بحث رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، الأحد، مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد في طرابلس، تطورات الأوضاع الليبية وملفات التعاون، وسط انقسام سياسي متواصل ومبادرات متنافسة لتوحيد السلطة التنفيذية.

 

اللقاء، الذي قدمته حكومة الوحدة الوطنية في إطار التشاور والتنسيق بين البلدين، لا يمكن فصله عن الطريقة التي تدير بها القاهرة الملف الليبي منذ سنوات؛ سياسة لا تقوم على دعم مسار وطني ليبي واضح بقدر ما تقوم على موازنة دقيقة بين الأطراف، وفتح القنوات مع الجميع، وانتظار الجهة التي تضمن المصالح المصرية بأقل كلفة سياسية.

 

فبينما تتحدث البيانات الرسمية عن دعم الأمن والاستقرار ووحدة البلاد، تبدو الحركة المصرية في ليبيا أقرب إلى إدارة نفوذ منها إلى رعاية حل. القاهرة لا تريد خسارة الشرق، ولا إغلاق باب طرابلس، ولا ترك الملف كاملا لواشنطن أو الأمم المتحدة أو القوى الإقليمية المنافسة، لكنها في الوقت نفسه لا تقدم رؤية حاسمة تنهي الانقسام أو تدفع الليبيين نحو تسوية عادلة ومستقرة.

 

وتأتي زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى طرابلس في توقيت شديد الحساسية، بعد إعلان قيادة قوات الشرق استعدادها للانخراط في مفاوضات بشأن مبادرة أمريكية لتوحيد السلطة التنفيذية، مقابل رفض من رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، بالتزامن مع إعلان خريطة طريق جديدة لانتخابات رئاسية وبرلمانية قبل فبراير 2027.

 

مصر بين طرابلس والشرق

 

حمل استقبال الدبيبة لرئيس المخابرات المصرية رسالة سياسية واضحة مفادها أن القاهرة لا تريد الظهور كطرف منحاز بالكامل لمعسكر الشرق، رغم تاريخ علاقاتها الوثيقة مع قوى بنغازي ومجلس النواب والقيادة العسكرية هناك. فزيارة طرابلس تمنح مصر هامشا جديدا للحركة، وتعيد فتح الباب مع حكومة الوحدة الوطنية التي ما زالت تمسك بمؤسسات مهمة في الغرب الليبي.

 

لكن هذه الحركة لا تعني بالضرورة تحولا مصريا نحو دعم الدبيبة، بقدر ما تعكس براغماتية القاهرة في التعامل مع واقع ليبي متغير. فحين تضعف المبادرات القديمة وتظهر مسارات أمريكية وأممية جديدة، تتحرك مصر لتضمن مقعدا على الطاولة، لا لتدفع ثمنا سياسيا من أجل حل وطني ليبي مستقل.

 

القاهرة تدرك أن طرابلس لا يمكن تجاهلها، وأن الغرب الليبي يملك ثقلا مؤسسيا وأمنيا واقتصاديا، كما تدرك في الوقت نفسه أن الشرق ما زال ورقة مهمة في حساباتها الحدودية والأمنية. لذلك تفضل سياسة “كل الأبواب المفتوحة”، حتى لو بدا ذلك تناقضا بين خطاب دعم الاستقرار وممارسة لا تمنح الليبيين موقفا واضحا.

 

ومن هنا، يصبح اللقاء مع الدبيبة أقل من اختراق سياسي كبير، وأكثر من محاولة مصرية لإعادة التموضع. فالقاهرة لا تريد أن تفاجأ بتسوية أمريكية أو أممية تقلص نفوذها، ولا تريد أن يتحول أي اتفاق ليبي داخلي إلى مسار لا يراعي حساباتها في الحدود والعمالة والشركات والطاقة وإعادة الإعمار.

 

مبادرات متزاحمة وحسابات متضاربة

 

المشهد الليبي اليوم لا يتحرك في خط واحد، بل داخل شبكة مبادرات متنافسة. فهناك مبادرة أمريكية لتوحيد السلطة التنفيذية، وهناك خريطة طريق معلنة من عقيلة صالح وتكالة والمنفي، وهناك جهود تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى جانب حكومة الدبيبة التي ترفض عمليا الخروج من المشهد دون ترتيبات تضمن موقعها.

 

في هذا الزحام، تظهر القاهرة كطرف يحاول قراءة موازين القوى أكثر مما يحاول صناعتها. فهي لا تعلن رفضا واضحا للمبادرة الأمريكية، ولا تنحاز علنا لخريطة الطريق الجديدة، ولا تغلق أبوابها أمام أي طرف. هذه السياسة تمنحها مرونة، لكنها تكشف أيضا حدود دورها، لأن من يلعب على كل الحبال يصعب أن يتحول إلى ضامن حقيقي لحل سياسي.

 

كما أن رفض تكالة والمنفي للمبادرة الأمريكية، مقابل استعداد قوات الشرق للتفاوض بشأنها، يعمق الانقسام ويضع مصر أمام معادلة صعبة. فالقاهرة التي تملك علاقات مع الشرق لا تستطيع تجاهل أن أي حل يُفرض على الغرب سيعيد إنتاج الأزمة، وفي الوقت ذاته لا تريد خسارة القوى التي منحتها نفوذا طويلا شرق البلاد.

 

أما خريطة الطريق التي تتحدث عن انتخابات قبل فبراير 2027، فتبدو من حيث الشكل محاولة محلية لاستعادة زمام المبادرة، لكنها تصطدم بالسؤال القديم: من يشرف على الانتخابات؟ وأي حكومة تدير المرحلة؟ ومن يضمن قبول النتائج؟ وهي أسئلة لا تكفي البيانات المشتركة للإجابة عنها.

 

وفي هذا السياق، لا يبدو أن لقاء الدبيبة ورئيس المخابرات المصرية حمل إجابات حاسمة، بل جاء أقرب إلى جولة تشاور جديدة ضمن لعبة انتظار طويلة. كل طرف يريد معرفة اتجاه الريح، وكل طرف يفاوض على موقعه قبل أن تتبلور التسوية النهائية.

 

التنسيق الأمني وحده اختزال خطير للأزمة الليبية

 

تتحدث القاهرة دائما عن وحدة ليبيا واستقرارها، لكن سلوكها العملي يكشف أن الأولوية القصوى هي حماية مصالحها المباشرة. الحدود الغربية، ومنع تهديدات أمنية عابرة، وتأمين فرص اقتصادية لشركات مصرية، والحفاظ على نفوذ سياسي في أي صيغة حكم قادمة، كلها حسابات تتقدم غالبا على أي التزام حقيقي بمسار ديمقراطي ليبي واضح.

 

ولا يعني ذلك أن المصالح المصرية غير مشروعة، فكل دولة تبحث عن مصالحها، لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول هذه المصالح إلى سياسة مزدوجة تطيل عمر الانقسام بدل تقصيره. فليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الوسطاء الذين يفتحون قنوات مع الجميع، بل تحتاج إلى موقف إقليمي يضغط بجدية نحو سلطة موحدة وانتخابات قابلة للتنفيذ ومؤسسات لا تتبع معسكرات متنازعة.

 

كما أن التركيز على “التنسيق الأمني” وحده يعكس اختزالا خطيرا للأزمة الليبية. فالبلاد ليست ملف حدود فقط، ولا ساحة نفوذ للمخابرات، بل مجتمع أنهكته الحكومات المتوازية والميليشيات والفساد وتعطيل الانتخابات. وأي مقاربة تتجاهل هذا البعد الإنساني والسياسي ستعيد إنتاج الفشل مهما بدت محكمة في البيانات.

 

لذلك، فإن لقاء الدبيبة ورشاد يكشف في جوهره حدود الدور المصري لا قوته. القاهرة حاضرة، لكنها ليست حاسمة. تتواصل مع طرابلس، لكنها لا تقطع مع الشرق. تراقب المبادرة الأمريكية، لكنها لا تقدم بديلا. تتحدث عن وحدة المؤسسات، لكنها تستثمر في علاقات مع مؤسسات منقسمة.

 

وفي النهاية، لا تبدو زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى طرابلس بداية حل بقدر ما تبدو حلقة جديدة في سياسة مصرية مألوفة: الحضور في كل المسارات، ومصافحة كل الأطراف، وتقديم لغة استقرار ناعمة، بينما تبقى ليبيا معلقة بين مبادرات متنافسة ودول جوار لا ترى فيها إلا ساحة مصالح.