وضع حريق وحدة الأطفال المبتسرين بمستشفى أسيوط العام «الشاملة» الحكومة أمام اتهامات ثقيلة بالتفريط في سلامة المرضى، بعدما اضطرت الأطقم المعنية إلى نقل أطفال الحضانات لمستشفيات أخرى، وسط تحرك برلماني يطالب بالمحاسبة.

 

ورغم السيطرة على النيران دون خسائر بشرية، فإن نجاة الأطفال لا تجيب عن أسئلة الصيانة والوقاية، بينما يفرض السؤال البرلماني الذي قدمته النائبة سناء السعيد اختبارًا لجدية محاسبة المسؤولين وكشف أوجه القصور المحتملة.

 

 

نجاة الأطفال لا تبرئ الحكومة

 

سيطرت قوات الحماية المدنية على الحريق، وجرى إجلاء أطفال الحضانات ونقلهم إلى مستشفيات أسيوط الجامعي والإيمان العام ومنفلوط، للحفاظ على حياتهم، فيما تواصل الجهات المعنية فحص أسباب الواقعة وملابساتها.

 

ووجهت سناء السعيد، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، سؤالها إلى رئيس الوزراء ووزير الصحة، متهمة المسؤولين بالإهمال وتعريض المرضى للخطر، ومطالبة بكشف المسؤولية الإدارية والفنية عن الحادث.

 

وتضع الواقعة الحكومة أمام سؤال لا يجوز دفنه تحت عبارات الطمأنة: كيف اندلعت النيران داخل وحدة تستقبل أطفالًا يحتاجون إلى رعاية دقيقة، وما الذي تكشفه مراجعة إجراءات الوقاية السابقة للحريق؟

 

ولا تتضمن المعطيات المتاحة نتيجة فنية نهائية تحسم سبب الاشتعال أو تثبت تقصير شخص بعينه، لكن انتظار التحقيق لا يعفي الوزارة من تقديم سجلات السلامة والصيانة وإتاحة المعلومات الضرورية للمحاسبة.

 

وتشمل الأسئلة المطروحة كفاءة شبكات الكهرباء، وصلاحية أجهزة الإنذار والإطفاء، وتوقيت آخر صيانة دورية، ووجود ملاحظات سابقة من جهات التفتيش، وما إذا كانت الإدارة قد تعاملت معها قبل وقوع الحريق.

 

وفي نقد سابق لسياسات المستشفيات خلال يونيو 2024، دعت الدكتورة منى مينا، الأمين العام الأسبق لنقابة الأطباء، إلى تمويل الأجهزة والأدوية والأطقم الطبية، منتقدة توجيه الأموال إلى الرخام والجرانيت والشكليات.

 

ورفضت مينا تبرير التخلي عن الإدارة الحكومية بعجز الدولة عن إدارة مستشفياتها، مؤكدة أن الإدارة الجيدة تحتاج إلى تمويل وقواعد واضحة، وأن حماية الحق في الصحة تقع على عاتق الدولة.

 

ويمنح هذا النقد سؤال السلامة بعدًا يتجاوز شكل المباني؛ فاختبار التطوير هو قدرة المنشأة على حماية مرضاها واستمرار الخدمة، وهو ما يستلزم فحصًا مستقلًا لما أُنفق وما تحقق داخل المستشفى.

 

ومن حق أسر الأطفال معرفة تسلسل الإبلاغ والاستجابة والإجلاء، وضمان متابعة أبنائهم بعد النقل، فنجاح الإنقاذ يستحق التقدير، لكنه لا يمنح المسؤولين شهادة بأن جميع إجراءات الوقاية كانت سليمة بالفعل.

 

 

تمويل الصحة تحت اختبار الحريق

 

ويفتح الحريق نقاشًا مباشرًا حول أولويات الإنفاق الصحي، لأن شراء الأجهزة وتجديد المباني يجب أن تصاحبهما موارد مستمرة للتشغيل والصيانة، وإلا فقد تتحول الاستثمارات العامة إلى منشآت تتراجع قدرتها على حماية المرضى.

 

وسبق أن ربط الدكتور محمد حسن خليل، طبيب القلب ومؤسس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، في دراسة نشرها عام 2016، تدهور المستشفيات العامة والمركزية بتراجع موازنات الصحة ونقص مقومات الخدمة.

 

ودعا خليل في الدراسة نفسها إلى زيادة التمويل، وترميم المنشآت القابلة للإصلاح، وتحسين أوضاع العاملين، منتقدًا تقديم الخصخصة باعتبارها علاجًا لمشكلات الجودة، بينما تفتقد المؤسسات الموارد الأساسية اللازمة لأداء دورها.

 

وتعيد هذه القراءة ترتيب المسؤولية السياسية؛ فعلى الحكومة أن توضح كيف تضمن تمويل سلامة المستشفيات القائمة، وكيف تراقب التنفيذ الفعلي، بدل الاكتفاء بإجماليات مالية لا تكشف نصيب الصيانة ونتائجها داخل كل منشأة.

 

وفي حالة مستشفى أسيوط، ينبغي أن يشمل الفحص الاعتمادات المخصصة للصيانة والحماية من الحريق، وقيمة ما صُرف فعليًا، والأعمال المنفذة، والجهة التي تسلمتها، وأي طلبات إصلاح بقيت معلقة قبل الواقعة.

 

فإذا أثبتت المراجعة نقص الموارد رغم التنبيه إلى المخاطر، امتدت المساءلة إلى قرارات التمويل، وإذا كشفت وجود اعتمادات لم تُنفذ أعمالها، وجب تحديد المسؤول عن التعطيل أو سوء التنفيذ والرقابة.

 

كما يتطلب ملف المال العام حصر التلفيات وتكاليف الإصلاح والنقل، وتقييم أثر توقف الخدمة بالوحدة المتضررة، دون إعلان أرقام جزافية أو اعتبار كل خسارة دليلًا تلقائيًا على فساد لم تثبته التحقيقات.

 

وتصبح مطالبة الوزارة بتمويل الوقاية اختبارًا لأولوياتها الفعلية؛ فالأسرة التي أودعت طفلها حضانة حكومية لا تنتظر دعاية عن الإنجازات، وإنما ضمانًا للأمان، تكشف تفاصيله رقابة جادة وتتحمل الحكومة مسؤوليته كاملة.

 

 

المحاسبة تبدأ بكشف ملفات السلامة

 

وطالبت سناء السعيد بإعلان نتائج التحقيق للرأي العام، ومحاسبة كل مسؤول يثبت تقصيره، وكشف التدابير العاجلة لمنع تكرار الحرائق بمستشفيات أسيوط، وهي مطالب تضع وزارة الصحة أمام التزام واضح بتقديم إجابات محددة.

 

وفي قراءة نقدية نشرها في يناير 2023، انتقد علاء غنام، مدير برنامج الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بيانات الإنجازات الصحية التي تعرض أعداد الخدمات دون تفاصيل تسمح بتقييم الأداء.

 

وطالب غنام بمعلومات أدق تستند إلى معايير علمية، وتقييم مستقل لتطبيق التأمين الصحي الشامل، معتبرًا أن الأرقام المجردة لا تكفي لاستخلاص النجاح أو الفشل، وأن كشف المشكلات يمثل طريقًا للإصلاح.

 

ورغم اختلاف موضوع تقييم التأمين الصحي عن التحقيق في الحريق، فإن هذا المعيار يوضح ضرورة تقديم أدلة قابلة للفحص؛ إذ لا يمكن تقييم سلامة مستشفى اعتمادًا على بيان عام عن السيطرة.

 

ويقتضي تحقيق جاد مراجعة سجلات الأعطال ومحاضر التفتيش وعقود الصيانة واختبارات أنظمة الإنذار، والاستماع إلى العاملين، ومقارنة المستندات بحالة التجهيزات، مع حماية من يقدم معلومات عن أي تقصير محتمل من الضغوط.

 

ويجب أن تتبع المحاسبة سلسلة القرار كاملة إذا ثبت الإهمال، من تلقي التحذير إلى اعتماد التمويل وتنفيذ الإصلاح ومراجعته، حتى لا تنتهي القضية بتحميل موظف محدود الصلاحيات مسؤولية قرارات تتجاوز سلطته.

 

كما ينبغي نشر خطة تصحيح تتضمن مسؤولًا محددًا عن كل إجراء، ومواعيد للتنفيذ وإعادة الفحص، ونتائج مراجعة الوحدات المماثلة، بما يسمح للبرلمان والأهالي بمتابعة الوعود وقياس ما تحقق منها فعليًا.

 

ولا يجوز أن تتحول عبارة «لا خسائر بشرية» إلى صك براءة إداري؛ فالمساءلة تستهدف كشف أسباب الخطر قبل أن يتكرر، وإصلاح ما تثبت المراجعة قصوره، ومحاسبة المسؤول وفق الأدلة وحدود صلاحياته.

 

إن أطفال أسيوط الذين نُقلوا بعيدًا عن النيران يضعون الحكومة أمام مسؤولية لا تحتمل التجميل: كشف الحقيقة، وتأمين العلاج، وإعلان الحساب، فحياة المرضى ليست بندًا يمكن تأجيله حتى تفرض كارثة أخرى التحرك.