أصدر قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي القرار رقم 328 لسنة 2026 بتشكيل مجلس إدارة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة برئاسة بهاء الدين الغنام وعضوية 8 شخصيات بينهم 4 وزراء، بما يوسع حضور الجهاز في ملفات اقتصادية تديرها وزارات قائمة بالفعل.

 

ويأتي القرار بعدما منح القانون رقم 147 لسنة 2026 الجهاز استقلالًا ماليًا وإداريًا وفنيًا وتبعية مباشرة لرئيس الجمهورية، في خطوة تثير مخاوف من بناء مركز اقتصادي مواز للحكومة وسحب ملفات أساسية من المؤسسات المسؤولة أمام المواطنين.

 

وعلى خلاف الهيكل الحكومي المعتاد، يضع التشكيل وزراء الري والتموين والزراعة والتخطيط داخل مجلس جهاز لا يتبع مجلس الوزراء، بما يخلق وضعًا تصبح فيه الوزارات نفسها جزءًا من مؤسسة أخرى تتحرك خارج التسلسل التنفيذي التقليدي للدولة.

 

وبالتالي، لا تبدو القضية مجرد الاستعانة بالخبرات الوزارية، وإنما تتعلق بكيان يجمع داخل مجلسه مسؤولين يديرون قطاعات يتقاطع معها نشاطه، وهو ما يفتح سؤالًا مباشرًا حول صاحب القرار النهائي عند اختلاف المصالح والأولويات.

 

كما أن اتساع اختصاصات الجهاز يتجاوز إدارة مشروع زراعي بعينه، بعدما أصبح القانون يمنحه مساحات واسعة للعمل في التنمية والاستثمار وإدارة الأصول والمشروعات، وهي اختصاصات تتقاطع مع وزارات وهيئات اقتصادية أنشئت أصلًا للقيام بهذه الوظائف.

 

ومن ثم، يصبح تأسيس هذا المركز الموازي للقرار أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بالأراضي والمياه والغذاء والاستثمار، وهي ملفات تمس الأمن الاقتصادي مباشرة ولا تحتمل تعدد الجهات صاحبة النفوذ أو غموض الجهة التي تتحمل المسؤولية.

 

 

جهاز فوق الحكومة

 

وفي هذا السياق، وصف مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وضع الجهاز بأنه أقرب إلى سلطة فوق الحكومة، منتقدًا اتساع صلاحياته وتقاطعه مع اختصاصات وزارات مثل الزراعة والري.

 

وبحسب طرح السيد، فإن المشكلة لا تكمن في وجود مؤسسة تنموية جديدة فقط، بل في أن الجهاز يستطيع التحرك في قطاعات واسعة بينما تبقى الحكومة مطالبة نظريًا أمام البرلمان والجمهور بنتائج ملفات لم تعد تملك وحدها مفاتيح إدارتها.

 

وفوق ذلك، فإن وجود الوزراء داخل مجلس الجهاز لا يحل التداخل، بل قد يكرسه، لأن الوزير يصبح طرفًا في قرارات مؤسسة مستقلة عن وزارته ثم يعود إلى وزارته لتنفيذ أو التعامل مع قرارات شارك فيها.

 

وفي المقابل، يفترض النظام المؤسسي الطبيعي أن تضع كل وزارة سياساتها في نطاق اختصاصها وتخضع للمساءلة عن نتائجها، بينما يخلق الجهاز الجديد دائرة إضافية يصبح فيها القرار موزعًا بين الوزارة والمجلس والرئاسة دون حدود سهلة الفهم.

 

وعلاوة على ذلك، يمنح القانون الجهاز مرونة مالية وإدارية واسعة بهدف تسريع عمله، لكن هذه المرونة نفسها تصبح مصدر قلق عندما تقترن بإدارة الأصول العامة والاستثمار وتخصيص الموارد بعيدًا عن الإجراءات الحكومية المعتادة.

 

وبهذا المعنى، فإن سرعة اتخاذ القرار لا تضمن بالضرورة جودة القرار، خصوصًا عندما تكون الأموال والأراضي والموارد محل التصرف مملوكة للدولة، ويصبح تقليل القيود الإدارية مصحوبًا بضرورة أكبر لزيادة الشفافية والمساءلة.

 

ومن ناحية أخرى، يكشف تشكيل المجلس أن الحكومة لم تعد الإطار الوحيد الذي يجمع وزراء القطاعات الحيوية، إذ يجلس 4 منهم الآن داخل جهاز رئاسي مستقل نسبيًا، بما يرسخ نموذجًا تتجاوز فيه القرارات حدود مجلس الوزراء.

 

 

استثناءات تقلص الرقابة

 

وفي قراءة نقدية للقانون، حذرت الباحثة ندى عرفات بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية من اتساع الاستثناءات الممنوحة للجهاز، معتبرة أن منظومة الرقابة الواردة في مشروع إعادة التنظيم لا تتناسب مع حجم السلطات الاقتصادية التي يحصل عليها.

 

ووفق ورقة المبادرة، فإن المشكلة تمتد إلى قدرة الجهاز على إدارة موارد وأصول عامة والدخول في أنشطة استثمارية متعددة، بما يجعل الرقابة المالية والقانونية قضية أساسية وليست تفصيلًا يمكن تأجيله مقابل الحديث عن سرعة الإنجاز.

 

وبناءً على ذلك، فإن منح مؤسسة واحدة أدوات التخطيط والاستثمار وإدارة الأصول والتعامل مع مناطق التنمية يخلق تركيزًا للسلطات الاقتصادية يصعب تبريره بينما تمتلك الدولة وزارات وهيئات وصناديق يفترض أنها تقوم بالوظائف ذاتها.

 

كذلك، شهدت مناقشات مجلس النواب اعتراضات دفعت إلى إدخال تعديلات توسع بعض صور الرقابة، وهو ما يعكس أن المخاوف لم تكن مجرد انتقادات خارجية وإنما وصلت إلى البرلمان أثناء مناقشة القانون نفسه.

 

ومع ذلك، تظل الرقابة البرلمانية محدودة أمام جهاز يتبع رئيس الجمهورية مباشرة ويتمتع باستقلال مالي وإداري، خصوصًا عندما تكون بعض إجراءات نقل الأصول والموارد مرتبطة بقرارات تصدر من أعلى هرم السلطة التنفيذية.

 

وفي السياق ذاته، تصبح المساءلة أكثر تعقيدًا إذا أخفق مشروع يديره الجهاز، إذ يبرز السؤال حول ما إذا كانت المسؤولية تقع على الوزير المختص أم مجلس الجهاز أم رئيسه أم الجهة التي وافقت على تخصيص الموارد.

 

وعند هذه النقطة، يتحول تضارب الاختصاصات من مشكلة إدارية إلى خطر على المال العام، لأن غموض المسؤولية يسمح بتبادل الاتهامات عند الخسارة بينما يظل من الصعب تحديد الجهة التي اتخذت القرار وأسباب اتخاذه.

 

 

مركز اقتصادي مواز

 

ومن جانبه، أثار النائب محمد فؤاد خلال مناقشة القانون قضايا مرتبطة بالحوكمة والمساءلة، مؤكدًا أن نجاح الجهاز يظل مرهونًا باستكمال منظومة الرقابة ووجود أدوات واضحة لقياس الأداء وتقييم النتائج.

 

كما اتفق فؤاد مع جانب من توصيف مصطفى كامل السيد بشأن وجود فجوة في المساءلة، مشيرًا إلى أن غياب أدوات القياس يجعل من الصعب تقديم دليل واضح للجمهور حول كفاءة الجهاز ونتائج نشاطه.

 

وبالتوازي، تكشف المناقشات البرلمانية أن بعض مواد المشروع الأصلية أثارت اعتراضات تتعلق بالإعفاءات والالتزامات المالية، قبل تعديل بعضها، وهو ما يوضح حجم الامتيازات التي كان مطروحًا منحها للجهاز منذ البداية.

 

وعليه، فإن السؤال لم يعد هل الجهاز وزارة أم هيئة فقط، بل لماذا تحتاج الدولة إلى مؤسسة رئاسية واسعة الصلاحيات لتؤدي مهام توجد لها بالفعل وزارات للزراعة والتموين والتخطيط والري وهيئات لإدارة الاستثمار والأصول.

 

وفضلًا عن ذلك، فإن إدخال الوزراء أنفسهم إلى مجلس الجهاز لا يلغي وجود هياكل متوازية، وإنما يربط تلك الهياكل ببعضها بطريقة تجعل الجهاز قادرًا على التأثير في الوزارات من خلال وزراء يجلسون داخله كأعضاء.

 

أما بالنسبة للمواطن، فإن الخطر الحقيقي يتمثل في تراجع وضوح المسؤولية عن الأسعار والغذاء والمياه والأراضي والاستثمار، لأن تعدد مراكز القرار يجعل محاسبة جهة بعينها أكثر صعوبة عندما تتعثر المشروعات أو ترتفع تكلفتها.

 

وفي المحصلة، يضع قرار السيسي 4 وزراء داخل جهاز تابع له مباشرة ويمنحه مجلسًا من 8 أعضاء فوق بنية واسعة من الصلاحيات، بما يعزز مخاوف تحول مستقبل مصر إلى مركز اقتصادي مواز يضعف الحكومة بدل تقويتها.