أعلن البنك المركزي المصري في القاهرة ارتفاع عجز الحساب الجاري إلى نحو 14.6 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025-2026، مقابل 13.2 مليار دولار قبل عام، كاشفا اتساع فجوة النقد الأجنبي.
وكشفت الأرقام أن السلطة التي تروّج للاستقرار ما زالت تنقل كلفة اختلالاتها إلى المواطنين عبر الغلاء وخفض قيمة الجنيه وزيادات الوقود، بينما تتوسع الديون ويضيق الإنفاق الاجتماعي وتبقى الأولويات الاقتصادية بعيدة عن احتياجات الناس.
نزيف التجارة الخارجية
وبالتالي ارتفع العجز بنحو 1.4 مليار دولار، أي قرابة 10.6 بالمئة، رغم تحسن التحويلات والسياحة وإيرادات قناة السويس، ما يعني أن تدفقات النقد الأجنبي لم تعد تكفي لمواجهة شهية الاستيراد المتضخمة.
كما أن العجز المسجل بين يناير ومارس وحده بلغ 5.1 مليار دولار، مقابل 2.3 مليار دولار في الفترة نفسها من 2025، وهو أكثر من الضعف ويكشف تسارعا خطيرا في النزيف الخارجي خلال ثلاثة أشهر.
ولزيادة وضوح الصورة، كان العجز قد سجل 9.5 مليار دولار في النصف الأول، ثم قفز إلى 14.6 مليار بنهاية مارس، بما يثبت أن الربع الثالث بدد الرواية الرسمية عن تحسن مستدام في الحسابات الخارجية.
لذلك أرجع البنك المركزي التدهور أساسا إلى اتساع عجز تجارة السلع، وهو اعتراف بأن نموذج الاقتصاد القائم على الاستيراد والإنفاق غير المنتج يلتهم حصيلة العملة الصعبة مهما ارتفعت التحويلات أو انتعشت السياحة.
ومن ثم ارتفعت واردات النفط خلال الربع الثالث إلى 5.7 مليار دولار من 4.8 مليار، بينما زادت الصادرات النفطية إلى 1.6 مليار فقط، لتظل الفجوة واسعة وتتحول الطاقة إلى قناة مستمرة لاستنزاف الاحتياطي.
غير أن المشكلة لا تقتصر على النفط، فضعف الإنتاج المحلي وارتفاع المكون المستورد في الصناعة والغذاء يجعلان كل اضطراب في الأسعار العالمية أو سعر الصرف صدمة مباشرة للمصانع والأسواق وميزانية الأسرة المصرية.
علاوة على ذلك، حذرت نعمت الله شكري رئيسة البحوث في شركة إتش سي للأوراق المالية من أن ارتفاع التكاليف قد يضاعف فاتورة دعم المواد البترولية، بما يضغط على الموازنة ويفتح باب زيادات جديدة.
وبناء على ذلك، تبدو الحكومة عالقة بين تمويل واردات الطاقة وبين تحميل المواطنين فرق التكلفة، بينما لا يقدم المسار القائم خطة جادة لتوسيع الإنتاج أو تقليل الاعتماد على الخارج أو حماية الفئات الأضعف.
دولارات هشة ومؤقتة
وفي المقابل ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الربع الثالث إلى 12.8 مليار دولار من 9.3 مليار، لكنها بدلا من بناء قاعدة إنتاجية أصبحت وسادة إنقاذ مؤقتة تعوض عجز السياسات ولا تعالج أسبابه.
وعلى الجانب الآخر زادت إيرادات السياحة إلى 4.2 مليار دولار من 3.8 مليار، وصعدت إيرادات قناة السويس إلى مليار دولار من 800 مليون، ومع ذلك واصل الحساب الجاري الغرق تحت ضغط التجارة.
وإلى جانب ذلك، تراجع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 3.7 مليار دولار من 3.8 مليار خلال الربع الثالث، وهي إشارة إلى أن الأموال طويلة الأجل لا تزال أقل من احتياجات اقتصاد يستهلك الدولار بسرعة.
وفي السياق نفسه، يوضح هذا التراجع أن الحديث الرسمي عن جذب الاستثمارات لا يكفي، لأن المستثمر يحتاج منافسة عادلة وقواعد مستقرة وسوقا مفتوحة، لا اقتصادا تتسع فيه هيمنة الدولة وتتقلص مساحة القطاع الخاص.
ومع ذلك، يرى الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح أن صافي الأصول الأجنبية والاحتياطيات يمنحان مصر قدرة أولية على امتصاص الصدمة، لكنه حذر من أن استمرار الصراع قد يرفع التضخم ويدفع الجنيه فوق 55 للدولار.
وفوق ذلك، فإن الاعتماد على التحويلات والسياحة ورسوم القناة يترك الاقتصاد رهينة أحداث لا تتحكم فيها القاهرة، من الحروب الإقليمية إلى حركة الملاحة وأسعار الطاقة وأوضاع العمالة المصرية في دول الخليج.
ومن ناحية أخرى، تكشف هذه التحذيرات أن الاحتياطي ليس دليلا كافيا على القوة، إذ يمكن للأموال الساخنة أن تغادر سريعا، بينما تحتاج الواردات الأساسية وخدمة الدين إلى تدفقات مستمرة لا إلى أرصدة دعائية.
واستنادا إلى ذلك، يصبح المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الدولار، لأن أي نقص في التمويل الخارجي ينعكس على سعر الجنيه وتكاليف الغذاء والدواء والنقل، بينما تظل الأجور عاجزة عن ملاحقة موجات الأسعار.
الصندوق يشتري الوقت
وهكذا جاء الاتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد الدولي ليتيح نحو 1.6 مليار دولار بعد موافقة المجلس التنفيذي، منها 1.5 مليار عبر التسهيل الممدد و136 مليونا عبر تسهيل الصلابة والاستدامة.
وبحسب الخبير الاقتصادي محمد فؤاد، بدأت تكاليف الشحن والتأمين الأعلى تعرقل الصادرات، محذرا من أن طول الأزمة قد يغذي خروج الأموال وتراجع ثقة المستثمرين، بما يجعل تمويل الصندوق مجرد شراء لمزيد من الوقت.
وفي ضوء ذلك، لا تمثل التمويلات الجديدة حلا للعجز بقدر ما تمنح الحكومة مهلة إضافية لسداد الالتزامات وتغطية الفجوات، بينما يبقى الاقتصاد بحاجة إلى صادرات إنتاجية واستثمار صناعي وتخفيض حقيقي لواردات الرفاهية.
ورغم ذلك، أشاد الصندوق بالإجراءات الرسمية وطالب بمواصلة تشديد السياسة النقدية ومرونة سعر الصرف وتسريع بيع أصول الدولة، وهي وصفة تعني عمليا مزيدا من الضغط على الأسعار والخدمات والملكية العامة.
وبالتوازي، أعلن الصندوق أن إجمالي ما قد تحصل عليه مصر بعد الموافقة سيصل إلى نحو 7.2 مليار دولار ضمن الترتيبات القائمة، ما يكشف حجم الارتهان المتزايد للمراجعات والشروط والدفعات المؤجلة.
والأخطر أن الحكومة تقدم كل دفعة جديدة باعتبارها شهادة ثقة، بينما هي في حقيقتها مؤشر على استمرار الحاجة إلى التمويل الخارجي، وعجز الموارد المحلية عن تغطية الواردات والديون دون تدخل المقرضين.
وعمليا، يضع برنامج الصندوق سعر الصرف المرن في مقدمة الدفاع ضد الصدمات، لكن التجربة المصرية تعني أن المرونة تتحول غالبا إلى انخفاض جديد للجنيه، ثم موجة أسعار يدفع ثمنها أصحاب الدخول المحدودة.
وأخيرا، لا يمكن فصل العجز الخارجي عن الاختيارات السياسية التي توسع الإنفاق الضخم وتضعف الرقابة وتزاحم القطاع الخاص، لأن الحساب الجاري ليس رقما معزولا بل حصيلة مباشرة لطريقة إدارة الدولة ومواردها.
وخلاصة الأمر، يفضح عجز 14.6 مليار دولار اقتصادا يعيش على التحويلات والقروض وبيع الأصول، فيما تتراجع قدرته الإنتاجية، ولن تنقذه دفعة جديدة من الصندوق ما لم تتغير الأولويات وتخضع السياسات للمحاسبة.

