يدفع توسع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة في زراعة بنجر السكر إلى إعادة رسم خريطة الإنتاج والتوريد، بعدما رفع مساحاته المزروعة إلى نحو 136 ألف فدان، بزيادة بلغت 36 بالمئة عن الموسم السابق.
وتضع هذه الزيادة سوق البنجر أمام معادلة أكثر تعقيدًا، إذ يستهدف الجهاز بحسب مصادر مطلعة السيطرة على زراعة البنجر عبر انتاج 600 ألف طن سنويًا، بينما يخشى المزارعون تراجع فرصهم في التوريد للمصانع الحكومية.
توسع يضغط سوق التوريد
وفي قلب الأزمة، يبرز تفوق الجهاز في النقل والتجميع وسرعة التوريد بوصفه عاملًا يمنحه أولوية عملية أمام المصانع، مقارنة بصغار المزارعين الذين يواجهون تكاليف نقل وتكدس وتأخرًا محتملًا في الاستلام.
ومن جهته، يرى مصدر مطلع على ملف تسويق بنجر السكر أن هذه الأفضلية اللوجستية قد تدفع المزارعين التقليديين إلى الابتعاد عن المحصول، إذا شعروا أن السوق بات يميل نحو المورد الأكبر والأكثر قدرة.
وبينما عانى المنتجون خلال الفترة الماضية من تأخر تحصيل أثمان المحاصيل بسبب تعثر التحويلات المالية للمصانع التابعة للقطاع العام، يدخل الجهاز الموسم بقدرة أكبر على تحمل دورات السداد وتأمين التدفقات اللازمة.
وفي المقابل، يظل المزارع الفرد الحلقة الأكثر تعرضًا للضغط، لأنه يتحمل تكلفة الزراعة والري والنقل وينتظر السداد، بينما أي تأخير طويل قد يحول محصولًا يفترض أن يحقق عائدًا إلى عبء مالي متراكم.
وعلاوة على ذلك، لا تتوقف المخاوف عند مسألة الأسعار، بل تمتد إلى ترتيب أولوية الاستلام داخل المصانع، إذ تمنح الشحنات المنظمة والطازجة ميزة واضحة في بيئة إنتاج ترتبط فيها الجودة بسرعة النقل والتصنيع.
ومن ثم، يرى المصدر المطلع أن استمرار هذا الوضع من دون ضمانات عادلة للتوريد والسداد قد يدفع بعض المنتجين إلى محاصيل بديلة، بما يهدد استقرار قاعدة الموردين التي تعتمد عليها صناعة السكر خارج المشروعات الكبرى.
كذلك يثير اتساع الفارق بين قدرات الجهاز والمزارعين سؤالًا حول شكل المنافسة داخل سوق زراعي يفترض أن يستوعب المنتج الكبير والصغير معًا، لا أن يدفع الأضعف إلى الانسحاب بسبب اختلال أدوات التفاوض.
وبالتالي، فإن زيادة المساحات التابعة للجهاز لا تمثل مجرد توسع زراعي، بل تحمل أثرًا مباشرًا على موازين التسويق، وتفرض على المصانع والجهات المعنية معالجة ملف المستحقات قبل أن يتحول إلى سبب للعزوف.
فجوة السكر تعيد ترتيب الأولويات
أما على مستوى الإنتاج، فتبدأ زراعة بنجر السكر من أواخر أغسطس وحتى ديسمبر، وهو محصول يحظى بأهمية متزايدة باعتباره أقل استهلاكًا للمياه من القصب وقادرًا على دعم احتياجات السوق المحلية.
وفي هذا السياق، تشير التقديرات الواردة إلى أن أراضي الجهاز قد تنتج نحو 600 ألف طن من السكر خلال العام الحالي، وهو حجم يوازي تقريبًا الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك السنوي.
وبحسب الأرقام نفسها، يبلغ الإنتاج المحلي نحو 2.9 مليون طن مقابل استهلاك يصل إلى 3.5 مليون طن، ما يعني أن السوق يحتاج سنويًا إلى نحو 600 ألف طن إضافية لتغطية الطلب.
ومع ذلك، فإن سد الفجوة حسابيًا لا ينهي الأسئلة المرتبطة ببنية السوق، لأن رفع الإنتاج داخل جهة واحدة قد يحقق وفرة في الكميات، لكنه لا يضمن وحده استقرار أوضاع المزارعين الآخرين.
ومن جهته، يعتبر المصدر المطلع على ملف التسويق أن نجاح زيادة الإنتاج ينبغي ألا يتحول إلى باب لتضييق فرص التوريد أمام المنتجين التقليديين، لأن استدامة المنظومة تعتمد على تعدد الموردين لا حصرهم.
وفي المقابل، يستحوذ إنتاج الجهاز وفق التقديرات المذكورة على نحو 20 بالمئة من الإنتاج المحلي، وهي نسبة تمنحه وزنًا كبيرًا في السوق، خصوصًا مع قدرته على التوسع السريع وإدارة النقل والتخزين بكفاءة أعلى.
وعلى هذا الأساس، يصبح التأثير الحقيقي للتوسع مرتبطًا بالطريقة التي ستدار بها العلاقة بين المصانع والموردين، وبمدى قدرة السياسات الزراعية على حماية المزارع من التأخر في السداد أو التهميش التسويقي.
ومن ناحية أخرى، تخطط وزارة الزراعة لرفع المساحات المزروعة بالبنجر في الأراضي القديمة إلى نحو 150 ألف فدان، ما يعني أن الإنتاج سيشهد منافسة أوسع على التوريد والقدرات التصنيعية في الموسم نفسه.
ولهذا، قد تصبح زيادة المساحات بلا توسع مواز في كفاءة المصانع وسرعة الاستلام والسداد سببًا في تكدس المحصول أو إضعاف الأسعار التفاوضية للمزارعين، حتى لو بدا المشهد العام إيجابيًا من حيث الكميات.
الأسعار ترتفع والمخاطر تتسع
وفي الأسواق، ارتفع سعر طن السكر بنحو خمسة آلاف جنيه خلال شهر واحد، وسط تراجع في المعروض ربطه النص بقرارات سابقة سمحت بتصدير السلع إلى الخارج، ما زاد الضغوط على السوق المحلية.
ومن ثم، تبدو المفارقة واضحة بين توسع كبير في زراعة البنجر وبين استمرار ارتفاع الأسعار، وهو ما يضع السياسات المنظمة للإنتاج والتسويق والتصدير أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تحويل الزيادة إلى استقرار فعلي.
ومن جهته، يرى المصدر المطلع أن معالجة الفجوة لا ينبغي أن تعتمد فقط على تعظيم إنتاج جهة واحدة، بل على ضمان دورة مستقرة تبدأ من المزارع وتنتهي بالمصنع والسوق دون تعطيل للمستحقات.
وبالتوازي، اتسعت صلاحيات جهاز مستقبل مصر منذ عام 2022 لتشمل استيراد سلع استراتيجية مثل القمح، وإدارة البورصة السلعية والبحيرات واستلام المحاصيل المحلية، إلى جانب توسعه المباشر في مشروعات الاستصلاح والإنتاج الزراعي.
وفي ضوء هذه الصلاحيات، يتحول الجهاز من منتج زراعي كبير إلى لاعب واسع الحضور في أكثر من حلقة من حلقات الأمن الغذائي، وهو ما يرفع أهمية وجود قواعد واضحة للتعامل مع الموردين والمصانع.
وفي المقابل، يبقى المزارع التقليدي مطالبًا بخوض موسم مرتفع التكلفة داخل سوق يتحرك فيه كيان يمتلك الأرض والتمويل والنقل والتخزين والقدرة على التوريد السريع، بينما لا يملك هو الأدوات نفسها.
وعلاوة على ذلك، فإن تأخر المستحقات يضاعف أثر المنافسة، لأن المنتج الصغير لا يستطيع انتظار دورة مالية طويلة بعد دفع تكاليف الزراعة، بينما يستطيع الكيان الأكبر امتصاص التأخير بصورة أقل قسوة.
ومن هنا، يضع المصدر المطلع استمرار تأخير المدفوعات في مقدمة المخاطر التي قد تدفع المزارعين إلى التخلي عن البنجر، حتى مع زيادة الطلب المحلي وارتفاع أهمية المحصول في تقليص الاستيراد.
وبالتالي، فإن نجاح خطة زيادة إنتاج السكر لن يقاس فقط بعدد الأفدنة أو الأطنان، بل أيضًا بقدرة المنظومة على منع احتكار فرص التوريد وضمان سرعة السداد وتوزيع الفرص بين مختلف المنتجين.
وفي النهاية، يظل سد فجوة السكر هدفًا اقتصاديًا مهمًا، لكن طريقة الوصول إليه ستحدد ما إذا كان التوسع سيقوي منظومة الإنتاج بأكملها، أم سيعيد توزيع النفوذ داخلها على حساب المزارعين الأقل قدرة.

