يقرر الإسلام أن التوحيد هو أصل الإنسان، وأن البشرية لم تبدأ بعبادة الأصنام ثم ترتقِ إلى معرفة الله، بل بدأت على الهداية، ثم تسلل إليها الانحراف. ومن هنا جاءت رسالات الأنبياء لتجدد عهد الإيمان، وترد القلوب إلى خالقها، وتحررها من الخضوع لغيره.

 

وليست هذه القضية سردًا لأحداث غابرة، وإنما مفتاح لفهم حقيقة التدين ومسؤولية الإنسان عن حماية فطرته. فمعرفة الأصل تكشف خطورة الشرك، وتوضح حاجة المجتمعات إلى الوحي، وتدعو المسلم إلى الجمع بين صفاء الاعتقاد وصلاح العمل، دون تعليق يقينه على نظريات بشرية متغيرة.

 

 

التوحيد فطرة الإنسان الأولى

 

يربط القرآن الاستقامة بأصل الخلقة، فيقول تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]. فالدعوة إلى الله توقظ الفطرة، ولا تزرع في الإنسان طبيعة غريبة عنه.

 

ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» رواه البخاري، برقم 1358.

 

ومن دلالة الحديث أن البيئة والتربية تؤثران في مسار الاعتقاد، ولذلك تصبح رعاية الفطرة أمانة تبدأ داخل الأسرة. وليس المقصود أن الطفل يولد عالمًا بتفاصيل العقيدة، وإنما أن أصل خلقته مهيأ لقبول الحق ومعرفة ربه.

 

وتقتضي هذه الأمانة تعليم الأبناء أسماء الله ومعاني رحمته وحكمته، وربط العبادة بالمحبة والصدق وحسن الخلق. فالفطرة تحتاج إلى رعاية واعية، تقدم الإيمان بالقدوة والحوار، ولا تختزله في عبارات محفوظة تنفصل عن السلوك اليومي.

 

والتربية الإيمانية لا تهرب من أسئلة الصغار، بل تستقبلها بطمأنينة، وتعينهم على فهم العبادة ومعناها. وعندما يرى الأبناء الصدق والرحمة في سلوك الكبار، يجدون أمامهم نموذجًا عمليًا لما يتعلمونه عن تعظيم الله ومراقبته في مواقف الحياة المختلفة.

 

 

الشرك انحراف يتسلل بالتدريج

 

يبين القرآن أن الاختلاف طرأ على وحدة سابقة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: 19]. وفي التفسير الإسلامي، يُستدل بهذه الآية على أن الشرك ليس الأصل الذي بدأت عليه البشرية.

 

وجاء في الحديث القدسي، ضمن حديث عياض بن حمار، أن الله تعالى قال: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا». رواه مسلم، برقم 2865.

 

ويكشف الأثر الذي رواه البخاري عن ابن عباس في تفسير أصنام قوم نوح كيف ارتبطت أسماؤها برجال صالحين، ثم نُصبت لهم أنصاب، ولم تُعبد ابتداءً، حتى مات أصحاب المعرفة، وغاب العلم، فتحول التذكير بالصالحين إلى عبادة.

 

ويوجه ذلك إلى ضرورة الحذر من الغلو الذي يرفع المخلوق فوق منزلته، ومن التقليد الذي يعطل السؤال عن الدليل. فمحبة الصالحين تكون باتباع الخير الذي دعوا إليه، لا بصرف العبادة لهم أو منحهم خصائص الألوهية.

 

والعبرة ليست محصورة في حكاية قديمة، بل تتعلق بكل قلب قد يخلط التعظيم المشروع بالتقديس المنحرف. لذلك يحتاج المؤمن إلى علم يحرس محبته، وبصيرة تميز العبادة من العادة، واستعداد لمراجعة الموروث على ضوء الوحي.

 

 

شهادات تبحث عن الجذور

 

وفي تاريخ دراسة الأديان، ظهرت اعتراضات على التصور الذي يجعل التوحيد مرحلة متأخرة لا يبلغها الإنسان إلا بعد عبادة الأرواح وتعدد الآلهة. ومن أبرز أصحاب هذه الاعتراضات الباحث الاسكتلندي أندرو لانغ، الذي ناقش هذا التسلسل في كتاباته.

 

فقد عرض لانغ شواهد على الاعتقاد بكائن أعلى وخالق عند جماعات وصفها باحثو عصره بالبدائية، ورأى أن هذه الشواهد تثير أسئلة أمام اختزال نشأة الإيمان في عبادة أرواح الموتى، أو ربط معرفة الخالق حصرًا بالتقدم الحضاري.

 

وطور الباحث النمساوي فيلهلم شميدت اتجاهًا عُرف بنظرية التوحيد البدائي، وجمع في مشروعه عن أصل فكرة الإله مواد من معتقدات جماعات مختلفة، مستدلًا بها على أسبقية الاعتقاد بالإله الأعلى، خلافًا للتفسيرات التطورية التي عارضها.

 

غير أن الأمانة تقتضي عرض هذه الآراء بوصفها اجتهادات بحثية، لا إجماعًا علميًا يحسم عقائد البشر الأوائل. كما أن الاعتقاد بكائن أعلى لا يثبت وحده إخلاص العبادة له، ولا يكفي وجود تشابه لغوي للجزم بوحدة العقيدة.

 

 

العقل والوحي ومعرفة الخالق

 

لا تستمد العقيدة الإسلامية قوتها من موافقة باحث غربي، ولا تتوقف صحتها عند المؤمن على اكتشاف أثري بعينه. فالنصوص الشرعية هي أساس هذا التصور، وتأتي الدراسات التاريخية مجالًا للنظر والمقارنة، دون تحميلها ما يتجاوز حدود أدلتها.

 

ومن الخطأ المنهجي افتراض أن كل مجتمع مر بالضرورة بمراحل دينية متطابقة، ثم التعامل مع ذلك الافتراض باعتباره تاريخًا ثابتًا. فوجود معتقدات متعددة لا يحدد وحده ترتيب ظهورها، كما أن بساطة الأدوات لا تعني بالضرورة عجز أصحابها عن التفكير.

 

وفي النظر الإيماني، يدعو انتظام الكون وافتقار المخلوقات إلى التأمل في الخالق، وتدفع أسئلة الوجود والغاية الإنسان إلى تجاوز ظاهر الأشياء. وليس المقصود إغلاق باب التفكير، بل تحريره من التسليم بأن المادة وحدها تقدم تفسيرًا كافيًا لكل شيء.

 

ومع ذلك، ينبغي التفريق بين الاستدلال على وجود الخالق وبين إعادة بناء التاريخ الديني للبشرية. فلكل سؤال أدلته، ولا تتحول الملاحظة الجزئية إلى برهان شامل بمجرد موافقتها لما نؤمن به؛ إذ الصدق في الاستدلال من مقتضيات تعظيم الحق.

 

ولا يقتضي نقد التفسيرات التطورية رفض البحث أو ازدراء أصحابه، وإنما مناقشة حججهم بإنصاف، ومعرفة حدود ما يثبتونه. فالدعوة لا تحتاج إلى المبالغة، والمؤمن مأمور بتحري الصدق حتى عندما يرد على مخالفيه في الاعتقاد.

 

 

رسالة الأنبياء وإحياء الفطرة

 

حين انحرفت القلوب، جاءت رحمة الله بإرسال الرسل، ولم تكن دعوتهم تنافسًا على اختراع معبودات جديدة، وإنما تذكيرًا بحق الله وحده. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].

 

وفي دعوة نوح عليه السلام يتجلى اجتماع العقيدة والطاعة والتقوى، قال تعالى على لسانه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3]. فالتوحيد ليس معرفة ذهنية معزولة، بل عهد يوجه العمل، ويضبط علاقة الإنسان بخالقه وبالناس.

 

ومن ثمراته أن يخلص المسلم دعاءه لله، وأن يتوكل عليه مع الأخذ بالأسباب، وأن يراقبه في المال والكلمة والقرار. فلا يستقيم أن يعلن العبد وحدانية ربه، ثم يجعل عبادته ستارًا للظلم أو الخيانة أو أكل الحقوق.

 

وتبدأ استعادة هذا المعنى بمراجعة القلب، وتصحيح القصد، وتعلم الدين من مصادره الموثوقة، وتربية النفس على الإخلاص والرحمة والعدل. فحماية التوحيد لا تكون بكثرة الجدل وحدها، وإنما بعبادة صادقة وسلوك يشهد بأن الإيمان حقيقة حية.

 

وللدعاة في ذلك مسؤولية عملية، تتمثل في مخاطبة الناس بالحكمة، وتيسير فهم العقيدة، وربطها بحاجاتهم وأسئلتهم. فغاية البيان ليست الانتصار في مناظرة، وإنما هداية القلوب إلى عبادة الله، وإعانتها على الاستقامة والإحسان والصلاح.

 

وهكذا تبقى العودة إلى التوحيد عودة إلى الأصل الذي يقرر الوحي أن الإنسان خُلق عليه، واستجابة لنداء الأنبياء المتجدد. وهي دعوة إلى قلب يعرف ربه، وعقل يطلب الدليل، وحياة تجمع بين تعظيم الخالق والإحسان إلى الخلق.

.............................................

المصادر والمراجع:

1. زكريا، أبو بكر محمد. الشرك في القديم والحديث.

2. بن دانو، د. حاج أورانج كاى رحمات. التفكير الديني في العالم قبل الإسلام، ترجمة: د. عبد الرؤوف شلبي، دار الثقافة، الدوحة. قطر، 1983م.

3. أبو فارس، محمد عبد القادر. مع الأنبياء في الدعوة إلى الله، دار المأمون للنشر والتوزيع، عمان. الأردن، 2013.

4. محمود، عبد الحليم. قصص الأنبياء في رحاب الكون مع الأنبياء والرسل.

5. الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله. دار ابن كثير.