أربكت القفزة التاريخية في أسعار النحاس عالميًا، بعد تجاوز الطن حاجز 13 ألف دولار للمرة الأولى، حسابات السوق المصري المعتمد بالكامل تقريبًا على استيراد المعدن الأحمر، في وقت يعيش فيه المستهلك والصناعة معًا تحت ضغط موجات متتالية من ارتفاع الأسعار.

ورغم أن أثر الزيادة لن ينعكس فورًا على كل المنتجات، فإن المؤشرات القادمة من غرف الصناعات المختلفة ترجّح موجة زيادات تدريجية في الكابلات والأسلاك الكهربائية والأجهزة المنزلية والأدوات الصحية، إلى جانب الصناعات الهندسية التي يدخل النحاس في قلب مكوناتها.

 

ضغوط مباشرة على الصناعات الهندسية.. هوامش ربح تتآكل

 

يؤكد متى بشاي، رئيس لجنة التجارة الداخلية بشعبة المستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن أسعار النحاس قفزت بنحو 35% خلال عام 2025، ليتراوح سعر الكيلو من النحاس الأحمر الصافي حول 590 جنيهًا، بينما يتراوح النحاس المستخدم في باقي الصناعات بين 280 و300 جنيه للكيلو.

ويرى أن استمرار هذا المسار الصعودي سينعكس لا محالة على الأسعار النهائية للمنتجات التي لا يمكن الاستغناء فيها عن النحاس، مثل الأجهزة الكهربائية والكابلات والأدوات الصحية وقطع الغيار.

 

محمد المهندس، رئيس غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات المصرية، يوضح أن ارتباط الصناعات الهندسية بالنحاس مباشر وحاد؛ فأي زيادة في سعر الخام عالميًا تنتقل سريعًا إلى تكلفة الإنتاج، ما يضطر الشركات إلى إعادة تسعير منتجاتها أو تحمل خسائر في هوامش الربح إذا حاولت امتصاص الصدمة.

ويشير إلى أن أسعار النحاس في السوق المحلي تتباين بحسب درجة النقاء، لكن الاتجاه العام صعودي، وهو ما يضع المصانع بين خيارين أحلاهما مر: تمرير الزيادة للمستهلك في سوق يعاني ركودًا، أو خفض الطاقات الإنتاجية إلى حين استقرار الأسعار.

 

أما أحمد عبد الجواد، رئيس الشركة العالمية للأدوات الصحية وعضو غرفة الصناعات الهندسية، فيلفت إلى أن النحاس الأصفر الصناعي المستخدم في الخلاطات ومواسير المياه ارتفع من نحو 330 إلى أكثر من 410 جنيهات للكيلو خلال عام واحد، ما رفع تكلفة الإنتاج في قطاع الأدوات الصحية بين 15% و40% بحسب نوع المنتج، مؤكدًا أن بعض الشركات باتت تتحمل جزءًا من الزيادات على حساب أرباحها خوفًا من فقدان العملاء.

 

غرف الصناعات المعدنية تحذّر: الاستيراد الكامل يفاقم المخاطر

 

تاريخيًا، لا تمتلك مصر إنتاجًا كافيًا من خام النحاس، وتعتمد المصانع على استيراد ما يقارب 150 ألف طن سنويًا من الخارج، سواء في صورة خام نقي أو خردة عالية الجودة.

هذا ما يؤكده محمد حنفي، المدير التنفيذي لغرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات المصرية، موضحًا أن الارتفاع الحاد في الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على تكاليف استيراد هذه الكميات، في وقت يصعب فيه تعويضها من السوق المحلي.

 

ويشير حنفي إلى أن الصناعات الأكثر تأثرًا تشمل الكابلات والأسلاك واللوحات الكهربائية ومفاتيح الكهرباء، حيث يمثل النحاس نسبة كبيرة من تكلفة المنتج.

ورغم ذلك يتوقع أن يظل الطلب مستقرًا نسبيًا، لأن هذه المنتجات تعد سلعًا إستراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها في مشروعات البنية التحتية والإسكان والنقل والطاقة، ما يعني أن المستهلك النهائي سيتحمل في النهاية جزءًا معتبرًا من موجة الزيادات المقبلة.

 

في المقابل، بدأ بعض المصنعين في البحث عن بدائل جزئية، كالتحول الى استخدام الألومنيوم في بعض التطبيقات التي تسمح بذلك، مثل أجزاء من الكابلات الخارجية أو مكوّنات محددة داخل الأجهزة، لكن الخبراء يحذرون من أن هذه البدائل لن تعوّض النحاس بالكامل، خصوصًا في التطبيقات التي تحتاج إلى كفاءة توصيل عالية وعمر افتراضي طويل.

 

ذكاء اصطناعي وطاقة متجددة.. لماذا قفز النحاس إلى 13 ألف دولار؟

 

تفسير القفزة التاريخية في الأسعار لا ينفصل عن تحولات أوسع في الاقتصاد العالمي. متى بشاي يربط بين صعود النحاس غير المسبوق وتزايد الطلب من قطاعات الطاقة المتجددة – خاصة مشروعات الشبكات الذكية والسيارات الكهربائية – إلى جانب تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تتطلب بنية تحتية كثيفة من مراكز البيانات وشبكات الاتصال، وهي جميعًا صناعات “نهمَة للنحاس” كما يصفها.

كما يشير إلى أن بعض الدول الكبرى قامت بتخزين كميات ضخمة من المعدن الأحمر تحسبًا لرسوم جمركية أميركية محتملة على صادرات دول بعينها، ما زاد من شح المعروض في الأسواق العالمية.

 

في ظل هذه المعطيات الدولية، يرى محمد المهندس أن على الحكومة المصرية وغرف الصناعة التفكير في إستراتيجية أوسع لتخفيف الاعتماد الكامل على استيراد النحاس، عبر تشجيع الاستثمار في إعادة تدوير الخردة محليًا، وتقديم حوافز ضريبية للمصانع التي ترفع نسب المكون المحلي في منتجاتها، إضافة إلى العمل على اتفاقات توريد طويلة الأجل تقلل من مخاطر تقلب الأسعار على المدى القصير.

 

أما أحمد عبد الجواد ومحمد حنفي فيشددان على أن أي تأخر في التحرك سيعني مزيدًا من الضغوط على الصناعة والمستهلك معًا؛ فارتفاع تكلفة النحاس لا يهدد فقط بهز استقرار الأسعار، بل يهدد أيضًا بخروج بعض المصانع الصغيرة من السوق، إذا عجزت عن تمويل الخامات الجديدة أو تمرير الزيادات إلى عملائها، وهو ما قد ينعكس في النهاية على فرص العمل وحجم الإنتاج الصناعي في واحدة من أكثر اللحظات حساسية للاقتصاد المصري.