أوقفت إدارة شركة مصر العامرية للغزل والنسيج الأقسام الإنتاجية في الإسكندرية لأجل غير مسمى، بعد إضراب 550 عاملًا استمر 12 يومًا، ما أغلق المصنع وفتح مواجهة قانونية بشأن الأجور وحق العمال في الاحتجاج.
ويكشف إغلاق الأبواب واستدعاء الأمن بدلًا من التفاوض كيف تواجه الإدارة مطالب الأجر المشروع بمنطق الحصار والتخويف، بينما يتحمل العمال وأسرهم كلفة التعطيل في بلد تلتهم فيه الأسعار الرواتب وتتراجع فيه الحماية الفعلية للعامل.
إغلاق يطوق الإضراب
بدأ العمال إضرابهم احتجاجًا على احتساب علاوة بنسبة 12 بالمئة من الأجر الأساسي بدلًا من الأجر التأميني، مؤكدين أن الصيغة خالفت تعهد الرئيس التنفيذي محمد عبد السلام بضم 7 بالمئة منها إلى الأجر الأساسي.
وبحسب روايات العمال، صدر قرار وقف التشغيل بصورة مفاجئة تحت عنوان الصيانة وجرد المخازن، لكن توقيته بعد 12 يومًا من الإضراب عزز اعتقادهم بأنه عقوبة جماعية تستهدف كسر احتجاجهم وإجبارهم على العودة دون ضمان مطالبهم.
ثم أغلقت الإدارة أبواب الشركة أمام عمال وصلوا إلى مقرها على نفقتهم الخاصة، بعدما أوقفت حافلات نقلهم من مناطق إقامتهم، فتوجه بعضهم إلى قسم شرطة العامرية لتحرير محاضر تثبت منعهم من دخول مكان العمل.
وفي اليوم نفسه، استعد عمال آخرون للتوجه إلى مكتب العمل في الهانوفيل وتقديم شكاوى ضد الشركة، مطالبين بإثبات حضورهم واستعدادهم للعمل، حتى لا تستخدم الإدارة قرار الإغلاق لاحقًا ذريعة لخصم الأجور أو تحميلهم مسؤولية التوقف.
كذلك شهد محيط المصنع انتشارًا أمنيًا مكثفًا ضم قوات شرطة وسيارات للأمن المركزي، رغم تأكيد العمال أنهم لم يهددوا الإدارة ولم تصدر عنهم أعمال عنف، ما اعتبروه محاولة لبث الخوف ومحاصرة تحركهم السلمي.
ومن جانبهم، قال عمال إن مديرين هددوهم مرارًا بإغلاق المصنع إذا استمر الإضراب، مع التلويح بحرمانهم من البدلات وحافز الإنتاج ومقابل الجهد، وهو ما حول الخلاف على العلاوة إلى معركة أوسع بشأن الأمان الوظيفي.
ومع ذلك، تمسك المضربون بموقفهم القائل إن استئناف التشغيل مرتبط بتنفيذ الحقوق المتفق عليها، معتبرين أن إنهاء الاحتجاج دون تسوية مكتوبة سيعيد إنتاج الوعود المؤجلة التي أنهت تحركات سابقة قبل أن تتحول إلى مكاسب مستقرة.
وفيما قصرت الإدارة الحضور أثناء الإغلاق على من تستدعيهم لأعمال الصيانة والجرد، تعهد قرارها بصرف الأجور التي يقرها القانون، وهي صياغة أثارت مخاوف العمال لأنها لم تضمن صراحة استمرار جميع البدلات والحوافز المستحقة.
وتبعًا لذلك، يرى العمال أن وقف النقل ومنع الدخول واستدعاء الأمن حلقات مترابطة للضغط عليهم، لا إجراءات فنية منفصلة، خصوصًا أن الصيانة والجرد كان يمكن تنظيمهما دون إغلاق شامل أو تعطيل الأقسام الإنتاجية لأجل غير محدد.
الأجر حق كامل
أوضح أشرف الشربيني، المستشار القانوني لدار الخدمات النقابية والعمالية، أن المادة 111 من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 تحمي أجر العامل عندما يحضر مستعدًا للعمل وتمنعه أسباب ترجع إلى صاحب العمل.
واستند الشربيني إلى النص الذي يعتبر العامل في هذه الحالة كأنه أدى عمله فعلًا ويستحق أجره كاملًا، بينما لا يستحق سوى نصف الأجر إذا كان توقف العمل ناتجًا عن قوة قهرية خارجة عن إرادة الإدارة.
وبناء على هذا التمييز، أكد أن الصيانة وجرد المخازن الواردين في قرار الشركة لا يمثلان، في تقديره، سببًا قهريًا خارجًا عن إرادة صاحب العمل، ولذلك لا يبرران انتقاص أجور العمال خلال مدة وقف التشغيل.
فضلًا عن ذلك، رأى الشربيني أن تزامن القرار مع الإضراب وصياغته يفرضان فحص احتمال استخدامه للضغط على المحتجين، داعيًا العمال إلى توثيق الملابسات كاملة داخل شكاوى مكتب العمل وإرفاق ما يثبت حضورهم واستعدادهم لمباشرة وظائفهم.
وعلى صعيد الحماية القانونية، يصبح محضر إثبات الحالة وسيلة أساسية لمنع قلب الوقائع ضد العمال، لأنه يسجل أن منع التشغيل جاء من الإدارة، ويضع أمام جهة التحقيق دليلًا على أن العامل لم يتغيب بإرادته.
وفي تفسير أوسع، يؤكد كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، أن النصوص تظل عاجزة عن حماية العمال ما دامت تهديدات الأمن ووقف الرواتب أدوات تستخدم لابتزازهم وإجبارهم على قبول شروط الطرف الأقوى.
بالمقابل، تكشف أزمة العامرية الفجوة بين الحماية المكتوبة والواقع داخل المصانع، إذ يستطيع صاحب العمل تعطيل الإنتاج وتهديد الدخل سريعًا، بينما يحتاج العامل إلى محاضر وشكاوى وإجراءات طويلة فقط لإثبات حق يفترض أن يكون مضمونًا.
لذلك لا يكفي أن ينص القرار على صرف ما يقره القانون، بل يجب تحديد الأجر الكامل ومكوناته ومواعيد السداد، حتى لا تتحول العبارة العامة إلى باب لاستبعاد الحوافز والبدلات ومعاقبة المضربين ماليًا دون قرار صريح.
وعليه، تتمثل الخطوة العاجلة في تدخل مكتب العمل للتحقق من أسباب الإغلاق، وإثبات استعداد العمال للتشغيل، وإلزام الإدارة بعدم الخصم، مع فتح تفاوض جماعي معلن حول العلاوة بعيدًا عن التهديد الأمني أو الضغط على الأفراد.
احتجاجات بلا حلول
تعود الأزمة الحالية إلى سلسلة تحركات عمالية متكررة داخل الشركة، ما يشير إلى أن الخلاف ليس حادثًا عابرًا، بل نتيجة تراكم مطالب الأجور والبدلات والحد الأدنى، إلى جانب فقدان الثقة في تعهدات الإدارة واللجنة النقابية.
ففي أبريل الماضي، أضرب العمال 6 أيام مطالبين بزيادة بدل المخاطر ورفع الرواتب بنسبة 25 بالمئة من الأجر الأساسي أسوة بالمهندسين، وتصحيح مخالفات تطبيق الحد الأدنى، ثم علقوا التحرك بعد تلقي وعود بالتنفيذ.
وبعدها سبقت تلك الجولة حركة احتجاجية في نهاية فبراير، اندلعت بسبب زيادة مفاجئة في استقطاعات الرواتب، واستمرت حتى 3 مارس قبل تعليقها إثر اجتماع مع رئيس الشركة ووعد جديد بدراسة مطالب زيادة الأجور والبدلات.
وخلال عام 2025، نفذ العمال إضرابًا استمر 16 يومًا ضد ما وصفوه بالتلاعب في تطبيق الحد الأدنى للأجور، وانتهى باستقالة الرئيس التنفيذي السابق وتعليق التحرك تحت ضغوط وتهديدات بالفصل وإبلاغ جهات أمنية عن المشاركين.
وفي هذا السياق، يوضح كمال عباس أن علاقات العمل لا تتوازن بمجرد مساواة شكلية بين الإدارة والعامل، لأن الأخير هو الطرف الأضعف اقتصاديًا، ويحتاج إلى تفاوض جماعي وحماية من الفصل والضغط حتى يمارس حقوقه فعليًا.
وسبق لوزير العمل محمد جبران أن أكد أن احتساب العلاوة من الأجر التأميني أفضل للعامل من احتساب نسبة أكبر من الأساسي، لأن الأجر التأميني يرتفع سنويًا ويوفر قاعدة أوسع وأكثر عدالة لحساب الزيادة المستحقة.
أما تمسك عمال العامرية بالأجر التأميني، فيستند بذلك إلى أثر مالي واضح لا إلى خلاف شكلي حول طريقة الحساب، إذ تؤدي القاعدة الأوسع إلى علاوة حقيقية، بينما يقلص احتسابها من الأساسي قيمتها ويحرم الأسر من دخل منتظر.
أخيرًا، يضع استمرار الإغلاق الشركة أمام خيارين واضحين، إما تفاوض جاد ينتهي باتفاق مكتوب يضمن العلاوة والأجور وعودة التشغيل، أو تصعيد يضاعف خسائر الإنتاج ويثبت أن الإدارة فضلت العقاب الجماعي على تسوية مطلب قابل للحل.

