه "امتحان اللغة العربية للشهادة الإعدادية" في عدة محافظات، بينها كفر الشيخ وأسيوط والدقهلية والقليوبية وبعض المحافظات الأخرى.
وانتشرت منشورات منسوبة لصفحات الغش المعروفة باسم "شاومينج" تزعم تسريب امتحانات الصف الثالث الإعدادي 2026، ما أثار حالة من الجدل والقلق بين أولياء الأمور والطلاب.
وبحسب هذه الصفحات، عُرضت ورقة امتحان اللغة العربية قبل انطلاق اللجنة مقابل 700 جنيه للمادة الواحدة، في محاولة لاستغلال حالة التوتر لدى الطلاب وأسرهم، وسط ضعف واضح في القدرة على ضبط هذه الجروبات أو ملاحقة القائمين عليها بشكل ردعي.
في المقابل، أكدت مصادر تعليمية أن ما يتم تداوله بشأن تسريب الامتحانات "غير صحيح"، مشددة على أن أوراق الأسئلة تُؤمَّن بشكل كامل قبل وأثناء انعقاد الامتحانات، وأن ما تنشره هذه الجروبات إما نماذج قديمة أو أسئلة استرشادية لا علاقة لها بالامتحانات الفعلية.
غير أن استمرار ظهور هذه المنشورات قبل وأثناء الامتحان يطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة الوزارة والأجهزة المعنية على السيطرة على الفضاء الإلكتروني، وعلى الصورة الذهنية عن نزاهة الامتحانات لدى الرأي العام.
فيديوهات الغش الجماعي.. امتحان للنظام قبل أن يكون للطلاب
لم تتوقف الفوضى عند حدود الإعدادية؛ إذ ظهر مقطع فيديو يُظهر طلابًا يمارسون الغش الجماعي داخل لجان امتحانات الثانوية بالتعليم الفني والمتخصص، وسط ضحكات وتعليقات توثق حالة التسيب داخل بعض اللجان. وقد نشر حساب "الجزيرة مصر" جانبًا من هذه المشاهد، ما أعاد النقاش حول جدوى التشديدات الورقية في غياب انضباط حقيقي على أرض الواقع.
طلاب ينشرون مشاهد غش جماهي داخل لجان امتحانات الثانوية بالتعليم الفني والمتخصص والتعليم تغلظ عقوبات الغش والشروع فيه#تريند pic.twitter.com/qOR72lO64D
— الجزيرة مصر (@AJA_Egypt) January 18, 2026
ورغم إعلان وزارة التعليم تغليظ عقوبات الغش والشروع فيه، والتحذير من استخدام الهواتف المحمولة أو وسائل الاتصال داخل اللجان، تكشف هذه المقاطع عن فجوة واسعة بين النصوص والعقوبات من جهة، وآليات التطبيق والرقابة من جهة أخرى، خاصة في المدارس الفنية والأطراف البعيدة عن المركز.
قناة "الشرق" المعارضة ذهبت أبعد من ذلك في توصيف ما جرى، معتبرة أن "تسريب امتحانات الشهادة الإعدادية يكشف فشل إجراءات وزارة التعليم للسيطرة على الغش الإلكتروني"، في إشارة إلى أن المشكلة باتت بنيوية، ولا ترتبط بحادثة تسريب أو لجنة واحدة بقدر ما ترتبط بثقافة عامة من التساهل والالتفاف على القواعد.
تسريب امتحانات الشهادة الإعدادية يكشف فشل إجراءات وزارة التعليم للسيطرة على الغش الإليكتروني#وليد_الهواري#أهل_البلد #قناة_الشرق pic.twitter.com/TxART2k3yW
— قناة الشرق (@ElsharqTV) January 17, 2026
هذه المشاهد لا تضرب فقط مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب المجتهدين وغيرهم، بل تقوّض ثقة المجتمع في منظومة التقييم برمتها، وتطرح أسئلة حول نوعية الخريج الذي تفرزه عملية تعليمية يُسمح فيها بالغش بهذا الشكل العلني.
امتحانات موحدة.. ومليون و300 ألف طالب بين مطرقة الضغط وسندان الفوضى
تأتي هذه التطورات في وقت تُجرى فيه امتحانات الصف الثالث الإعدادي بشكل موحد على مستوى كل مديرية تعليمية، حيث يؤدي الطلاب الامتحانات في مواد اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية حسب جدول كل محافظة، فيما يخضع قرابة مليون و300 ألف طالب وطالبة للتقييم في هذه الشهادة التي تمثل بوابة العبور إلى المرحلة الثانوية.
في ظل هذه الأعداد الضخمة، يبدو أن التحدي أمام وزارة التعليم لا يقتصر على إعداد جداول وتأمين لجان، بل يمتد إلى ضرورة تطوير منظومة متكاملة لمكافحة الغش الإلكتروني تشمل تتبع جروبات التسريب، وتطوير آليات المراقبة، وإعادة النظر في طبيعة الامتحانات نفسها بحيث يقلّ الاعتماد على الحفظ ويزيد وزن الفهم والمهارات، ما يجعل الغش أقل جدوى.
كما يلفت خبراء تربويون إلى أن اعتماد الامتحانات الموحدة على مستوى المديريات يزيد من حساسية أي تسريب محتمل؛ إذ إن تداول ورقة واحدة قبل الموعد في مجموعة مغلقة يعني عمليًا الإخلال بعدالة الامتحان في محافظة كاملة، وهو ما يستدعي شفافية أكبر من جانب الوزارة في التحقيق في أي بلاغات جدية، بدل الاكتفاء بالنفي المطلق، خاصة مع انتشار الأدلة المصورة عبر المنصات المختلفة.
وفي النهاية، تكشف أزمة "شاومينج" وتسريبات امتحانات الإعدادية – سواء كانت حقيقية أو وهمية – عن مأزق أعمق في منظومة التعليم: مأزق نظام يحمّل الطلاب ضغطًا هائلًا في شهادة مركزية، لكنه لا يوفر في المقابل بيئة صارمة للانضباط، ولا يواجه الغش الإلكتروني بما يوازي خطورته، تاركًا الأجيال بين مطرقة الخوف من الامتحان وسندان الشعور بأن "اللي يغش هو اللي يكسب" في دولة تقول في بياناتها إنها تحارب الفساد من الجذور.

