مع حلول فصل الخريف، تزداد شعبية القرفة باعتبارها واحدة من أشهر التوابل المرتبطة بالمشروبات الساخنة والمخبوزات والحلويات، إذ يضيفها كثيرون إلى القهوة والشاي والحليب وبعض الأطعمة، للاستفادة من مذاقها ورائحتها المميزة. إلا أن تناولها بكميات كبيرة وبصورة منتظمة قد يثير بعض المخاوف الصحية، خاصة عند استخدام نوع معين من القرفة.
وتتركز هذه المخاوف حول مركب طبيعي يعرف باسم «الكومارين»، وهو مادة توجد بنسب متفاوتة في أنواع القرفة المختلفة، ويمكن أن تشكل عبئا على الكبد عند التعرض لكميات مرتفعة منها لفترات طويلة.
ولا يعني ذلك أن تناول القرفة بالطريقة المعتادة يمثل خطرا على الأشخاص الأصحاء، إذ ترتبط المخاوف أساسا بالإفراط في استهلاكها، ولا سيما قرفة كاسيا التي تحتوي على مستويات أعلى من الكومارين مقارنة بأنواع أخرى.
نوع القرفة يصنع الفارق
ليست جميع أنواع القرفة متساوية من حيث تركيبها الكيميائي، وتعد قرفة كاسيا من أكثر الأنواع انتشارا في الأسواق، وهي تعرف علميا باسم «سيناموموم كاسيا» أو «سيناموموم أروما تيكوم»، وتزرع بصورة أساسية في دول من بينها إندونيسيا والصين وفيتنام.
وتتميز قرفة كاسيا بلونها البني المحمر الداكن وطعمها القوي والحاد نسبيا، كما تكون أعوادها أكثر سمكا وصلابة مقارنة بقرفة سيلان.
وتكمن أهمية هذا الاختلاف في احتواء كاسيا على مستويات مرتفعة نسبيا من الكومارين، وهو ما يجعل الاستهلاك المفرط والمتكرر منها سببا في زيادة التعرض لهذا المركب.
في المقابل، توجد قرفة سيلان، التي تعرف باسم «القرفة الحقيقية»، وتحمل علميا اسم «سيناموموم فيروم» أو «سيناموموم زيلانيكوم». ويأتي هذا النوع بشكل أساسي من سريلانكا، ويتميز بلون أفتح وطعم أكثر اعتدالا وحلاوة.
وتحتوي قرفة سيلان على كميات منخفضة جدا من الكومارين مقارنة بقرفة كاسيا، ولذلك تعتبر خيارا أكثر ملاءمة لمن يفضلون استخدام القرفة بصورة يومية أو بكميات أكبر نسبيا.
وتشير الدكتورة هيوون غراي، الأستاذة المشاركة في كلية الصحة العامة بجامعة جنوب فلوريدا، إلى أن انخفاض محتوى قرفة سيلان من الكومارين يجعلها خيارا أفضل لمن يستهلك القرفة باستمرار، خصوصا عند استخدامها بكميات تتجاوز مجرد الرشة المعتادة على الطعام أو المشروبات.
كيف تفرق بين كاسيا وسيلان؟
يمكن للمستهلك في بعض الحالات التمييز بين نوعي القرفة عند شراء الأعواد الكاملة.
فعيدان قرفة سيلان يتكونان عادة من طبقات رقيقة متعددة تلتف داخل بعضها، بينما تكون أعواد كاسيا أكثر سمكا وصلابة، وغالبا ما تظهر على هيئة لفة واحدة أكثر كثافة.
لكن عملية التمييز تصبح أكثر صعوبة عند شراء القرفة المطحونة، إذ يمكن أن يكون من الصعب معرفة النوع بمجرد النظر إلى المسحوق.
ولهذا، فإن قراءة الملصق الموجود على العبوة تعد الوسيلة الأكثر وضوحا للتأكد من النوع، خاصة إذا كان المنتج يذكر الاسم العلمي للقرفة أو بلد المنشأ.
ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر بالنسبة للأشخاص الذين يستخدمون القرفة يوميا، أو الذين يتناولون منتجات تحتوي على كميات كبيرة منها، لأن معرفة النوع تساعد في تقدير مستوى التعرض للكومارين.
متى يصبح تناول القرفة مصدر قلق؟
لا يشكل استخدام كمية صغيرة من القرفة لإضفاء النكهة على الطعام أو المخبوزات أو المشروبات الساخنة خطرا كبيرا بالنسبة لمعظم الأشخاص الأصحاء.
لكن المشكلة قد تبدأ عند الانتقال من الاستخدام المعتدل باعتبار القرفة نوعا من التوابل إلى تناول كميات كبيرة منها بصورة يومية، خصوصا إذا كانت من نوع كاسيا الغني نسبيا بالكومارين.
ووفقا لتقييم يتعلق بسلامة الأغذية أجري عام 2022، فإن الحد اليومي المقبول من الكومارين يقدر بنحو 0.1 ملليجرام لكل كيلوجرام من وزن الجسم.
وبالنسبة لشخص بالغ يبلغ وزنه نحو 60 كيلوجراما، فإن ذلك يعادل قرابة 6 ملليجرامات من الكومارين يوميا.
وتحتوي قرفة كاسيا في المتوسط على نحو 3 ملليغرامات من الكومارين لكل غرام من القرفة، وهو ما يعني أن تناول نحو غرامين من هذا النوع قد يقترب من الحد اليومي المقبول لشخص بهذا الوزن، مع الأخذ في الاعتبار أن مستويات الكومارين يمكن أن تختلف بصورة كبيرة بين المنتجات ومصادر القرفة.
ولهذا، لا يمكن اعتبار هذه الكمية رقما ثابتا ينطبق على جميع الأشخاص أو جميع أنواع القرفة، وإنما هي تقديرات تساعد في فهم سبب أهمية الاعتدال في الاستهلاك.
الخطر لا يأتي من التوابل فقط
لا يقتصر التعرض للكومارين على القرفة التي يضيفها الشخص بنفسه إلى الطعام أو المشروبات.
فقد تدخل القرفة في عدد كبير من المنتجات الغذائية الجاهزة، مثل المخبوزات وحبوب الإفطار وألواح البروتين وبعض خلطات المشروبات والشاي المتبل، ومن بينها خلطات «ماسالا تشاي».
كما تزداد أهمية الأمر عند استخدام مكملات القرفة، التي يتم تسويق بعضها للمساعدة في ضبط مستويات السكر في الدم أو إنقاص الوزن.
وتختلف المكملات عن الاستخدام التقليدي للقرفة كتوابل، لأنها قد تحتوي على كميات مركزة من مكونات القرفة، ما يجعل تناولها بانتظام أمرا يستحق مزيدا من الحذر، خصوصا دون استشارة مختص.
وبالتالي، فإن الشخص الذي يستهلك القرفة من مصادر متعددة خلال اليوم قد يتعرض لكمية أكبر مما يتوقع، خاصة إذا كان يجمع بين المشروبات والأطعمة والمكملات التي تحتوي عليها.
مرضى الكبد الأكثر حاجة للحذر
تزداد أهمية الانتباه إلى كمية القرفة المستهلكة لدى الأشخاص الذين يعانون بالفعل من مشكلات في الكبد.
وتوضح غراي أن الأشخاص المصابين بأمراض مثل الكبد الدهني أو التهاب الكبد أو تليف الكبد قد تكون لديهم قدرة أقل على التعامل مع المواد التي يتم استقلابها في الكبد، ولذلك فإن الإفراط في استهلاك القرفة الغنية بالكومارين قد يكون أكثر إثارة للقلق بالنسبة إليهم.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل شخص مصاب بمرض في الكبد يجب أن يمتنع تماما عن القرفة، وإنما يشير إلى أهمية تجنب الاستهلاك المرتفع والمتكرر، ومناقشة استخدام كميات كبيرة أو المكملات مع الطبيب.
وتكمن صعوبة اكتشاف بعض مشكلات الكبد في أن الأعراض قد لا تكون واضحة في المراحل الأولى، ولذلك لا ينبغي الاعتماد على ظهور الأعراض وحده للحكم على وجود مشكلة.
ومن الأعراض التي قد تستدعي الانتباه الغثيان المستمر، وفقدان الشهية، والشعور بالتعب، أو ألم في الجزء العلوي الأيمن من البطن.
وفي الحالات الأكثر خطورة، قد تظهر علامات مثل اصفرار الجلد أو بياض العينين، وتغير لون البول ليصبح داكنا، وشحوب لون البراز أو استمرار القيء.
ظهور مثل هذه الأعراض يستدعي الحصول على تقييم طبي، بدلا من افتراض أن سببها تناول القرفة أو محاولة التعامل معها منزليا.
هل يجب التوقف عن تناول القرفة؟
رغم المخاوف المرتبطة بالكومارين، لا تشير هذه المعلومات إلى ضرورة توقف معظم الأشخاص الأصحاء عن تناول القرفة.
فالاستخدام المعتاد للقرفة باعتبارها نوعا من التوابل، وبكميات صغيرة ضمن النظام الغذائي، يختلف بشكل كبير عن تناول كميات كبيرة منها بصورة يومية أو استخدام مكملات مركزة لفترات طويلة.
ولذلك، يمكن لمحبي القرفة الاستمرار في إضافتها إلى القهوة أو المشروبات الساخنة والمخبوزات والأطعمة ضمن الحدود المعتادة، مع تجنب الإفراط في الكميات.
أما الأشخاص الذين يستخدمون القرفة يوميا بكميات كبيرة، فقد يكون اختيار قرفة سيلان وسيلة لتقليل التعرض للكومارين مقارنة بقرفة كاسيا، خاصة مع الاستهلاك المنتظم.
كما ينبغي الانتباه إلى المنتجات التي تحتوي على القرفة ضمن مكوناتها، حتى لا تتراكم مصادر التعرض دون أن يدرك المستهلك ذلك.
لا حاجة إلى «تطهير الجسم»
ومن الأفكار التي قد تنتشر بعد الحديث عن مخاطر بعض مكونات القرفة اللجوء إلى برامج أو مشروبات توصف بأنها تساعد على «تطهير الجسم» أو تنظيف الكبد.
لكن لا توجد حاجة إلى مثل هذه البرامج لمجرد تناول القرفة، إذ يمتلك الجسم أنظمة طبيعية لمعالجة المواد والتخلص منها، ويقوم الكبد بدور أساسي في استقلاب العديد من المركبات.
وبالتالي، فإن التركيز ينبغي أن يكون على الاعتدال في الاستهلاك، ومعرفة نوع القرفة المستخدمة، وتجنب تناول كميات كبيرة من مكملات القرفة بصورة منتظمة، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين لديهم أمراض كبدية.
وتبقى النقطة الأساسية أن المشكلة ليست في القرفة باعتبارها توابلا بحد ذاتها، وإنما في الكمية والنوع وطريقة الاستخدام ومدة الاستهلاك.
فإضافة القليل من القرفة إلى مشروب أو وجبة من وقت لآخر تختلف تماما عن تناول كميات كبيرة من قرفة كاسيا أو استخدام مكملات مركزة بشكل يومي.
وبالنسبة لمعظم الأشخاص، يمكن أن تظل القرفة جزءا عاديا من النظام الغذائي، مع مراعاة عدم تحويلها من توابل تستخدم لإضافة النكهة إلى منتج يتم تناوله بكميات كبيرة أو بصورة علاجية دون حاجة أو إشراف متخصص.
المصدر: ديلي ميل

