يواجه أطفال فلسطين عامًا دراسيًا مثقلًا بالخسائر، بعدما حوّلت الحرب الإسرائيلية المدارس من فضاءات لبناء الإنسان إلى مبانٍ مدمرة، ودفعت مئات الآلاف من الطلبة إلى البحث عن فرصة تعليم وسط النزوح والفقد والخوف.

 

ولا تتوقف الكارثة عند غياب المقاعد والكتب، بل تمتد إلى تفكيك البيئة التربوية وفقدان المعلمين وتعطيل المناهج، بما يهدد مستقبل جيل يحتاج إلى استعادة التعليم والاستقرار النفسي معًا، وليس مجرد إعلان بداية الدراسة.

 

 

عام دراسي تحت وطأة الدمار

 

انطلق العام الدراسي في الضفة الغربية يوم 6 سبتمبر 2026، بينما يترقب طلبة غزة انطلاق عامهم يوم 19 سبتمبر 2026، وسط واقع يجعل العودة إلى المدرسة تحديًا يتجاوز تجهيز الفصول وتوزيع الكتب.

 

فالمدرسة، خصوصًا في المرحلة الابتدائية، تمثل الأساس لبناء شخصية الطفل وقدرته على التعلم والتواصل، لكن استمرار آثار الحرب يقوّض هذه الوظيفة، ويحرم الطلبة من بيئة مستقرة وكادر مؤهل وإدارة قادرة على متابعة احتياجاتهم.

 

وقال أحمد عايش النجار، مدير العلاقات العامة بوزارة التربية الفلسطينية، إن دمار المدارس يمنع الاعتماد على التعليم التقليدي وحده، موضحًا أن البدائل تشمل المدارس القابلة للاستخدام والمراكز التعليمية المؤقتة والخيام التعليمية، إلى جانب التعليم الرقمي.

 

وبحسب النجار، بلغ عدد الطلبة الشهداء نحو 20000 طالب، إضافة إلى 770 معلمًا وموظفًا تربويًا، منذ 7 أكتوبر 2023 في غزة والضفة الغربية، وهي خسائر تصيب المجتمع التعليمي في صميم قدرته على الاستمرار.

 

وأوضح أن نحو 97% من مباني المدارس تعرضت للضرر، بينما تحتاج 93% منها إلى إعادة تأهيل رئيسية أو إعادة بناء كاملة، ما يجعل استعادة التعليم مرتبطة بإعمار واسع، لا بإصلاحات محدودة أو ترتيبات مؤقتة.

 

وأشار إلى أن نحو 700 ألف طفل في سن الدراسة فقدوا التعليم النظامي لنحو 3 أعوام، وأن نحو 420 ألف طفل لا يحصلون على أي تعليم وجاهي، بما يكشف اتساع الفجوة التعليمية.

 

 

أطفال بين اليتم وفقدان التعليم

 

ولهذا، يطرح النجار برنامج التعليم المسرّع باعتباره محاولة لاستدراك الانقطاع، موضحًا أن المطلوب ليس إعادة الطالب إلى مقعده فقط، بل تحديد المهارات التي فقدها والعمل على تعويضها، وفق احتياجاته ومستواه التعليمي الفعلي.

 

وبحسب الأرقام المنسوبة إلى اليونيسف، تضرر أكثر من 98% من البنية التحتية المدرسية لغزة، فيما تشير تقارير إلى فقدان نحو 638 ألف طفل مقاعدهم الدراسية، بما يستدعي توضيح نطاق الإحصاءات وتواريخها عند المقارنة.

 

وتتضاعف المأساة لدى الأطفال الأيتام؛ فبحسب حكومة غزة، خلّفت الحرب الإسرائيلية نحو 85 ألف طفل يتيم، بينهم 27 ألف طفل فقدوا كلا الوالدين، ليواجه هؤلاء فقدان الأسرة والمدرسة وشبكات الحماية في وقت واحد.

 

وتبرز الحاجة إلى حصر أعداد الطلبة الأيتام في غزة والضفة، وربطهم ببرامج رعاية حياتية ونفسية وصحية وتعليمية، تضمن استمرارهم بالدراسة وتساند القائمين على رعايتهم، دون اختزال احتياجاتهم في مساعدات موسمية أو استجابات متفرقة.

 

ويضاف إلى ذلك ملف الأطفال ذوي الإعاقة، بعدما أعلنت الأمم المتحدة بداية سبتمبر 2025 وجود نحو 21 ألف طفل من ذوي الإعاقة، ما يفرض احتياجات خاصة تتعلق بإتاحة التعليم والتأهيل والدعم النفسي.

 

ولا يكفي تخصيص مقاعد لهؤلاء الأطفال دون تهيئة وسائل الوصول والمرافق والمناهج، وتوفير أدوات مساعدة وكوادر مدربة؛ فالتعليم البديل قد يعيد إنتاج الإقصاء إن تجاهل اختلاف الإعاقات والاحتياجات الفردية للطلبة المتضررين من الحرب.

 

 

إنقاذ التعليم يتطلب تحركًا عاجلًا

 

تضع هذه الخسائر اليونيسف وجامعة الدول العربية والجمعيات الخيرية أمام مسؤولية التحرك المنظم، عبر خطة تربط الإغاثة بالتعليم وإعادة الإعمار، وتمنح الأولوية للأطفال الأكثر تضررًا، مع متابعة واضحة للاحتياجات والتمويل ونتائج التدخل على الأرض.

 

ويأتي توفير المدارس الكرفانية ضمن الأولويات، خصوصًا مع اقتراب الشتاء، لتأمين مساحات تعليمية أكثر حماية من البرد والمطر، مع ضمان سلامة مواقعها وتجهيزاتها وتوفير المياه والمرافق الصحية، بدل ترك العملية التعليمية رهينة خيام لا تعوض المدرسة المستقرة.

 

وتشمل الاحتياجات كذلك طباعة المناهج وتوفير القرطاسية والمواد المختبرية ووسائل الإيضاح، إلى جانب دعم المعلمين وتدريبهم على معالجة الفاقد التعليمي، حتى لا تتحول العودة إلى الدراسة إلى حضور شكلي يفتقر إلى الأدوات اللازمة للفهم والتجريب وتنمية مهارات الطلبة.

 

كما تبرز الدعوة إلى تشكيل لجنة «شهداء المدارس» داخل وزارة التربية الفلسطينية، تتولى تدوين أسماء الطلبة والكوادر التعليمية الشهداء وتوثيق خسائر القطاع، بما يحفظ الذاكرة ويدعم عرض حجم الانتهاكات أمام المؤسسات الدولية.

 

ويمتد واجب الدعم إلى توسيع قبول الطلبة المتفوقين في برامج المنح المجانية بالجامعات العربية والعالمية وتغطية نفقات الدراسة والمعيشة، بما يوفر مسارات لاستكمال التعليم، ويمنع ضياع قدراتهم بسبب الفقر والدمار وانقطاع المؤسسات التعليمية عن أداء وظائفها.

 

وتبقى استعادة المدرسة الفلسطينية مسؤولية تتجاوز افتتاح المباني؛ إذ تتطلب حماية الأطفال والمعلمين وضمان استمرارية التعلم والرعاية، حتى لا يصبح الحرمان الدراسي قدرًا دائمًا، ولا تتحول خسائر الحرب إلى مستقبل مغلق أمام الأطفال الناجين من القصف.