لم يكن حسين عبد الرحيم “حالة طارئة” على سرير… بل كان جزءًا من فريق يُفترض أنه يصنع الفارق بين الحياة والموت داخل العناية المركزة. ومع ذلك، انتهت نوبته داخل مستشفى سوهاج التعليمي بجثة تُنقل إلى المشرحة تحت تصرف النيابة، بعد توقفٍ مفاجئ في عضلة القلب وهو يؤدي عمله.
هذه الوفاة ليست مجرد خبر محلي عابر، بل جرس إنذار جديد عن كلفة العمل الصحي حين يتحول الضغط المزمن إلى “موتٍ وظيفي” لا يحظى إلا ببيانٍ مقتضب وحزن زملاء… ثم تعود المنظومة كما كانت، كأن شيئًا لم يحدث.
نوبة عمل تحولت إلى جنازة: ما الذي حدث داخل العناية؟
وفقًا لما نشرته مصادر صحفية متطابقة، شعر أخصائي التمريض بإجهاد شديد ومفاجئ خلال عمله داخل وحدة العناية المركزة، قبل أن يسقط فاقدًا للوعي. هرع زملاؤه لمحاولة إنقاذه، واستُدعي الفريق الطبي، وبدأت إجراءات الإنعاش القلبي الرئوي، لكن المحاولات فشلت وأُعلن رحيله داخل المستشفى.
الخطير هنا ليس “الموت المفاجئ” وحده، بل هشاشة السياق الذي يسمح بأن يصل العاملون في أقسام شديدة الإجهاد إلى حافة الانهيار دون شبكة أمان واضحة: هل كانت هناك متابعة صحية دورية؟ هل توجد بروتوكولات لرصد الإنهاك بين أفراد التمريض في الأقسام الحرجة؟ وما الذي تغيّر بعد الواقعة غير إضافة اسم جديد إلى قوائم النعي؟
إحالة الجثمان للنيابة إجراء قانوني طبيعي، لكنه لا يكفي وحده إذا لم يتزامن مع تحقيق إداري شفاف يراجع ظروف العمل الفعلية داخل الأقسام الأكثر ضغطًا، لأن السؤال الاجتماعي الأوسع يظل قائمًا: من يحمي من يحمي المرضى؟
“سلامة المريض” تبدأ من سلامة الطاقم: ثغرة الصحة المهنية
العمل في العناية المركزة ليس مجرد ساعات على جدول؛ هو تعرض دائم لضغط نفسي وبدني: نداءات طوارئ متتالية، قرارات لحظية، ومواجهة يومية مع احتمالات الوفاة. ومع ذلك، لا يُعامل الإرهاق كخطر مهني حقيقي إلا بعد وقوع الكارثة.
المفارقة أن بيانات القوى العاملة الصحية نفسها تعكس مشكلة أعمق: منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن أحدث بيانات “كثافة التمريض والقبالة” المتاحة عالميًا تتوقف عند عام 2020، مع عدم اكتمال البيانات في دول عديدة—بما يعني أن التخطيط أحيانًا يجري بخرائط قديمة لواقع يتحرك بسرعة.
وعندما تتراكم الأعباء على طاقم غير كافٍ أصلًا، يصبح الإنهاك نتيجة شبه حتمية. وفي أحد مصادر منصة منظمة الصحة العالمية الخاصة بالحسابات الوطنية للقوى العاملة الصحية، يرد تقدير بأن مصر قد تواجه نطاق عجز مُقدّر بين 90 ألفًا و100 ألف ممرض/ممرضة بحلول 2030.
حتى الدراسات الأكاديمية تشير إلى حجم قطاع التمريض؛ إذ أورد بحث منشور عام 2025 أن “السكان المستهدفين” في مصر قُدّروا بنحو 218 ألف ممرض/ممرضة وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2021) ضمن سياق بحثه.
هذه الأرقام لا تعني شيئًا إذا تُرجمت عمليًا إلى ضغط عمل أعلى على الأفراد، وفحوص طبية دورية غائبة أو شكلية، وتجاهل إشارات الإنهاك حتى تتجسد في حادثة موت “مفاجئ” داخل مكانٍ يفترض أنه الأكثر جاهزية للإنقاذ.
ليست الواقعة الأولى: حوادث متشابهة ترسم نمطًا مقلقًا
وفاة حسين عبد الرحيم تأتي ضمن خلفية حوادث مؤلمة تشبه بعضها في العنوان والنتيجة: أفراد من الطاقم الطبي يسقطون فجأة أثناء العمل أو خلال نوبتجية مرهقة.
في 19 مايو 2025 تحدثت تقارير عن وفاة ممرض (25 عامًا) داخل مستشفى دمنهور التعليمي بعد سقوطه المفاجئ في مكان العمل.
وفي 24 أغسطس 2025 نُشرت تفاصيل عن وفاة ممرضة داخل مستشفى قوص بقنا إثر أزمة قلبية مفاجئة خلال العمل داخل قسم التعقيم.
وقبل ذلك، في 15 أكتوبر 2022، سُجلت واقعة وفاة طبيب شاب أثناء نوبتجية داخل مستشفى بمنشية البكري في القاهرة نتيجة أزمة قلبية مفاجئة، بحسب ما نشرته صحافة محلية.
وفي 13 ديسمبر 2025، أوردت تقارير وفاة طبيب أسنان بالشرقية إثر توقف مفاجئ بعضلة القلب.
الجامع بين هذه الوقائع ليس تشخيصًا طبيًا واحدًا، بل سؤال واحد يتكرر بلا إجابة مؤسسية: لماذا تُدار المنظومة الصحية وكأن خسارة أفرادها “أثر جانبي مقبول”؟
ما تحتاجه هذه الحوادث ليس مزيدًا من المراثي، بل قواعد حماية واضحة: شفافية في إعلان نتائج التحقيقات، فحوص إلزامية دورية للعاملين بالأقسام الحرجة، تنظيم للراحة والتناوب يمنع الإنهاك المزمن، وآليات سريعة لتقليل الأحمال عندما يثبت نقص القوى البشرية. وفاة حسين عبد الرحيم داخل العناية ليست “قضاء وقدرًا” في المعنى الإداري… إنها اختبار لضمير المنظومة: إما أن تتعلم، أو تستعد لتكرار المشهد باسمٍ آخر.

