بين حديث وزير الخارجية بدر عبد العاطي عن اللمسات النهائية للاستراتيجية الوطنية الثانية لحقوق الإنسان، واستمرار توثيق الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، تتسع فجوة يصعب ردمها ببلاغة البيانات أو الاحتفاء بوثيقة جديدة.

 

 

 

فالمعيار الحقيقي ليس عدد الاستراتيجيات التي تعلنها الحكومة، وإنما مصير الإنسان تحت سلطتها: هل يستطيع الاعتراض دون خوف، والحصول على العلاج داخل السجن، ومساءلة من ينتهك حقوقه دون أن يتحول بنفسه إلى متهم؟

 

 

استراتيجية جديدة فوق أزمة قديمة

 

يقدم عبد العاطي النسخة الثانية باعتبارها امتدادًا لنجاحات سابقة، لكن هذا التوصيف يضعه أمام سؤال مباشر: أين التقييم المستقل الذي يثبت تلك النجاحات، وأين أثرها على حياة المحبوسين وأسرهم وأصحاب الرأي المختلف؟

 

وفي تقريرها العالمي لعام 2026، وصفت هيومن رايتس ووتش استمرار احتجاز آلاف الأشخاص في ظروف قاسية، بين حبس احتياطي مطول وأحكام نتجت عن محاكمات جائرة، مع استمرار التضييق على المنتقدين والمدافعين عن الحقوق.

 

هذه الوقائع تجعل الاحتفاء بالاستراتيجية الأولى موضع مساءلة سياسية وأخلاقية. فالنجاح المعلن لا يكتسب مصداقيته من تكراره رسميًا، بينما تظل التقارير المستقلة تسجل ممارسات تناقض جوهر الحماية التي يفترض أن توفرها الدولة.

 

وقد عبّر حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية وقت كلمته أمام مجلس حقوق الإنسان في يوليو 2025، عن هذا التناقض، معتبرًا أن المصريين يتمنون العيش في البلد الذي تصفه تقارير حكومتهم.

 

وطالب بهجت الحكومة بتحويل خطابها إلى إجراءات فعلية تنهي الانتهاكات الجسيمة والمنهجية وواسعة النطاق. وهذا موقف معلن سابق، يكشف عمق الاعتراض الحقوقي على الفجوة بين الرواية الرسمية والتجربة اليومية للمواطنين.

 

وتكتسب ملاحظته وزنها لأنها تنقل النقاش من جمال الصياغة إلى مسؤولية السلطة. فالمشكلة ليست افتقار المؤسسات إلى مفردات الحقوق، وإنما غياب الضمانات التي تجعل تلك المفردات قيدًا فعليًا على ممارساتها.

 

وتشير هيومن رايتس ووتش أيضًا إلى استمرار ممارسة تدوير المحتجزين عبر قضايا جديدة شبيهة بالسابقة لإبقائهم رهن الاحتجاز. ومع هذا النمط، يصبح الحديث عن الإصلاح ناقصًا ما لم يتناول آليات استمرار الحرمان من الحرية.

 

ومن ثم، فإن إعلان الإفراج عن بعض السجناء، مهما كانت أهميته لأصحابه، لا يقدم وحده دليلًا على تحول مؤسسي. المطلوب تغيير القواعد والممارسات التي تسمح بتكرار المأساة، وإعلان نتائج قابلة للفحص والمقارنة.

 

وعبد العاطي، بوصفه مسؤولًا يروج لهذه السياسة، مطالب بتقديم إجابات تتجاوز الوعود: ماذا تحقق تحديدًا، وما الذي أخفق، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق، وكيف ستمنع الوثيقة الثانية تكرار النتائج التي ينتقدها الحقوقيون؟

 

 

وفيات الاحتجاز تفضح خطاب التحسين

 

الأكثر قسوة في هذا المشهد أن الخلاف لا يدور حول تعبيرات سياسية مجردة، وإنما حول أرواح تنتهي داخل أماكن الاحتجاز، وأسر تنتظر تفسيرًا واضحًا لما جرى لأبنائها تحت مسؤولية السلطات.

 

ففي بيان بتاريخ 13 سبتمبر 2026، أعلنت منظمة كوميتي فور جستس وصول الوفيات التي وثقتها داخل السجون ومقار الاحتجاز المصرية إلى 49 حالة منذ بداية العام، مقابل 60 حالة خلال عام 2025 كاملًا.

 

ولا تسمح المقارنة بين سنة مكتملة وأخرى جارية بالجزم بارتفاع المعدل السنوي، لكنها تكشف استمرار تراكم الوفيات، وتضع على الحكومة عبء تقديم معلومات مفصلة وتحقيقات مستقلة بدل الاكتفاء بخطاب التحسين العام.

 

وكانت المنظمة قد وثقت وفاة الشاب السوداني معاذ أحمد حميد داخل قسم شرطة المقطم، بعد نحو ثمانية أيام من الاحتجاز، وقالت إن المعلومات الرسمية عن أسباب وفاته وملابساتها لم تكن معلنة وقت التوثيق.

 

والوفاة داخل الاحتجاز لا تثبت وحدها وقوع تعذيب أو إهمال طبي، لكن غياب التفسير الشفاف يضاعف ضرورة التحقيق، ويجعل المطالبة بكشف الحقيقة حقًا أساسيًا للأسر، ومسؤولية لا تسقط عن مؤسسات الدولة.

 

وفي مارس 2025، انتقد محمود شلبي، الباحث المعني بمصر في منظمة العفو الدولية، معاقبة سجناء احتجوا على ظروف احتجازهم، موضحًا أن الانتهاكات استمرت حتى داخل السجون الحديثة في ظل قصور الرقابة والمساءلة.

 

ودعا شلبي إلى تمكين مراقبين مستقلين مصريين ودوليين من دخول السجون دون قيود وبزيارات غير معلنة. ويضع هذا المطلب اختبارًا عمليًا أمام السلطة: هل تسمح بفحص واقعها بعيدًا عن ترتيبات العرض الرسمي؟

 

كما وثقت العفو الدولية شكاوى من الحرمان من التعرض للشمس وتقييد الزيارات والنقل العقابي. وتكشف هذه التفاصيل أن كرامة السجين تتحدد بما يحدث داخل الزنزانة، وليس بعمر المبنى أو اسمه الجديد.

 

لذلك يبدو الحديث عن نجاحات حقوقية مستفزًا حين يغيب عنه مصير الشكاوى ونتائج التحقيقات. فالاستراتيجية التي لا تضمن العلاج والرقابة المستقلة والمساءلة تترك السؤال الأخطر معلقًا: ما الذي تغير فعليًا لمن يعيشون خلف القضبان؟

 

 

حوار مجتمعي تحت سقف الخوف

 

أما التشاور المجتمعي الذي تستند إليه الرواية الرسمية، فلا تثبت جديته قوائم الحضور وحدها. الاختبار الحقيقي هو قدرة المشاركين على رفض سياسات الحكومة، ونشر انتقاداتهم، واقتراح تغييرات تمس صلاحيات الأجهزة دون خوف من العقاب.

 

وقد شكك مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، في ورقة موقف صدرت في يوليو 2022، في جدية الحوار الوطني، مستندًا إلى غياب ضمانات التمثيل العادل وعدم الاستجابة لمطالب المعارضة واستمرار الممارسات القمعية.

 

لكن هذا الموقف لا يثبت أن جميع المنظمات تقاطع المشاورات الحالية، ولا يبرر اختزال مواقفها المتنوعة في رفض واحد. الأدق أن أزمة الثقة موثقة، وأن تجاوزها يحتاج ضمانات ملموسة تتجاوز الدعوات الرسمية.

 

وفي مناقشة للاستراتيجية الأولى خلال سبتمبر 2021، انتقد بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان آنذاك، إنكار الانتهاكات وتحميل المجتمع مسؤوليتها، وربط جدية التغيير بفتح حوار مع المنظمات المستقلة في الداخل والخارج.

 

واشترط حسن أن يجري الحوار مع مسؤولين يمتلكون سلطة اتخاذ القرار، وأن ينتهي إلى خارطة طريق محددة. ويكشف موقفه أن الاعتراض يتعلق بقدرة التشاور على تغيير السياسات، لا بمجرد انعقاد الاجتماعات.

 

وتزداد صعوبة تصديق الوعود حين يصبح نشر الشكاوى الحقوقية نفسه مصدرًا للملاحقة. وقد وثقت العفو الدولية فتح تحقيق مع حسام بهجت في يناير 2025 عقب بيان للمبادرة المصرية عن تدهور ظروف الاحتجاز.

 

فكيف تُطلب مقترحات المجتمع المدني بينما يواجه بعض العاملين فيه اتهامات مرتبطة بنشاطهم الحقوقي؟ هذا التناقض يضعف قيمة الدعوة الرسمية، ويمنح المخاوف من توظيف التشاور لتجميل الصورة أساسًا يتجاوز الشك السياسي المجرد.

 

ولا يكفي إدراج المرأة والشباب والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة ضمن محاور الوثيقة كي تصبح الحقوق مضمونة. فالحماية تتطلب مؤسسات تقبل الشكوى، ورقابة تستطيع كشف الانتهاك، ومسؤولين يمكن محاسبتهم حين يخالفون واجباتهم.

 

إن النقد الأشد لعبد العاطي لا يحتاج مبالغة: يكفي وضع وعوده بجوار الوقائع الموثقة. فالسجون تحتاج رقابة وعلاجًا، والمحتجزون تعسفيًا يحتاجون الحرية، والمجتمع يحتاج ضمانات؛ وإلى أن يتحقق ذلك، تبقى اللمسات النهائية عاجزة عن تجميل أصل الأزمة.