تستعد وزارة المالية المصرية لاقتراض ما يعادل 500 مليون دولار عبر إصدار جديد من سندات الباندا بالسوق الصينية، في تحرك يتزامن مع اقتراب استحقاق الإصدار السابق، ويعيد مساءلة الحكومة عن استمرار الاعتماد على الديون.
وكشفت معلومات منشورة في 14 سبتمبر عن استهداف إتمام الإجراءات قبل منتصف أكتوبر المقبل، بينما تستمر مفاوضات اختيار جهة دولية لضمان الإصدار، وسط تسويق انخفاض تكلفة الاقتراض باعتباره إنجازًا، رغم بقاء أسئلة السداد والإنتاج مفتوحة.
استحقاق أكتوبر يلاحق الاقتراض الجديد
يحمل التوقيت دلالة تتجاوز الإعلان عن أداة تمويل جديدة؛ فالإصدار الأول لسندات الباندا، المطروح في أكتوبر 2023 بقيمة 3.5 مليار يوان، يحل استحقاقه في أكتوبر 2026، بعد أجل امتد ثلاث سنوات كاملة.
وبلغ العائد السنوي للإصدار السابق 3.5%، بينما لم تتضمن المعلومات المتاحة عن الطرح المرتقب سعر فائدته النهائي أو أجله أو تفاصيل ضمانه، ما يجعل الحديث عن كلفته الفعلية سابقًا لاكتمال شروط الصفقة.
وتشير معلومات منشورة مطلع سبتمبر إلى استهداف توجيه الحصيلة الجديدة لمشروعات خضراء ومستدامة مدرجة بالموازنة، ولذلك لا يكفي تقارب المواعيد للجزم بأنها ستُستخدم مباشرة في سداد السند القديم، رغم وضوح تزامن الاحتياجين التمويليين.
لكن هذا التزامن يفرض سؤالًا سياسيًا واقتصاديًا لا تجيب عنه بيانات التنويع؛ لماذا تعود الحكومة لطلب تمويل مماثل عند حلول الاستحقاق، وما الموارد التي ولّدتها المشروعات الممولة سابقًا لتغطية التزاماتها دون اقتراض متجدد؟
وفي تحليله المنشور في يوليو 2026، ينتقد الكاتب والباحث الاقتصادي ممدوح الولي تحول الاقتراض إلى وسيلة لسداد أقساط قروض سابقة، موضحًا أن استمرار التمويل الجديد قد يبدد أثر السداد على رصيد المديونية.
ويرى الولي أن خدمة الدين الخارجي تزاحم احتياجات البلاد من السلع الأساسية والوقود ومستلزمات الإنتاج، وهي قراءة عامة لمسار الديون، وليست تصريحًا بشأن إصدار سبتمبر المرتقب أو حكمًا على استخدام حصيلته تحديدًا.
وتزداد أهمية هذه المخاوف مع تقديرات منشورة لاستحقاقات سندات وأدوات دين دولية تقارب 2.9 مليار دولار خلال العام المالي الحالي، تشمل الباندا في أكتوبر، وسندات تقليدية في يناير، وساموراي في مارس المقبلين.
وهكذا يصبح الطرح الجديد جزءًا من جدول استحقاقات متلاحقة، بينما تقدم الحكومة الوصول إلى المقرضين باعتباره نجاحًا بذاته، دون أن يجيب ذلك عن قدرتها على تقليص الاحتياج المتكرر إليهم خلال السنوات المقبلة.
فائدة أقل لا تمحو المديونية
تُطرح سندات الباندا باليوان داخل السوق الصينية بواسطة جهات أجنبية، وتتيح لمصر تنويع المستثمرين والعملات، وقد تخفض تكلفة التمويل مقارنة بالاقتراض الدولاري، وهي ميزة تستحق القياس الدقيق بعيدًا عن المبالغة الحكومية في تسويقها.
غير أن المقارنة بين نسبة فائدة باليوان وأخرى بالدولار لا تكفي وحدها؛ إذ تتأثر التكلفة النهائية بالأجل والرسوم والضمانات ومخاطر الصرف، وبالحاجة إلى تحويل الحصيلة أو تأمين العملة اللازمة للسداد عند الاستحقاق.
ويكشف استمرار التفاوض على جهة ضامنة أن شروط الطرح لم تُحسم بعد، كما يوضح أهمية الدعم الائتماني في تحسين جاذبيته، وهو ما يستدعي نشر تكاليف الضمان وحدوده والتزامات الدولة المقابلة له بوضوح.
أما تقديم الضمان باعتباره محوًا للمخاطر، فيتجاهل أن السند يظل التزامًا على مصر؛ فالضمان يحمي المستثمر وفق شروطه، لكنه لا يعفي الخزانة من مسؤوليتها، ولا يحول حصيلة الاقتراض إلى إيراد مجاني دائم.
وفي دراسة منشورة في ديسمبر 2025، ينتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني توجيه الاقتراض إلى مشروعات يصفها بغير الإنتاجية، ويربط تفاقم أعباء الدين بتقييد التنمية والضغط على الإنفاق الاجتماعي وموارد الخدمات العامة الأساسية.
ويطرح الميرغني ضمن بدائله إخضاع القروض للرقابة الشعبية وربطها بالقطاعات المنتجة، مع وضع خطة للسداد من عوائد المشروعات، بما ينقل معيار التقييم من سهولة الحصول على التمويل إلى القدرة على الوفاء بالتزاماته.
وبتطبيق هذا المعيار على الباندا، تصبح الحكومة مطالبة بإعلان المشروعات المستفيدة وعوائدها المتوقعة ومصادر سدادها، بدل الاكتفاء بوصف الإصدار بالمستدام؛ فالصفة البيئية لا تثبت وحدها الجدوى المالية، ولا تضمن توليد النقد الأجنبي.
وإذا حقق الطرح تكلفة أقل فعلًا، فإن ذلك يحسن إدارة التزام مالي، لكنه لا يبرئ سياسة توسعت في الاستدانة؛ فالنجاح الجزئي في التسعير لا يقدم إجابة عن سلامة أولويات الإنفاق العام للحكومة.
مليارات التمويل وفاتورة المواطن الغائبة
يندرج الإصدار المرتقب ضمن خطة أقرها مجلس الوزراء لجمع نحو ثلاثة مليارات دولار خلال السنة المالية 2026–2027، عبر سندات تقليدية ومبتكرة وباندا مدعومة بضمانات، مع ربط التنفيذ بطلب المستثمرين وظروف الأسواق العالمية.
وتأتي الخطة بعد جمع أربعة مليارات دولار خلال السنة المالية السابقة من إصدارات شملت صكوكًا وسندات اجتماعية وساموراي، إلى جانب إعادة فتح سندات قائمة، وفق التفاصيل التي أعلنها مجلس الوزراء عن برنامج التمويل.
وتقول الحكومة إنها خفضت الدين الخارجي لأجهزة الموازنة بنحو 6.5 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات، لكن هذا النطاق لا يساوي إجمالي الدين الخارجي لمصر، ولا يجوز تقديمه للجمهور باعتباره الصورة الكاملة للمديونية.
كما أن إصدار سندات جديدة لا يعني تلقائيًا ارتفاع صافي الدين، إذا تجاوزها السداد؛ غير أن المحاسبة تتطلب كشف الاثنين معًا، وبيان الفوائد والعملات والآجال، بدل انتقاء الرقم الأكثر ملاءمة للدعاية الحكومية.
وفي قراءة لموازنة 2026–2027 نشرها في يونيو، ينتقد الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي ضعف الحماية الاجتماعية وتآكل أثر المخصصات أمام الغلاء، معتبرًا أن خطاب الإنجازات يتناقض مع احتياجات الأسر الفقيرة وقدرتها على تأمين معيشتها.
ويؤكد الصاوي أن الأمان الاجتماعي يتجاوز مساعدات نقدية محدودة إلى ضمان التعليم والصحة والدخل الكريم، وهي زاوية تكشف قصور تقييم السياسة المالية بمجرد نجاح الطروحات، بينما تبقى نتائجها الاجتماعية خارج الاحتفال الرسمي.
ومن هنا، فإن السؤال عن الباندا لا يقتصر على مقدار ما ستجمعه الحكومة قبل منتصف أكتوبر، بل يشمل ما سيعود على المجتمع، وما ستوفره شروط التمويل، وأين سيذهب الوفر إن تحقق فعلًا.
فحكومة السيسي مطالبة بإثبات أن الإصدار يخفف عبء الديون ويمول إنتاجًا قابلًا للقياس؛ وإلا سيبقى نصف المليار المرتقب عنوانًا جديدًا لسياسة تجيد البحث عن المقرض التالي، وتؤجل مواجهة أسباب الأزمة وفاتورتها على المصريين.

