تعيش الساحة اليمنية واحدة من أكثر لحظاتها تعقيدًا منذ سنوات، بعد سلسلة من التطورات المتسارعة التي أعادت رسم خطوط التوتر بين الرياض وأبوظبي، ووضعت عيدروس الزبيدي في قلب عاصفة إقليمية جديدة.

فمع قرارات السعودية الأخيرة بإعادة هيكلة المشهد العسكري والأمني في الجنوب، برزت قراءات متعددة لما يمكن أن يكون “مخطط الإمارات القادم”، وحدود قدرتها على استخدام الزبيدي كورقة ضغط أو حمايته كورقة نفوذ، في مقابل مساعٍ سعودية لإعادة ضبط المشهد بما يتوافق مع رؤيتها للأمن الإقليمي ووحدة الدولة اليمنية.

 

تصعيد إماراتي وخطاب تهديدي.. من “غدر سعودي” إلى احتمال مواجهة مفتوحة

 

في خضم هذه التطورات، برزت تصريحات مقربين من الدوائر الإماراتية، مثل خالد الشميري، رئيس مركز الدراسات السياسية في أبو ظبي، الذي تحدث عن “مفاجآت صاعقة” خلال الساعات القادمة، معتبرًا أن ما حدث للزبيدي يمثل “غدرًا سعوديًا”.

مراقبون رأوا في لغة الشميري تصعيدًا واضحًا ومحاولة لإظهار أن أبوظبي لم تُفاجأ بما جرى، وأنها ما تزال قادرة على التأثير في المشهد، سواء عبر فعل مباشر أو عبر خطاب تهديد سياسي وإعلامي، يصل إلى حد اتهام الرياض بمحاولة اغتيال الزبيدي واعتبار الحوار الجنوبي–الجنوبي “فخًا محكمًا”.

 

وتتقاطع مع هذا الخطاب اتهامات متداولة حول استخدام الإمارات لواجهات العمل الإنساني كمخازن أسلحة، كما يشير الإعلامي قطب العربي في إحدى تدويناته، في سياق يربط بين النشاط الإغاثي وشبكات النفوذ العسكري.

 

 

إلى جانب ذلك، يرى كتّاب مثل اليمني خالد الرويشان (@k_alrowaishan) أن أبوظبي تحاول تضخيم إعلان الزبيدي الأخير عبر أدواتها الإعلامية، معتبرًا أن التركيز المكثف على “إعلان غير دستوري” يهدف إلى إظهار الرجل كفاعل مركزي رغم فقدان صفته القانونية.

في المقابل، تذهب أصوات إماراتية قريبة من مراكز القرار، مثل مريم الحمادي (@z51840)، إلى سيناريو أكثر تشاؤمًا، تتحدث فيه عن احتمال مواجهة سعودية–إماراتية في اليمن، مع الإشارة إلى دور “إسرائيلي” محتمل، في تحليل يعكس مخاوف من توسع الصراع بدل احتوائه.

 

بين مشروع الانفصال وإعادة ضبط المشهد.. قراءة يمنية وسودانية ومصرية

 

داخل اليمن وخارجه، تعددت القراءات لدور أبوظبي والزبيدي. المحلل السياسي اليمني عادل الشجاع يرى أن الخطاب الإماراتي يعكس قناعة بأن القوة تعفي من المساءلة، وأن أبوظبي تتعامل مع اليمن باعتباره “ملكية خاصة”، وهو ما يفسر – من وجهة نظره – ردود الفعل الغاضبة بعد القرارات السعودية الأخيرة.

ويضيف عبر حسابه (@adel_shugaa) أن هذا النمط من التفكير يجعل الإمارات أقل استعدادًا للاعتراف بالأخطاء وأكثر ميلًا لاتهام الآخرين بالجحود.

 

أما المفكر السوداني د. تاج السر عثمان (@tajalsserosman) فيسخر من إعلان الزبيدي عن “مرحلة انتقالية للانفصال”، معتبرًا أن الواقع الميداني لا يسمح بمثل هذه الوعود، وأن من “يعجز عن حماية الحاضر لا يستطيع بيع المستقبل”.

 

وتحضر مقاربة أخرى لدى محللين مثل صاحب الحساب (@FCB6O)، الذي يرى أن أبوظبي دفعت الزبيدي إلى إعلان الانفصال بهدف إدخال لاعب جديد إلى المعادلة هو “العدو الصهيوني”، لكنهم يشككون في جدوى هذا الخيار بعد فقدان الزبيدي صفته القانونية.

 

في الاتجاه المقابل، تشير تحليلات الصحفي والمحلل المصري خالد محمود (@khaledmahmoued1) إلى أن السعودية بدأت تستخدم أدوات إعلامية قوية ضد الإمارات، عبر كشف معلومات حول جنسية الزبيدي وعلاقته بأبوظبي، في محاولة لإظهار أن مشروع الانفصال ليس قرارًا جنوبيًا مستقلًا، بل جزء من مشروع نفوذ خارجي. ويصف هذا الاتجاه بأنه بداية “طلاق بائن” بين الرياض وأبوظبي، مع التأكيد على أن الخاسر الأكبر يظل الشعب اليمني.

 

الدولة أم الزعامات؟.. مستقبل الجنوب بين توحيد السلاح وتفكيك “عصابة الأربعة”

 

على الأرض، يرحب بعض المراقبين اليمنيين، مثل الشيخ عبد الله عبد المجيد زنداني وعلي الشامي، بالتحركات السعودية، معتبرين أنها أعادت للدولة حضورها وأن قرار توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية خطوة ضرورية لإنهاء التمرد. ويذهب الشامي إلى حد القول إن العمل العسكري سيستمر حتى “اجتثاث الميليشيات” وفرض سلطة الدولة على عدن، وفق منشور متداول له.

 

 

وفى السياق ذاته، يدعو الكاتب الوحدوي وديع عطا إلى التركيز على “الدولة” لا الأشخاص، معتبرًا أن الأهم من إقالة الزبيدي أو ملاحقته هو توحيد الجيش والأمن تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية، وإنهاء التمييز المالي والمعنوي بين التشكيلات العسكرية المختلفة، وتوحيد الولاء والعقيدة الوطنية.

 

 

أما المحامي والناشط السياسي اليمني خالد الأنسي (@alanesik) فيتوقع “تفكيك عصابة الأربعة”، معتبرًا أن البحسني “كرت محروق” بلا ميليشيات، وأن طارق صالح يخضع عمليًا لإقامة جبرية في الرياض، وأن معسكرات العمالقة في طريقها للتسليم، ولم يبق – في تقديره – إلا الزبيدي، الذي قد يقاتل حتى النهاية أو يتعرض لانقلاب داخلي أو تصفية إذا استمر في التمرد.

 

في المقابل، يحاول المستشار السياسي الإماراتي عبد الخالق عبد الله (@Abdulkhaleq_UAE) تقديم رواية مغايرة؛ إذ يرى أن بقاء الزبيدي في الداخل “درس من تجربة الحريري”، وأن قراره عدم مغادرة اليمن خطوة صحيحة لتفادي الوقوع تحت ضغط خارجي، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الإمارات “قوة صاعدة لا يستطيع أحد إيقافها”.

 

غير أن الأكاديمي الإماراتي البارز د. يوسف خليفة اليوسف (@Prof_Yousif) يقدم نقدًا داخليًا هادئًا، داعيًا قادة الإمارات لمراجعة مسارهم، ومحذرًا من إحاطة محمد بن زايد نفسه بأقارب ومرتزقة بدل “الرجال الثقات” الذين عرفهم عهد المؤسس.

 

في خلفية هذا المشهد، يقف عيدروس الزبيدي، المولود عام 1967 في الضالع، والذي منحته الإمارات جنسيتها مؤخرًا، بعد مسيرة انتقل فيها من محافظ عدن إلى رئيس للمجلس الانتقالي الجنوبي، ثم عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي حتى إقالته في 7 يناير 2026 بتهمة الخيانة العظمى.

وبعد ثبوت خيانته، فرّ – وفق خصومه – في عملية هروب معقدة إلى الإمارات، الدولة التي حولته، كما يرون، إلى أداة في مشروعها باليمن تحت مسمى “الدعم أو الاستثمار”، للحفاظ على عميلها في الجنوب.

 

وبين رواية النفوذ الإماراتي المتراجع ورواية “القوة التي لا تُهزم”، يبقى مستقبل الجنوب اليمني، وربما مستقبل العلاقة السعودية–الإماراتية، مرتهنًا بما ستسفر عنه هذه الجولة الجديدة من صراع المشاريع على أرض أنهكتها الحرب.