كشفت أوراق قضية أحالتها نيابة أمن الدولة العليا إلى محكمة الجنايات في جنوب سيناء اتهام 15 شخصا، بينهم 8 رجال أعمال وموظفون عموميون، في وقائع رشوة وتوسط واختلاس مستندات مرتبطة بملفات التصالح في مخالفات البناء.

 

وتكشف القضية، بحسب الاتهامات الواردة بالأوراق، كيف يمكن لتحول الموظف المسؤول عن اعتماد التصالح إلى بوابة للحصول على الأموال أن يهدم الثقة في الإدارة المحلية، ويجعل المواطن والمستثمر أمام سلطة تستطيع تعطيل الملف أو تمريره مقابل المال.

 

وبداية من يناير 2024 وحتى القبض على المتهمين في 14 يناير 2025، رصدت الجهات الرقابية وقائع متعددة تدور حول إنهاء ملفات تصالح وتخفيض رسوم مستحقة، باستخدام وسطاء ورجال أعمال وموظفين داخل أجهزة محلية وشركات خاصة.

 

وفي مقدمة المتهمين، جاء مهندس مدني يبلغ 35 عاما كان يشغل منصب مدير المكتب الفني لمحافظة جنوب سيناء ورئيس اللجنة الفنية المختصة بدراسة ومراجعة واعتماد أعمال لجان التصالح في مخالفات البناء بالمحافظة.

 

وبحسب أوراق القضية، طلب المسؤول من رجلي أعمال مبلغ 2.5 مليون جنيه مقابل إنهاء إجراءات التصالح الخاصة بقرية شهد في شرم الشيخ وتخفيض الرسوم، قبل أن يتدخل وسيط لتخفيض المبلغ المتفق عليه إلى 650 ألف جنيه.

 

ولاحقا، تشير الأوراق إلى استلام 100 ألف جنيه من المبلغ بعد الاتفاق على تخفيض قيمة الرشوة، ما يكشف أن القرار الإداري المتعلق برسوم التصالح تحول، وفق الاتهامات، إلى مجال للتفاوض المالي بعيدًا عن القواعد الرسمية.

 

وفي واقعة أخرى، نسبت التحقيقات إلى المتهم طلب 2.5 مليون جنيه من رجلي أعمال بوساطة أحد المتهمين، مقابل إنهاء إجراءات التصالح على مخالفات مرتبطة بقرية واحة الشرق، ضمن سلسلة وقائع متشابهة في الملف نفسه.

 

وعلاوة على ذلك، تضمنت القضية اتهامه باختلاس مستند البصمة الكربونية ورسومات هندسية كانت ضمن ملف التصالح الخاص بقرية قصر ذهب، ثم استبدالهما بأوراق أخرى، بما يضيف شبهة العبث بالمستندات الرسمية إلى وقائع الرشوة.

 

منظومة التصالح تحت الاختراق

 

وفي هذا السياق، يرى الدكتور أحمد عبد الظاهر أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة أن الرشوة المرتبطة بالوظيفة العامة تضرب جوهر الحياد الإداري، لأنها تحول الاختصاص الممنوح للموظف لخدمة المصلحة العامة إلى وسيلة لتحقيق منفعة شخصية.

 

وبالتالي، تصبح خطورة القضية أكبر من قيمة الأموال المتداولة، لأن المتهم الرئيسي كان يشغل موقعا يسمح له بمراجعة واعتماد قرارات مرتبطة بمخالفات بناء، بما يضع سلامة منظومة التصالح نفسها أمام تساؤلات واسعة.

 

ومن ناحية أخرى، تكشف تعدد القرى الواردة في التحقيقات أن الاتهامات لم ترتبط بملف واحد فقط، إذ ظهرت أسماء شهد وواحة الشرق وقصر ذهب والفراعنة ضمن وقائع مختلفة تتعلق بالتسويات والرسوم والمستندات.

 

وفوق ذلك، نسبت الأوراق إلى المتهم طلب رشوة أخرى بقيمة 2.5 مليون جنيه، والحصول على 4 آلاف يورو و23 ألف دولار و20 ألف جنيه مصري، بما يكشف تنوع صور المقابل المالي الوارد في التحقيقات.

 

وعند قرية الفراعنة، تتحدث القضية عن 28 ألف دولار حصل عليها المتهم من رجل أعمال بوساطة عدة متهمين، باعتبارها جزءا من مبلغ رشوة متفق عليه بلغ 2.5 مليون جنيه مقابل إنهاء إجراءات التصالح.

 

وفي تطور إضافي، تشير الأوراق إلى حصوله من رجل الأعمال نفسه على 19 ألف دولار بمشاركة مدير الإدارة الهندسية بمدينة شرم الشيخ، مقابل إنهاء بعض المخالفات المتعلقة بالقرية ذاتها، وفقا للاتهامات المحالة إلى المحاكمة.

 

وبذلك، لم تعد القضية واقعة منفردة بين موظف ورجل أعمال، بل شبكة تتوزع أدوارها، بحسب التحقيقات، بين طالب للرشوة ودافع ووسيط وموظفين لديهم صلاحيات تمكنهم من التأثير في الملفات والإجراءات الرسمية.

 

فساد المحليات يتجدد

 

وفي قراءة أوسع، سبق لخبير التنمية المحلية حمدي عرفة أن اعتبر انتشار الفساد في الإدارات المحلية مرتبطا بالحاجة إلى رقابة فعالة وإصلاح هيكل الإدارة المحلية، بما يمنع تحول الصلاحيات الواسعة إلى أبواب للاستغلال.

 

وبناء على ذلك، تعيد قضية جنوب سيناء فتح السؤال القديم حول أسباب تكرار وقائع الرشوة في قطاعات التراخيص والبناء والتصالح، وهي مجالات تمنح الموظفين قدرة مباشرة على تعطيل مصالح المواطنين أو تمريرها.

 

وفي المقابل، لا يكفي ضبط شبكة بعد اكتمال الوقائع إذا ظلت البيئة الإدارية التي تسمح بتكوينها قائمة، خصوصا عندما تجتمع سلطة فحص المستندات وتقدير الرسوم والتوصية بالاعتماد داخل دائرة محدودة من الموظفين.

 

كما أن وقوع الاتهامات داخل ملفات التصالح يضاعف خطورتها، لأن هذه المنظومة أنشئت لتقنين أوضاع عقارية وتسوية مخالفات متراكمة، وليس لخلق سوق موازية يدفع فيها أصحاب الملفات للحصول على قرار يفترض صدوره بالقانون.

 

ومن ثم، يصبح السؤال الأساسي هو كيفية اكتشاف التلاعب قبل الوصول إلى مرحلة تبادل الأموال، عبر مراجعة القرارات ومقارنة الرسوم والملفات ومراقبة أي اختلاف غير مبرر بين حالات متشابهة داخل المنطقة نفسها.

 

وعلى الجانب الآخر، كشفت بيانات رسمية سابقة عن إحالة أعداد كبيرة من موظفي المحليات إلى جهات التحقيق، وهو ما يؤكد أن فساد الإدارة المحلية ليس ملفا طارئا وإنما مشكلة متكررة تحتاج أدوات منع لا حملات ضبط فقط.

 

رشاوى تهدد الاستثمار

 

وفي الجانب الاقتصادي، حذر الخبير الاقتصادي سامي الهلالي من أن الفساد الإداري يمثل أحد أخطر العوامل التي تهدد الاستثمار وحركة رؤوس الأموال، لأن المستثمر يحتاج إلى قواعد واضحة لا إلى علاقات شخصية أو مدفوعات غير قانونية.

 

وتأسيسا على ذلك، فإن طلب ملايين الجنيهات مقابل إنهاء التصالح أو تخفيض الرسوم لا يضر خزينة الدولة وحدها، بل يخلق سوقا غير عادلة يكون فيها صاحب النفوذ أو القدرة على الدفع أكثر حظا من الملتزم.

 

وبالمثل، يؤدي انتشار الوساطة في القرارات الإدارية إلى إضعاف المنافسة بين المستثمرين، لأن تكلفة المشروع لا تعود مرتبطة فقط بالأرض والبناء والرسوم القانونية، وإنما قد تتضمن مبالغ غير رسمية تغير حسابات الاستثمار بالكامل.

 

وفي الوقت ذاته، يدفع الموظف الشريف والمستثمر الملتزم ثمن المنظومة الفاسدة أيضا، إذ تتحول الإجراءات الطبيعية إلى موضع شك، وتصبح القرارات الصحيحة معرضة للطعن في نزاهتها بسبب انتشار الشبهات حول المؤسسة بأكملها.

 

أما وجود 8 رجال أعمال بين المتهمين، إلى جانب موظفين ومحام ووسطاء، فيكشف بحسب أوراق القضية أن الرشوة ليست فعلا من جانب الموظف وحده، وإنما علاقة تتغذى على مصالح متبادلة بين أطراف متعددة.

 

وفي ضوء ذلك، تحتاج مراجعة القضية إلى ألا تتوقف عند العقوبات الجنائية للمتهمين حال ثبوت الاتهامات، بل تمتد إلى فحص ملفات التصالح التي تعاملوا معها ومراجعة القرارات والرسوم والتعديلات التي صدرت خلال فترة عملهم.

 

وبصرف النظر عن نتيجة المحاكمة، فإن وصول مدير المكتب الفني ورئيس لجنة مراجعة التصالح إلى صدارة قائمة المتهمين يكشف خللا شديد الحساسية، لأن موقعه كان يفترض أن يمثل طبقة مراجعة تمنع المخالفات لا منفذا محتملا لها.

 

وفي النهاية، تضع قضية الـ15 متهما محافظة جنوب سيناء أمام اختبار يتجاوز محاكمة أفراد، فجوهر الأزمة هو كيفية منع تكرار شبكة مشابهة داخل لجان تمتلك سلطة مؤثرة على الأراضي والعقارات وملايين الجنيهات من الرسوم العامة.