يستدعي إعلام السيسي فزاعة الإخوان مجددًا، محولًا الحديث عن نشاط معارضي الخارج إلى إنذار دائم بالخطر، بينما يتراجع السؤال الأهم عن مسؤولية السلطة عن انسداد السياسة، وعن حق المصريين في محاسبة من يحكمهم.

 

وفي المقابل، يكشف تفكيك هذا الخطاب وظيفة تتجاوز الخصومة مع جماعة بعينها؛ إذ تصبح المعارضة كلها موضع اشتباه، ويُقدَّم استمرار احتكار السلطة باعتباره ضرورة لحماية البلاد، مهما ارتفعت كلفته السياسية والاجتماعية.

 

 

صناعة الخوف لحماية احتكار الحكم

 

ففي سبتمبر الجاري، تحدث الصحفي الإنقلابي عبد الرحيم علي، خلال ظهور تلفزيوني، عن مخطط إخواني يمتد عشرين عامًا للعودة عبر واجهات مدنية، وربط بينه وبين تحركات مجموعات معارضة بالخارج واجتماعات لتنسيق نشاطها.

 

غير أن هذه الرواية تظل اتهامات صاحبها، ولا يكفي عرضها تلفزيونيًا لإثبات تبعية كل تحرك معارض للإخوان، أو تحويل التواصل السياسي بين مصريين بالخارج إلى دليل تلقائي على تدبير مؤامرة.

 

ومن هنا، يمكن قراءة المبالغة في تصوير اجتماعات المعارضة باعتبارها تهديدًا وجوديًا بوصفها محاولة لإغلاق النقاش قبل بدايته، وإجبار الجمهور على الاختيار بين السلطة القائمة وخطر مجهول تُرسم ملامحه داخل الاستوديوهات.

 

وفي هذا السياق، حذر حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أمام البرلمان الأوروبي في ٢ سبتمبر ٢٠٢٦، من أن إغلاق قنوات المعارضة السلمية، مقترنًا بالفقر واللامساواة، يقوض الاستقرار.

 

وبذلك، يقدم الحقوقي المنتقد لسياسات الحكم تفسيرًا يناقض منطق التخويف؛ فالخطر، في تشخيصه، يتولد من إغلاق منافذ التعبير والتنظيم والمشاركة، وليس من مجرد وجود أصوات ترفض السياسات السائدة وتطالب بتغييرها.

 

وعليه، تبدو المفارقة فادحة حين يُطلب من المصريين الخوف من احتمال ظهور بديل، بينما يُمنح القائمون على إدارة البلاد إعفاءً مفتوحًا من المحاسبة، تحت ذريعة أن أي خلاف يخدم خصوم الدولة.

 

فضلًا عن ذلك، يؤدي الخلط بين الدولة والسلطة إلى مصادرة الوطنية نفسها؛ فمن ينتقد قرارًا اقتصاديًا أو يطالب بإطلاق الحريات يصبح مطالبًا بإثبات براءته، قبل أن يُسمح بمناقشة أصل اعتراضه.

 

لذلك، فإن تفسير الحملة باعتبارها دفاعًا عن احتكار المجال السياسي يبدو أقرب إلى مضمونها من اختزالها في سجال تنظيمي؛ فهي تجرّم احتمال المنافسة، وتحوّل الخوف إلى بديل عن تقديم الإجابات.

 

 

عودة المعارضين تفضح غياب الضمانات

 

أما الحديث عن عودة معارضي الخارج، فيحتاج أولًا إلى الفصل بين رجوع أفراد إلى بلدهم، واستعادة نشاط سياسي علني، وبين اتهامات محددة بالعنف؛ إذ يؤدي دمجها إلى تشويه النقاش كله.

 

وفي المقابل، لا تتوافر في المواد التي جرى فحصها أدلة مستقلة تكفي للجزم بوجود عودة جماعية وشيكة، ولذلك يتناول هذا التقرير دلالات التخويف من العودة، دون تقديم احتمالاتها باعتبارها واقعة محسومة.

 

ومع ذلك، يظل سؤال الضمانات جوهريًا؛ فأي عودة تفقد معناها السياسي إذا كان ثمنها التخلي عن التعبير، وأي انفتاح يصبح مجرد دعاية إذا بقي النقد سببًا للملاحقة أو الترهيب المستمر.

 

وفي هذا الإطار، أكد محمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، في بيان منشور يوم ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦، ضرورة إصلاحات تنهي الاحتجاز التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري وتضمن المحاكمة العادلة.

 

وانطلاقًا من هذا الموقف الحقوقي المنتقد للانتهاكات، يمكن تحديد معيار جدي للعودة الآمنة يتمثل في ضمانات قابلة للاختبار، تحمي الأشخاص وحقوقهم، وتمنع تحويل اختلافهم السياسي إلى أداة ضغط عليهم أو على أسرهم.

 

كذلك، فإن وجود معارض خارج الحدود لا يسلبه حق مناقشة شؤون بلده، مثلما لا يمنحه حصانة من النقد؛ والمطلوب هو اختبار الوقائع والحجج، بدل توزيع شهادات الوطنية على أساس الولاء.

 

لكن خطاب التخوين يقلب هذه العلاقة، فيضع المعارض في قفص الاتهام مسبقًا، ثم يطالب الجمهور بتجاهل أسئلته عن السياسات العامة، وكأن إسكات صاحب السؤال يعفي المسؤولين من واجب الإجابة عنه.

 

ومن ثم، يمكن فهم الحساسية تجاه عودة النشاط المعارض باعتبارها خشية من اتساع النقاش خارج الحدود المرسومة له؛ فظهور أصوات مستقلة قد يكسر ادعاء الإجماع، ويكشف تعدد المصالح والتصورات داخل المجتمع.

 

 

شيطنة البدائل تعطل حساب السلطة

 

وبالمثل، فإن اختزال المعارضة في الإخوان يخدم إخفاء تنوعها؛ إذ يطمس الفوارق بين حقوقيين وليبراليين ويساريين وإسلاميين ومستقلين، ويسهّل التعامل معهم باعتبارهم كتلة واحدة تستحق الإقصاء قبل الاستماع إلى مطالبها.

 

وفي المقابل، لا يحتاج تفنيد هذا الاختزال إلى تبرئة أي تنظيم من أخطائه؛ بل يحتاج إلى رفض استخدام أخطاء طرف لتجريم الجميع، وإخضاع كل ادعاء للفحص، بعيدًا عن المحاكمات التلفزيونية.

 

وعلى هذا الأساس، تبدو المواجهة الحقيقية حول قواعد إدارة المجال العام؛ هل يسمح الحكم بنقد مستقل ومنافسة سلمية، أم يواصل استخدام خصومه ذريعة لإبقاء المصريين أسرى خيار سياسي واحد؟

 

وفي السياق نفسه، شدد أحمد مفرح، المدير التنفيذي للجنة العدالة، في بيان ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦، على أن مصداقية الاستراتيجية الحقوقية تُقاس بالتغيير العملي، وبالمراقبة المستقلة والمشاركة المجتمعية والإصلاحات المحددة القابلة للقياس.

 

وبناءً على هذا المعيار، تصبح شعارات الانفتاح بلا وزن حين تغيب ضمانات التنفيذ؛ فالاختبار ليس ارتفاع نبرة الخطاب الرسمي، وإنما قدرة المعترض على الكلام والتنظيم والمشاركة دون أن يتحول إلى هدف.

 

ثم إن اتهام المعارضة بالعجز لا ينسجم مع تصوير اجتماعاتها خطرًا يهدد البلاد؛ وهذا التناقض يمنح قراءة أخرى للحملة، بوصفها أداة لتعبئة الأنصار وإدامة الاستنفار، أكثر من كونها تقديرًا متماسكًا للمخاطر.

 

ومع ذلك، لا تعني كثافة التخويف أن المعارضة قادرة تلقائيًا على تقديم بديل ناجح؛ فتلك مسؤوليتها، وتتطلب برنامجًا واضحًا ومراجعة للأخطاء، لكن إخفاقها المحتمل لا يمنح السلطة حق مصادرة المنافسة.

 

وأخيرًا، يشير هذا التحليل إلى أن ما يزعج احتكار الحكم هو احتمال عودة السياسة نفسها، بما تحمله من مساءلة ومقارنة وبدائل؛ فكلما اتسعت مساحة الاختيار، ضاقت قدرة التخويف على حماية الفشل أمام جمهور يطالب بحقه في مستقبل مختلف.