يضع قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي المصريين أمام معادلة مألوفة..اضطراب عالمي يرفع تكلفة النفط، وموازنة لا تتحمل الفارق، ثم سؤال يسبق أي إعلان رسمي عن مصير أسعار البنزين والسولار.
ويعيد حديثه أمام طلبة الأكاديمية العسكرية عن وصول البرميل إلى 105 أو 110 دولارات فتح ملف زيادة الوقود، بعدما قارن السعر الجاري بتقدير أقل بُنيت عليه الموازنة، ووصف الفارق بالعبء الكبير.
السيسي يعرض الفجوة ويمهد للقرار
ففي اللقاء الذي جمعه بأعضاء الحكومة والمحافظين ومسؤولين آخرين، قال السيسي إن استقرار المضايق قد يخفض سعر البرميل إلى ما بين 75 و80 دولارًا، بينما تتجاوز الأسعار الحالية ذلك المستوى.
وبينما تحدث عن موازنة أُعدت على أساس 65 إلى 70 دولارًا للبرميل، لم يطرح إجراءً لحماية المستهلك من انتقال الفارق إلى أسعار المحروقات، رغم حديثه المفصل عن ثقله على الدولة.
وهنا يقرأ الخبير د. مراد علي ترتيب الرسائل باعتباره تمهيدًا سياسيًا، ويقول: «حين يعلن السيسي فجوة السعر أمام هذا الحضور الواسع، فإنه يهيئ الناس لتقبل زيادة الوقود قبل صدور قرارها».
ولم يقتصر العرض على النفط، إذ أشار السيسي إلى ارتفاع تكلفة السلع الأساسية بنحو 40% أو أكثر، وربط الأمر بالممرات البحرية المضطربة والتأمين والشحن وتراجع تدفق الواردات.
لكن إدراج الغلاء القائم ضمن سردية الأزمات الخارجية يثير سؤالًا عن الخطوة التالية: هل تُستخدم الأسباب نفسها لتبرير جولة جديدة من ارتفاع البنزين والسولار، ثم زيادة كلفة النقل والسلع؟
وفوق ذلك، فإن حديثه عن احتمال صعود البرميل إلى مستوى أعلى إذا ساءت الأوضاع يضع المستهلك أمام توقع مفتوح للأسوأ، من دون سقف معلن لما يمكن تحميله من أعباء.
ويضيف مراد: «السيسي لا يعلن سعرًا جديدًا الآن، لكنه يبني المبرر الذي ستستند إليه الزيادة: برميل أغلى، وفاتورة استيراد أكبر، وخزانة مثقلة بالفارق»، قبل ظهور أي قرار رسمي.
وفي مقابل الحديث عن ضغوط الموازنة، لا تظهر في الخطاب أرقام توضح حجم الواردات النفطية أو بدائل تمويل الفجوة أو مقدار ما قد تتحمله الدولة قبل نقلها إلى جيوب المصريين.
وبذلك يصبح عرض الفارق بين السعرين نصف الحكاية فقط؛ أما نصفها الآخر فهو تحديد الجهة التي ستدفعه، وما إذا كانت الحكومة قد درست وسائل تمنع تحميله كاملًا للمستهلك.
فاتورة الدولة على جيوب المصريين
وعندما يرتفع النفط عالميًا، تزيد تكلفة الاستيراد بالفعل، لكن طريقة توزيع العبء قرار محلي؛ فالسعر العالمي لا يحدد وحده نصيب الأسرة المصرية من فاتورة الأزمة.
ومن هنا يحذر الخبير الاقتصادي ممدوح الولي من القفز ومن وصف الضغوط إلى فرض زيادة، قائلًا: «حديث السيسي عن فارق الموازنة يمهد لتحميل المواطن كلفة لم يوضح كيف ستتحملها الحكومة أولًا».
ويكتسب هذا التحذير وزنه لأن السولار يدخل في نقل الركاب والبضائع وتشغيل أنشطة واسعة؛ فأي زيادة فيه تتجاوز محطة الوقود وتجد طريقها سريعًا إلى الأسواق.
كما تتأثر أجور الانتقال اليومية بارتفاع البنزين، خصوصًا لدى العاملين الذين تعتمد أرزاقهم على المركبات، بينما ترتفع تكلفة توصيل السلع قبل أن تصل إلى يد المشتري.
وبدل الاكتفاء بمقارنة 110 دولارات بالسعر المدرج في الموازنة، يحتاج الجمهور إلى حساب منشور يبين مدة استمرار الارتفاع، وكميات الاستيراد الفعلية، وأثر أي تعديل على كل منتج.
وفي تقدير الولي: «السيسي يشرح خسارة الخزانة بالتفصيل، لكن الغائب هو خسارة الأسر إذا رفعت الحكومة البنزين والسولار؛ تلك الفاتورة لا يجوز شطبها من الحساب».
وعلاوة على ذلك، فإن أسعار الوقود المحلية ليست مرآة يومية لحركة النفط؛ إذ تتداخل معها تكلفة التكرير والنقل وسعر الصرف والضرائب وقرارات الدعم، بما يستدعي تفصيلًا واضحًا.
لذلك يصبح تصوير الزيادة بوصفها نتيجة تلقائية لصعود البرميل تبسيطًا مخلًا؛ فالسلطة تملك اختيار توقيت القرار ونسبته، وتملك أيضًا البحث عن وسائل تخفف أثره داخل سوق مثقلة بالغلاء.
وكذلك لا يبرر صعود النفط إخفاء البدائل المتاحة عن الناس؛ فإذا كانت الموازنة تواجه ضغطًا حقيقيًا، فمن حق المصريين معرفة حجم الوفر المطلوب قبل مطالبتهم بدفعه عند المحطات.
هل تتحول التحذيرات إلى زيادة
وبينما يؤكد السيسي أن الحروب تُدمر القدرات وتُبطئ الاستثمار، يظل المواطن معنيًا بما سيحدث لفاتورة معيشته غدًا، لا بمجرد سرد المخاطر التي يعرف آثارها بالفعل.
وفي هذا السياق، يرى وائل النحاس أن خطاب السيسي يسبق القرار الاقتصادي برسالة اجتماعية، قائلًا: «التوسع في وصف الخطر الخارجي يمهد نفسيًا لزيادة الوقود ويصورها كأنها بلا بديل».
ومع أن اضطراب البحر الأسود قد يرفع تكلفة الحبوب والزيوت، فإن جمع أزمة الغذاء والنفط في خطاب واحد يضاعف القلق من موجة غلاء أوسع إذا تحركت أسعار المحروقات.
كما أن ارتفاع التأمين والشحن الذي تحدث عنه السيسي يصل أصلًا إلى أسعار سلع مستوردة، ما يجعل زيادة الوقود المحلية عبئًا إضافيًا فوق كلفة دفعها الناس بالفعل.
ويقول النحاس: «إذا استُخدم كلام السيسي لتبرير زيادة جديدة، فسيدفع المصريون ثمن الاضطراب مرتين؛ مرة في الواردات ومرة في النقل والسلع المحلية»، بعدما أرهقت الزيادات السابقة دخولهم.
وعند أي مراجعة لأسعار المنتجات البترولية، ينبغي الفصل بين توقع زيادة محتملة وصدور قرار فعلي؛ فالكلام الذي يهيئ الرأي العام لا يغير الأسعار وحده.
لكن عدم إعلان القرار لا يلغي مغزى توقيت التصريحات؛ إذ وضع السيسي فجوة النفط في مقدمة الحديث، ثم وسع أثرها إلى الاستثمار والسلع وتوافرها، أمام حضور حكومي كامل.
وفي المقابل، لم تتضمن الرسالة تعهدًا بحماية السولار من الارتفاع أو تعويض الفئات التي ستتأثر أولًا، كما لم تحدد المدة التي ستتحمل فيها الموازنة فرق السعر.
ولهذا يبقى الاختبار الحقيقي في القرار المقبل.. هل تُعلن الحكومة حسابات مفصلة وتتحمل نصيبًا واضحًا من الفارق، أم تستعمل خطاب الأزمة لإضافة زيادة جديدة إلى فواتير الناس؟
وفي النهاية، لا يملك السيسي إرجاع المضايق إلى الاستقرار بخطاب، لكنه يملك توضيح خيارات حكومته؛ أما الاكتفاء بعرض الخسائر، فيجعل المصريين يترقبون زيادة الوقود التالية.

