يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي توسيع عملياته العسكرية في الضفة الغربية المحتلة، عبر حملات اقتحام ومداهمة واعتقال تطال المدن والبلدات والمخيمات بصورة شبه يومية، في مشهد بات يعكس طبيعة التصعيد المستمر ضد الفلسطينيين منذ 8 أكتوبر 2023. وفي أحدث فصول هذا التصعيد، شهد اليوم حملة اعتقالات واسعة طالت 14 فلسطينيا، من بينهم طفل، وفق ما وثقه مكتب إعلام الأسرى الفلسطيني، وسط انتشار عسكري مكثف واستهداف مباشر للمنازل والأحياء السكنية في محافظات رام الله والبيرة وطولكرم والخليل.

 

لم تكن الحملة الجديدة حدثا معزولا، بل جاءت امتدادا لسياسة أمنية إسرائيلية تقوم على توسيع دائرة الملاحقة والضغط اليومي على المجتمع الفلسطيني، عبر اقتحام المنازل وتفتيشها وترويع ساكنيها، ثم تنفيذ الاعتقالات في ساعات مبكرة أو خلال عمليات ميدانية مفاجئة. وتكشف تفاصيل الحملة أن الاحتلال لا يستهدف فئة واحدة، بل يمد يده إلى الشباب، والأكاديميين، والأطفال، وأبناء العائلات، في محاولة لإبقاء الضفة الغربية تحت حالة استنزاف دائم.

 

مداهمات رام الله والبيرة.. استهداف واسع للمنازل والكفاءات

 

تركزت أبرز الاعتقالات في محافظة رام الله والبيرة، حيث اقتحمت قوات الاحتلال قرية دورا القرع شمال رام الله، واعتقلت 7 فلسطينيين بعد مداهمة منازلهم وتفتيشها. هذا العدد الكبير من المعتقلين في قرية واحدة يعكس حجم الضغط الذي تتعرض له التجمعات الفلسطينية الصغيرة، ويؤكد أن الاقتحامات لم تعد مرتبطة فقط بملاحقة أفراد بعينهم، بل باتت جزءا من سياسة جماعية تستهدف البيئة الاجتماعية كاملة.

 

وفي مخيم الأمعري بمدينة البيرة، اعتقلت قوات الاحتلال الشاب تيسير أبو شربك عقب اقتحام منزل عائلته، في مشهد يتكرر داخل المخيمات الفلسطينية التي تعاني تاريخيا من كثافة الاقتحامات والانتشار العسكري. وتزداد خطورة هذه الممارسات داخل المخيمات بسبب طبيعتها السكانية المكتظة، حيث تتحول أي عملية اقتحام إلى حالة رعب جماعي تطال الأطفال والنساء وكبار السن، قبل أن تنتهي باعتقال أو إصابة أو تخريب.

 

كما امتدت الحملة إلى حي الطيرة بمدينة رام الله، حيث اعتقلت القوات الإسرائيلية الدكتور مازن الرنتيسي بعد مداهمة منزله. ويحمل اعتقال شخصية أكاديمية دلالة إضافية، إذ يكشف أن الاحتلال لا يكتفي بملاحقة النشطاء أو الشباب، بل يطال أيضا الكفاءات العلمية والشخصيات المجتمعية التي تمثل حضورا معرفيا ومهنيا داخل المجتمع الفلسطيني.

 

هذه الاعتقالات في رام الله والبيرة تعكس محاولة إسرائيلية لإعادة هندسة المشهد الأمني في الضفة عبر استهداف مراكز التأثير الاجتماعي، سواء في القرى أو المخيمات أو الأحياء المدنية. وبينما يقدم الاحتلال هذه الحملات بوصفها إجراءات أمنية، يراها الفلسطينيون سياسة عقاب جماعي تهدف إلى كسر المجتمع وإشغاله بالخوف والبحث عن أبنائه خلف القضبان.

 

طولكرم والخليل.. الأطفال والعائلات في قلب الاستهداف

 

لم تتوقف الحملة عند رام الله والبيرة، بل امتدت إلى محافظة طولكرم، حيث اعتقلت قوات الاحتلال شقيقين من بلدة قفين شمال المحافظة عقب مداهمة منزليهما. وتكشف هذه الواقعة نمطا متكررا في الاعتقالات الإسرائيلية، يتمثل في استهداف الأشقاء وأفراد العائلة الواحدة، بما يحول الاعتقال من إجراء ضد فرد إلى ضغط مباشر على الأسرة بأكملها.

 

وفي محافظة الخليل، شهدت بلدة بيت أمر شمال المحافظة واقعة لافتة بعد اعتقال وافي اخليل ونجله عمر البالغ من العمر 15 عاما. ورغم إفراج القوات الإسرائيلية عن الأب لاحقا، فإنها أبقت على اعتقال نجله الطفل، في إجراء يسلط الضوء على استمرار استهداف القاصرين الفلسطينيين داخل منظومة الاعتقال الإسرائيلية.

 

ويبقى اعتقال الأطفال من أكثر الملفات حساسية في المشهد الفلسطيني، لأنه يكشف عن مستوى العنف الذي يواجهه الجيل الجديد تحت الاحتلال. فالطفل المعتقل لا يواجه فقط حرمانا من الحرية، بل يتعرض لصدمة نفسية واجتماعية تمتد آثارها إلى أسرته ومدرسته ومحيطه، وتتحول تجربته إلى جزء من ذاكرة القمع اليومية.

 

وتشير هذه الوقائع إلى أن الاحتلال يستخدم الاعتقالات أداة للسيطرة على المجال العام الفلسطيني، وليس فقط وسيلة ملاحقة أمنية. فحين يعتقل طفل، أو شقيقان، أو أكاديمي، أو مجموعة من أبناء قرية واحدة، فإن الرسالة لا تتوجه إلى المعتقلين وحدهم، بل إلى المجتمع بأكمله: لا أحد خارج دائرة الاستهداف.

 

أرقام ثقيلة وسجون ممتلئة.. الضفة تحت ضغط دائم

 

تأتي هذه الحملة في ظل أرقام ثقيلة توثق حجم التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية منذ 8 أكتوبر 2023، حيث تشير المعطيات إلى استشهاد 1169 فلسطينيا، وإصابة 12 ألفا و666 آخرين، واعتقال نحو 23 ألفا، إضافة إلى تهجير 33 ألف مواطن من منازلهم. وهي أرقام لا تصف حدثا عابرا، بل ترسم صورة واقع إنساني شديد القسوة.

 

وتزداد خطورة المشهد مع وجود نحو 9500 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، بينهم أطفال ونساء، وسط ظروف اعتقال قاسية تتحدث عنها تقارير حقوقية ومحلية بوصفها مزيجا من التجويع والتعذيب والإهمال الطبي والعزل والحرمان من الحقوق الأساسية. وفي ظل هذا الواقع، لا يصبح الاعتقال مجرد رقم في بيان يومي، بل بداية لمعاناة طويلة داخل منظومة مغلقة.

 

وتؤكد المصادر الفلسطينية أن اقتحامات الضفة غالبا ما تترافق مع اعتداءات مباشرة على المواطنين وتخريب محتويات المنازل، بما يحول المداهمة إلى عقوبة مزدوجة: اعتقال الشخص، وإذلال العائلة، وتدمير الإحساس بالأمان داخل البيت. وبهذا المعنى، يصبح المنزل الفلسطيني نفسه هدفا يوميا لسلطة عسكرية لا تعترف بحدود الحياة الخاصة.

 

إن حملة الاعتقالات الأخيرة التي طالت 14 فلسطينيا ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة مفتوحة من القمع الإسرائيلي في الضفة الغربية. وبينما يحاول الاحتلال فرض واقع أمني قائم على الخوف والملاحقة، يظل الفلسطينيون أمام معركة يومية للدفاع عن حريتهم وكرامتهم وحقهم في حياة لا تبدأ بالمداهمة ولا تنتهي خلف الزنازين.