سجلت مبيعات الأدوية عبر الصيدليات في مصر أكثر من 180 مليار جنيه خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، وفق تقديرات شعبة الأدوية، بنمو 10٫5 بالمئة، مدفوعة بزيادة الاستهلاك وارتفاع أسعار المكملات الغذائية.

 

وكشف الرقم عن فاتورة علاجية ثقيلة يتحملها المصريون في ظل تراجع الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما تتحول الحاجة إلى الدواء من حق صحي أصيل إلى عبء يضغط على الأسر ويفرض مفاضلات قاسية بين العلاج والاحتياجات الأساسية.

 

مبيعات تتجاوز الدخول

 

وبحسب علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، ارتفعت المبيعات من 163 مليار جنيه خلال الفترة المقابلة من 2025 إلى أكثر من 180 مليارًا، بما يعكس نموًا يقترب من 10٫5 بالمئة خلال عام واحد.

 

وخلال يوليو وحده، تراوح إنفاق المصريين على الأدوية بين 25 و26 مليار جنيه، وهي قيمة مماثلة تقريبًا للشهر نفسه من العام السابق، بما يشير إلى استقرار نسبي في أسعار المستحضرات الدوائية الخاضعة للرقابة.

 

ويتوقع عوف أن تتجاوز مبيعات الأدوية المباعة عبر الصيدليات 325 مليار جنيه بنهاية 2026، مقابل 292 مليارًا خلال 2025، مسجلة نموًا يتخطى 11 بالمئة، رغم الضغوط المتواصلة على القدرة الشرائية لغالبية المواطنين.

 

لكن ارتفاع قيمة المبيعات لا يعني بالضرورة تحسن وصول المرضى إلى العلاج، إذ قد يعكس زيادة الأسعار أو نمو عدد السكان أو توسع الطلب، بينما تظل كمية العبوات المشتراة وقدرة الأسر على استكمال العلاج مؤشرين أكثر دقة.

 

وعند قراءة الأرقام اجتماعيًا، يظهر أن مليارات السوق ليست مكاسب صحية تلقائية، لأن المريض قد ينفق أكثر للحصول على الكمية نفسها، أو يضطر إلى حذف أصناف من الوصفة وتأجيل العلاج تجنبًا لاستنزاف دخله المحدود.

 

ومن زاوية أخرى، لا تشمل تقديرات الصيدليات بالضرورة كل قنوات البيع المؤسسي والمستشفيات والمناقصات، ما يفسر اختلاف بعض تقديرات حجم السوق، ويجعل تحديد نطاق كل رقم ضروريًا قبل تقديمه باعتباره دليلًا على انتعاش القطاع.

 

وفي المقابل، يظل استقرار أسعار بعض الأدوية خبرًا ناقصًا ما لم يقترن بقياس توافرها وسهولة الحصول عليها، خصوصًا أدوية الأمراض المزمنة، لأن السعر الرسمي يفقد معناه عندما يختفي المستحضر أو يضطر المريض لشراء بديل أغلى.

 

المكملات تقود القفزة

 

وقدّر محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة صيادلة القاهرة، مبيعات المكملات الغذائية خلال الأشهر السبعة الأولى بما يتراوح بين 40 و45 مليار جنيه، لتصبح محركًا رئيسيًا للزيادة المسجلة في القيمة الإجمالية للسوق.

 

وتمثل المكملات، وفق تقديرات رمزي، ما بين 20 و25 بالمئة من إجمالي مبيعات القطاع، وهي حصة ضخمة تكشف انتقالها من منتجات هامشية إلى مكون ثابت في وصفات كثيرة تشمل الفيتامينات ومنتجات المفاصل ومضادات الأكسدة.

 

وبحسب تفسيره، توسعت الشركات المصرية في تصنيع المكملات لأنها لا تخضع للتسعير الجبري المطبق على الأدوية، ما يمنح المنتجين مساحة أوسع لتحريك الأسعار، ويجعل نمو الإيرادات فيها أسرع من المستحضرات التي تراقب هيئة الدواء أسعارها.

 

ولفت رمزي إلى أن أسعار بعض المكملات ارتفعت بنسب تصل إلى 40 بالمئة منذ بداية العام، ضاربًا مثالًا بمنتج شائع صعد سعره من نحو 210 جنيهات إلى 360 جنيهًا خلال أشهر قليلة.

 

وتفسر هذه الزيادات جانبًا معتبرًا من نمو المبيعات، إذ لا يعني صعود القيمة أن المصريين يشترون منتجات أكثر، بل قد يعني دفعهم مبالغ أكبر للحصول على الاحتياجات نفسها تحت تأثير الوصفات الطبية والدعاية واتساع ثقافة المكملات.

 

غير أن إدراج المكملات بكثافة في الوصفات يفتح بابًا ضروريًا لمراجعة الحاجة الطبية الفعلية إليها، خاصة عندما يصبح المريض غير قادر على التمييز بين العلاج الضروري والمنتج الاختياري الذي يمكن الاستغناء عنه أو استبداله غذائيًا.

 

وبينما تخضع الأدوية لتسعير جبري يوازن نظريًا بين تكلفة الصناعة وقدرة المريض، تتحرك أسعار المكملات بمرونة أكبر، وهو تفاوت يسمح بتضخم الفاتورة بعيدًا عن حماية كافية للمستهلك ويمنح الاعتبارات التجارية مساحة تتجاوز الأولوية العلاجية.

 

ومن ثم، تحتاج السوق إلى قواعد أوضح للإعلان عن المكملات ووصفها وتسعيرها، مع إلزام الأطباء والصيادلة بتوضيح ما إذا كان المنتج أساسيًا للعلاج، حتى لا تتحول ثقة المريض في الوصفة إلى بوابة لاستنزافه ماليًا.

 

العلاج تحت ضغط الغلاء

 

أما قائمة المجموعات الأعلى مبيعًا، فتصدرتها المسكنات وأدوية الجهاز الهضمي وقرحة المعدة وارتجاع المريء، إلى جانب علاجات الجلطات والمضادات الحيوية، بما يعكس انتشار الأمراض المزمنة واتساع الاعتماد على العلاج الذاتي في المجتمع.

 

وحذر محفوظ رمزي من استمرار الإفراط في استخدام المضادات الحيوية ببعض المناطق، خصوصًا صعيد مصر، وهي ممارسة لا تزيد الإنفاق فقط، بل ترفع خطر مقاومة الميكروبات وتضعف فاعلية العلاجات المتاحة عند الإصابة بعدوى حقيقية.

 

كذلك ربط رمزي نمو الاستهلاك بالزيادة الطبيعية في عدد السكان واتساع نشاط السياحة العلاجية، بعدما استقبلت مصر مرضى عربًا وأفارقة يستفيدون من انخفاض تكلفة العلاج مقارنة بدول أخرى، ما أضاف طلبًا جديدًا إلى السوق المحلية.

 

ويربط مشروع التسعير الجديد أسعار الأدوية بعدة متغيرات، تشمل سعر الدولار والتضخم والفائدة وتكاليف الإنتاج، ويقول رمزي إن المرونة المرتقبة قد تمنع القفزات المفاجئة، لكنها تظل مرهونة برقابة فعالة تمنع تحميل المرضى كل زيادة.

 

وفي شأن الصناعة، أكد محمد الهم، رئيس شعبة الصيادلة بالغرفة التجارية بالجيزة، أن المصانع المصرية تنتج نحو 4 مليارات عبوة سنويًا، بينما تبلغ قيمة الصادرات قرابة 1٫5 مليار دولار إلى أسواق خارجية متعددة.

 

ويؤكد الهم أن مصر تحتل موقعًا متقدمًا بين أسواق الدواء إقليميًا وعالميًا، مستندة إلى قاعدة تصنيع واسعة، غير أن هذه القوة الإنتاجية يجب أن تنعكس أولًا على توافر العلاج محليًا بأسعار تناسب دخول المواطنين.

 

ومن جهته، يرى علي عوف أن استقرار سعر الصرف وتوافر مخزون من المواد الخام ساهما في تهدئة سوق الدواء، لكن استمرار الاستقرار يظل مرتبطًا بتكاليف الاستيراد والشحن وقدرة المصانع على تمويل دورات الإنتاج دون تعطيل.

 

ومع ذلك، فإن الاحتفاء بأرقام المبيعات وحدها يحجب السؤال الأهم حول نصيب الفرد الفعلي من العلاج، ونسب التخلي عن الوصفات، وحجم الديون الأسرية المرتبطة بالمرض، ومدى وصول الأدوية الأساسية إلى القرى والمناطق الأفقر.

 

وبناء على ذلك، تصبح حماية المريض مرهونة بنشر بيانات تفصل بين زيادة الأسعار وزيادة الكميات، وضبط سوق المكملات، ومراقبة الوصفات، وتوسيع التغطية الصحية، لأن نمو القطاع لا يكتمل إذا تحقق على حساب أسرة تؤجل علاجها.