تحولت العاصمة الإندونيسية جاكرتا إلى ساحة احتجاج واسعة، بعدما احتشد آلاف المواطنين في مظاهرة ضخمة رفضًا لقرار السلطات ترحيل الناشط الفلسطيني المقيم في البلاد عبد الكريم رائد مقداد، في تحرك شعبي أعاد إلى الواجهة الموقف الإندونيسي الداعم للقضية الفلسطينية، وسط دعوات متزايدة لوقف أي خطوات قد تُفسر على أنها تقارب أو تطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

 

وجاءت التظاهرة، التي دعا إليها مجلس المنظمات الإسلامية الإندونيسية بالتعاون مع حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، لتؤكد استمرار الحضور القوي للقضية الفلسطينية في الشارع الإندونيسي، وللتعبير عن رفض ما اعتبره المحتجون إجراءات تمس حقوق الفلسطينيين المقيمين داخل البلاد.

 

رفض شعبي لقرار الترحيل

 

وشارك آلاف المتظاهرين في الوقفة الاحتجاجية وهم يرفعون الأعلام الفلسطينية واللافتات المنددة بقرار ترحيل عبد الكريم رائد مقداد، مطالبين الحكومة الإندونيسية بإعادة النظر في القرار وضمان الحماية القانونية للفلسطينيين المقيمين داخل البلاد.

 

 

وردد المشاركون شعارات تؤكد رفض جميع أشكال التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، داعين السلطات إلى الالتزام بالمواقف التاريخية لإندونيسيا الداعمة للشعب الفلسطيني، وعدم اتخاذ أي إجراءات قد تضر بحقوق الفلسطينيين أو تعرضهم لخطر الترحيل القسري.

 

واعتبر المحتجون أن القضية لا تتعلق بشخص واحد فقط، وإنما تمثل اختبارًا حقيقيًا لالتزام إندونيسيا بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان، خاصة في ظل المكانة التي تتمتع بها البلاد على الساحة الدولية.

 

غزة والضفة الغربية حاضرتان في المظاهرة


ولم تقتصر الاحتجاجات على رفض قرار الترحيل، بل تحولت إلى منصة للتنديد بالعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة، والانتهاكات المتواصلة في الضفة الغربية.
وأكد المشاركون أن ما يجري في الأراضي الفلسطينية يمثل أزمة إنسانية متفاقمة تستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا، مشيرين إلى استمرار القصف والحصار المفروض على قطاع غزة، وما يرافقه من تدهور في الأوضاع الإنسانية والمعيشية.

 

كما ندد المحتجون باعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، والتي قالوا إنها تستهدف المنازل والبنية التحتية ودور العبادة والمرافق العامة، إلى جانب تصاعد الاقتحامات للمسجد الأقصى، معتبرين أن تلك الممارسات تمثل انتهاكًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان.

 

دعوات لوقف التطبيع


وأصدر المتظاهرون بيانًا أكدوا فيه أن القضية الفلسطينية لم تعد تحظى بالاهتمام الدولي الكافي، رغم استمرار معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.

 

وطالب البيان الحكومة الإندونيسية بالتمسك بموقفها التقليدي الرافض للتطبيع مع إسرائيل، ورفض أي تعاون سياسي أو أمني أو عسكري أو اقتصادي يمكن أن يُفسر باعتباره اعترافًا بالاحتلال أو دعمًا له.

 

كما دعا البيان المؤسسات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشعب الإندونيسي إلى مواصلة حملات المقاطعة بكافة أشكالها، سواء الثقافية أو التجارية أو السياحية أو الدبلوماسية، باعتبارها وسيلة للضغط من أجل دعم الحقوق الفلسطينية.

 

مطالب بضمان الحماية القانونية


وركزت المطالب الشعبية على ضرورة توفير ضمانات قانونية للفلسطينيين المقيمين في إندونيسيا، وعدم اتخاذ إجراءات ترحيل أو تسليم دون استكمال جميع المسارات القانونية التي تكفل حق الدفاع والشفافية.

 

وأكد المتظاهرون أن الحكومة مطالبة بالوفاء بالتزاماتها الدولية، خاصة في مجال حماية حقوق الإنسان، واتخاذ قرارات تستند إلى القانون بعيدًا عن أي ضغوط سياسية خارجية.

 

كما طالب المحتجون السلطات بضمان عدم تعرض أي فلسطيني لخطر الإعادة القسرية أو الترحيل إلى جهات قد تهدد حياته أو سلامته.

 

الأنشطة الفلسطينية ليست جريمة


وخلال الاحتجاجات، شدد عدد من النشطاء على أن النشاط الداعم للقضية الفلسطينية لا يمكن اعتباره جريمة أو مخالفة قانونية، مؤكدين أن المدافعين عن حقوق الشعب الفلسطيني لا ينبغي أن يتعرضوا للملاحقة أو التضييق.

 

وأشار متحدثون إلى أن مرتكبي الانتهاكات بحق الفلسطينيين لا يزال كثير منهم بعيدين عن المساءلة الدولية، بينما يتعرض المدافعون عن القضية الفلسطينية لإجراءات وصفوها بأنها غير مبررة.

 

رد الحكومة الإندونيسية


وفي محاولة لاحتواء الجدل، عقد الوزير الإندونيسي المنسق للشؤون القانونية وحقوق الإنسان والهجرة والإصلاحيات، يسريل إهزا ماهيندرا، لقاءً مع قيادات مجلس العلماء الإندونيسي، قدم خلاله توضيحات بشأن ملابسات القضية.

 

وأكد الوزير أن إجراءات الترحيل المرتبطة بطلبات الإنتربول تمر بمراحل متعددة من التدقيق والفحص، مشددًا على أن احتمالات وقوع أخطاء محدودة للغاية نتيجة التعاون المستمر بين أجهزة إنفاذ القانون في مختلف الدول.

 

لكنه لم يقدم إجابة حاسمة بشأن ما إذا كانت الحكومة ستمنح مستقبلاً الأشخاص المطلوبين من دول أخرى فرصة كافية للطعن في الاتهامات أمام القضاء الإندونيسي قبل تنفيذ قرارات الترحيل، موضحًا أن الفصل في صحة الاتهامات يتم عادة أمام المحاكم في الدولة الطالبة.

 

كما أشار إلى أن الحكومة ستعمل على تنفيذ أي عمليات ترحيل مستقبلية بدرجة أكبر من الحذر، مع مراعاة المصلحة الوطنية والاعتبارات القانونية.

 

موقف مجلس العلماء الإندونيسي


من جانبه، أكد مجلس العلماء الإندونيسي أن القضية يجب أن تُدار في إطار احترام القانون وحقوق الإنسان، مطالبًا بأن تتم جميع إجراءات الاعتقال والترحيل وفق قواعد قانونية واضحة وشفافة وقابلة للمساءلة.

 

وأعرب المجلس عن تحفظه تجاه توجيه اتهامات بالإرهاب لعبد الكريم مقداد، معتبرًا أن مثل هذه الاتهامات استُخدمت في مناسبات عديدة ضد ناشطين ومدافعين عن القضية الفلسطينية، وهو ما يستوجب التدقيق وعدم التسرع.

 

كما انتقد المجلس غياب التوضيحات الرسمية في الأيام الأولى للأزمة، معتبرًا أن ذلك ساهم في انتشار الجدل والقلق داخل الأوساط الشعبية والمنظمات المدنية.

 

وطالب المجلس الحكومة بضمان عدم تعرض مقداد لأي خطر على حياته أو سلامته، والتأكيد على الالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية، بما يمنع تسليمه إلى أي طرف قد يهدد أمنه أو حقوقه الأساسية.