أعاد قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي تقديم مصر أمام شركائها باعتبارها وجهة تحتاج إلى التمويل والمشروعات، خلال مشاركته في الجلسة المفتوحة وغداء العمل لقادة دول البريكس وشركائها، بالعاصمة الهندية نيودلهي، يوم الأحد 13 سبتمبر 2026.

 

وخلف مفردات الصمود والاستدامة والابتكار، تبرز أزمة سياسية واقتصادية أعمق؛ فالحكومة تطلب توسيع أبواب التمويل الخارجي، بينما تظل مطالبة بتفسير اختيارات إنفاقها، وجدوى مشروعاتها، ومسؤوليتها عن استمرار الحاجة إلى المساندة.

 

 

طلب التمويل يفضح أزمة الأولويات

 

دعا السيسي إلى تعزيز دور بنك التنمية الجديد في تمويل البنية التحتية، وتوسيع إتاحة التمويل الميسر للدول النامية، مشددًا على تحويل التعاون بين أعضاء التجمع وشركائه إلى استثمارات ومشروعات ملموسة.

 

لكن وصف هذا التحرك بالنجاح يتطلب أكثر من خطاب دبلوماسي؛ إذ لم تتضمن الكلمة المعروضة إعلان اتفاقات تمويل محددة، أو قيم استثمارات متعاقد عليها، أو جداول تنفيذ يمكن محاسبة الحكومة بشأنها.

 

ومن هنا، يصبح استجداء التمويل توصيفًا سياسيًا للاعتماد المتكرر على الخارج، وليس اقتباسًا من حديث السيسي؛ فالاعتراض يتعلق بحكومة تطلب موارد إضافية قبل تقديم مراجعة مقنعة لكيفية استخدام الموارد السابقة.

 

وفي قراءة سابقة لهذا المسار، انتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، في ديسمبر 2025، التوسع في الاستدانة وتوجيه القروض نحو مشروعات وصفها بغير الإنتاجية، معتبرًا أن أعباء السداد تضاعف الأزمة الاقتصادية.

 

وربط الميرغني بين تضخم خدمة الديون والضغط على الإنفاق الاجتماعي، داعيًا إلى إخضاع الاقتراض للرقابة، ووقف الاستثمارات غير الضرورية، وتوجيه الموارد إلى الزراعة والصناعة وزيادة الإنتاج بدل التركيز على العقارات والمقاولات.

 

وتكشف هذه القراءة موضع الخلل في التعامل الحكومي مع التمويل؛ فالقرض لا يصنع تنمية بمجرد توقيعه، والمشروع لا يصبح أولوية وطنية لأن السلطة تملك القدرة على افتتاحه وتسويقه إعلاميًا للجمهور.

 

وعند تطبيق هذا النقد على خطاب البريكس، يبرز سؤال الجدوى: ما الذي سيضمن اختلاف نتائج التمويلات المقبلة إذا ظلت آليات اختيار المشروعات وتقييم عوائدها ومراجعة تكلفتها بعيدة عن النقاش العام؟

 

والاختبار المطلوب هو إعلان تكلفة كل مشروع، ومصدر تمويله، وعائده المتوقع، وفرص العمل التي يوفرها، وحجم المكون المحلي فيه؛ حتى يستطيع المواطن التمييز بين الاستثمار الضروري والإنفاق الذي يضاعف التزاماته.

 

أما تقديم كل باب اقتراض جديد باعتباره فتحًا اقتصاديًا، فيختزل التنمية في القدرة على الحصول على المال، ويعفي أصحاب القرار من السؤال الأصعب بشأن النتائج التي تحققت مقابل الالتزامات المفروضة.

 

 

شراكات خارجية تصطدم بغياب الشفافية

 

استعرض السيسي توسع مصر في الموانئ وشبكات النقل، وربط ذلك بكفاءة التجارة وسلاسل الإمداد، بينما تبقى القيمة الاقتصادية لهذه الاستثمارات مرتبطة باستخدامها الفعلي وقدرتها على خدمة الإنتاج وتحقيق عوائد مستدامة.

 

فالبنية التحتية تستطيع دعم التنمية، لكن تضخم الإنفاق عليها لا يكفي لإثبات نجاح السياسة الاقتصادية؛ إذ تحتاج الطرق والموانئ إلى مصانع منتجة، وتجارة متنامية، ومنافسة عادلة، وإدارة تحاسب على النتائج.

 

وفي تحليل منشور في يناير 2025، انتقد يزيد صايغ، الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي للمؤسسات العسكرية، تعثر الشفافية والإصلاح الهيكلي في مصر، واستمرار الإنفاق الضخم على المشروعات التي تديرها المؤسسة العسكرية.

 

ورأى صايغ أن التركيز على بيع حصص محدودة من الشركات يصرف الانتباه عن ضرورة إخضاع الأنشطة الاقتصادية العسكرية للإفصاح المالي، وانتقد تكيف المؤسسات المالية الدولية مع استمرار هذه الاختلالات الهيكلية.

 

وهذا الرأي يتناول بنية الاقتصاد وسياسات الحكومة، وليس تعليقًا مباشرًا على جلسة البريكس الحالية؛ لكنه يضع دعوات الاستثمار الجديدة أمام مشكلة لا تعالجها المجاملات الدبلوماسية أو الصور الجماعية بين القادة.

 

فالمستثمر يحتاج إلى قواعد واضحة تتساوى أمامها الشركات، وإجراءات يمكن توقعها، وبيانات مالية قابلة للفحص؛ وأي تفاوت في الامتيازات أو الرقابة يضعف قيمة الوعود الرسمية بتحسين بيئة الأعمال وجذب الشراكات.

 

لذلك، لا يمكن للحكومة أن تجعل الخارج مسؤولًا عن توفير الأموال، ثم تتعامل مع الإفصاح والمساءلة باعتبارهما تفاصيل مؤجلة؛ فالثقة الاقتصادية تبدأ بكشف المعلومات وإتاحة مراجعتها، خصوصًا عندما تتحمل الخزانة المخاطر.

 

ويصبح الحديث عن الابتكار أكثر إقناعًا حين يرتبط بتمويل البحث والتطوير، وتيسير نمو الشركات الصغيرة، وتحسين التعليم الفني؛ أما إدراج المصطلحات الحديثة في الخطب فلا يقدم وحده دليلًا على تحول إنتاجي.

 

المطلوب من السيسي إذن كشف قواعد إدارة المشروعات التي يطلب تمويلها، وحدود الضمانات الحكومية، وآليات توزيع المخاطر والعوائد؛ لأن تحميل المجتمع الخسائر مع حجب التفاصيل عنه يهدم أي ادعاء بالشراكة التنموية.

 

 

المواطن يدفع ثمن الارتهان المالي

 

لا تتوقف فاتورة الاعتماد على التمويل الخارجي عند بند الفوائد؛ فهي تمتد إلى قدرة الدولة على ترتيب أولوياتها بحرية، وحماية الإنفاق الضروري، والتفاوض من موقع يمتلك بدائل اقتصادية حقيقية ومستدامة.

 

وفي دراسة مشتركة مع الباحث حمزة المؤدب، نشرها في يونيو 2023، ربط عمرو عادلي، الباحث في الاقتصاد السياسي، اعتماد مصر المتزايد على التمويل الخارجي بتراجع استقلالية خياراتها الاقتصادية ومكانتها التفاوضية.

 

وأوضحت الدراسة أن الحاجة المتكررة إلى الأموال تمنح الجهات الممولة تأثيرًا أكبر في السياسات، بينما يؤدي تفاقم الاحتياجات المالية إلى تعميق الاعتماد عليها؛ وهي دائرة تتجاوز أزمة السيولة المؤقتة بكثير.

 

ويقدم هذا التحليل نقدًا لنتائج المسار الاقتصادي، دون أن يعني رفض التعاون الدولي؛ فتنويع الشركاء يمكن أن يوسع الخيارات، لكن أثره يظل محدودًا إذا استمر ضعف القدرة على توليد الموارد.

 

وتطبيقًا لذلك، لن تصبح عضوية البريكس شهادة تعافٍ تلقائية، ولن يحل الانتقال بين مؤسسات التمويل مشكلة الأولويات؛ فالبلد يحتاج إلى تقليل أسباب الاقتراض المتكرر، لا الاكتفاء بتنويع الجهات التي تقرضه.

 

ومن زاوية العدالة الاجتماعية، يجب تقييم أي تمويل جديد وفق أثره على معيشة الناس: هل يوسع الإنتاج والعمل والخدمات، أم يضيف التزامات تستدعي لاحقًا إجراءات يتحملها أصحاب الدخول المحدودة أساسًا؟

 

ولا يكفي ترديد أن المشروعات تخدم الأجيال المقبلة، بينما تغيب عنها حسابات معلنة يستطيع الجمهور فحصها؛ فالعدالة بين الأجيال تقتضي توريث أصول منتجة وقدرة على السداد، معًا، وليس ديونًا ووعودًا.

 

وتبدأ المحاسبة بإعلان مراجعة مستقلة للمشروعات الكبرى، وترتيب الاستثمارات بحسب ضرورتها وعوائدها، وحماية الخدمات الأساسية، وإتاحة النقاش حول البدائل؛ فهذه الإجراءات تمنح طلب التعاون الدولي أساسًا أكثر قوة ومصداقية اقتصادية.

 

في جلسة البريكس، طلب السيسي شراكات وتمويلًا ومشروعات؛ لكن استحقاقه أمام المصريين يظل تقديم حساب واضح عن النتائج والتكلفة والمسؤولية، لأن استمرار طلب الدعم لا يجوز أن يتحول إلى بديل دائم للمحاسبة.