أعلن مركز الشهاب لحقوق الإنسان وفاة المهندس معاذ عبد السلام شعيب داخل أحد أماكن الاحتجاز المصرية، بعد نحو 4 أعوام من الحبس، مطالبا بتحقيق مستقل إثر تدهور حالته السرطانية وعدم تمكينه من الجراحة.
وتضع الوفاة سلطة تحتجز الإنسان ثم تتحكم في وصوله إلى الطبيب أمام مسؤولية لا تحجبها الأسوار، إذ يتحول المرض من ابتلاء قابل للعلاج إلى عقوبة إضافية تفرضها منظومة تغلق أبوابها أمام الأسرة والرقابة.
وبحسب بيان المركز، عانى شعيب مرض السرطان قرابة عامين، واحتاج إلى تدخل جراحي عاجل، بينما قالت أسرته إن مطالباتها بإخلاء سبيله للعلاج أو توفير الرعاية الملائمة لم تلق استجابة تمنع التدهور.
في المقابل، لم يتوفر حتى وقت إعداد التقرير بيان رسمي تفصيلي يحدد مكان الوفاة وسببها المباشر والفحوص التي أُجريت، أو يوضح لماذا لم تنفذ الجراحة التي قالت الأسرة إن الأطباء قرروها.
وفوق ذلك، لا تسمح المعلومات المنشورة بتحديد التسلسل الطبي الكامل بصورة مستقلة، ما يجعل إتاحة الملف الصحي وتقارير المستشفى وأوامر النقل ضرورة للتحقق، وليس مجرد مطلب عاطفي تقدمه أسرة فقدت أحد أبنائها.
وعلى الرغم من غياب الرواية الرسمية، فإن وفاة محتجز مصاب بمرض خطير تفرض على النيابة واجب فحص علاقة ظروف الاحتجاز وتأخر العلاج بالنتيجة، وتحديد المسؤوليات الإدارية والطبية من خلال أدلة قابلة للمراجعة.
مرض ينتظر خلف القضبان
ويرى المحامي الحقوقي هيثم محمدين أن الحالات الصحية الخطيرة داخل السجون تحتاج غالبا إلى مستشفيات جامعية تملك الأطباء المتخصصين والأجهزة المناسبة، بينما يظل وصول المحتجزين إليها شديد الصعوبة مهما بلغت خطورة حالتهم.
وانطلاقا من هذا التقييم، لا يكفي إثبات مرور طبيب على الزنزانة أو صرف مسكنات، لأن علاج السرطان يتطلب تشخيصا دوريا وفحوصا متخصصة وقرارا سريعا بشأن الجراحة، ثم متابعة دقيقة لا توفرها عيادة محدودة.
وبالتالي، يصبح السؤال الأساسي هو موعد اكتشاف المرض، والجهة التي أوصت بالجراحة، ومن امتلك سلطة الموافقة على نقله، وما إذا كان التأخير قرارا طبيا موثقا أم تعطيلا إداريا عرض حياته للخطر.
كما أن المسؤولية لا تقع على طبيب السجن وحده، بل تمتد إلى إدارة مكان الاحتجاز وقطاع الحماية المجتمعية والنيابة المختصة، لأن كل جهة تملك صلاحية كان يمكن استخدامها لتأمين العلاج أو الإفراج الصحي.
لذلك، طالب مركز الشهاب بإتاحة الملف الطبي الكامل، بما يشمل نتائج الأشعة والتحاليل وتوصيات الأطباء وطلبات النقل وقرارات الإدارة، حتى يمكن لخبراء مستقلين تحديد ما إذا كان التدخل المناسب قد تأخر دون مبرر.
ومن ثم، يجب أن يشمل التحقيق سماع الأسرة والمحامين والأطباء الذين تابعوا شعيب، وفحص الشكاوى السابقة وتواريخ تقديمها والردود عليها، بدل اختزال الوفاة في شهادة طبية نهائية لا تكشف مسار التدهور أو فرص الإنقاذ.
غير أن أي تحقيق تديره الجهات المتهمة بالتقصير وحدها سيظل ناقص الثقة، ما لم يسمح لطبيب شرعي مستقل بمراجعة الجثمان والسجلات، ويعلن للرأي العام خلاصة واضحة تميز بين مضاعفات المرض وآثار تأخر العلاج.
رقابة لا تصل للزنازين
وطالب الحقوقي أحمد مفرح سابقا بتشكيل لجنة تقصي حقائق مستقلة تضم منظمات محايدة، وتملك حق الزيارة المفاجئة ومقابلة السجناء دون رقابة، مؤكدا أن غياب المحاسبة يسمح باستمرار الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.
وعلاوة على ذلك، لا تؤدي الزيارات المعلنة غرضها إذا اختارت الإدارة الزنازين التي تُفتح والأشخاص الذين يُقابلون، بينما تبقى السجلات الطبية وشكاوى المرضى وقرارات النقل بعيدة عن رقابة المجتمع والجهات المستقلة.
وبناء على ذلك، يطالب المركز بتمكين هيئات حقوقية وطبية مستقلة من زيارة أماكن الاحتجاز وتقييم بيئتها الصحية، لأن الرقابة الفعلية تبدأ من فحص الأدوية والعيادات وأزمنة الاستجابة، لا من الصور والبيانات الرسمية.
في الوقت نفسه، ينبغي للنيابة العامة أن تعلن عدد زيارات التفتيش ونتائجها والمخالفات المكتشفة والإحالات التي تمت، إذ لا يمكن قياس جدية الرقابة عبر عبارات عامة تؤكد سلامة الأوضاع دون بيانات قابلة للفحص.
وعندئذ، يمكن التحقق مما إذا كانت شكاوى أسرة شعيب وصلت إلى الجهات المختصة، ومن تولى فحصها، ولماذا لم تؤد إلى نقله أو الإفراج عنه صحيا، ومن كان يملك القرار في كل مرحلة.
لهذا، لا يكفي فتح تحقيق بعد الوفاة، لأن وظيفة الرقابة الأساسية منع الوصول إليها، عبر نظام إنذار يفرض مراجعة عاجلة للحالات السرطانية والقلبية والكلوية، ويحدد مهلة ملزمة للاستجابة إلى توصيات الأطباء المتخصصين.
أما استمرار حجب المعلومات، فيضعف أي نفي رسمي محتمل للإهمال، فالدولة القادرة على توثيق الرعاية تستطيع نشر تسلسلها الزمني مع احترام الخصوصية، وإظهار مواعيد الفحوص والعلاج والجراحة وأسباب كل قرار اتخذته.
العلاج حق لا منحة
وأكدت الحقوقية سمر الحسيني أن الرعاية الصحية للمحتجز لا تعني نقله مؤقتا إلى المستشفى ثم إعادته قبل التعافي، بل تقتضي استمرار علاجه ونقاهته كاملة، مع توفير متابعة تناسب حالته داخل مكان الاحتجاز.
وبالمثل، تنص قواعد نيلسون مانديلا على مسؤولية الدولة عن توفير رعاية صحية للسجناء بالمستوى المتاح للمجتمع، وضمان سرعة الوصول إلى الحالات العاجلة ونقل من يحتاجون علاجا متخصصا إلى مؤسسات صحية مناسبة.
إضافة إلى ذلك، تحمي المادة 6 من العهد الدولي الحق في الحياة، وتلزم المادة 10 بمعاملة المحرومين من حريتهم بإنسانية، بينما تكفل المادة 9 الحق في الحرية والسلامة الشخصية دون تعسف.
ورغم تغيير أسماء السجون إلى مراكز إصلاح وتأهيل، تبقى القيمة الحقيقية في قدرة المريض على الوصول إلى طبيب مستقل ومستشفى مجهز، لا في اللافتات الجديدة أو المنشآت التي لا تخضع لرقابة شفافة.
وعلى صعيد المساءلة، يتطلب التحقيق تحديد المسؤولية الفردية لا الاكتفاء بعبارة خطأ إداري، لأن تأخير الجراحة يمر عبر طلبات وتوقيعات وقرارات يمكن تتبعها، ويجب محاسبة من أهملها إذا ثبت التقصير.
إلى جانب ذلك، ينبغي مراجعة جميع المحتجزين المصابين بأمراض خطيرة وتفعيل الإفراج الصحي عند تعذر العلاج الملائم داخل السجن، فانتظار حالة وفاة جديدة قبل التحرك يعني قبول الخطر بدلا من منعه.
وفي المحصلة، تضع وفاة معاذ شعيب السلطات أمام مطالب محددة، هي نشر سجله الطبي، وإجراء تحقيق مستقل، وحماية أسرته والشهود، وتمكين الرقابة المفاجئة، وإنقاذ المرضى الحاليين قبل أن تتحول أسماؤهم إلى بيانات تعزية جديدة.

