تواجه أسواق العمل في الدول العربية تحديًا متزايدًا يتمثل في ارتفاع معدلات بطالة الشباب، بالتزامن مع تحولات متسارعة تفرضها تقنيات الذكاء الاصطناعي على طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة. وبينما يجد ملايين الشباب صعوبة في الانتقال من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل، تتغير في الوقت نفسه ملامح الوظائف التي كانت تمثل البوابة الأولى أمام الأجيال الجديدة للحصول على خبرة مهنية وبناء مسار وظيفي مستقر.
وتكشف بيانات عرضتها منظمة العمل الدولية عن فجوة كبيرة بين أوضاع الشباب في الدول العربية ونظيرتها العالمية، إذ بلغ معدل بطالة الشباب في المنطقة العربية نحو 26.2%، مقابل 12.4% عالميًا، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها الاقتصادات العربية في توفير فرص عمل كافية ومستقرة للداخلين الجدد إلى سوق العمل.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود عدم الحصول على وظيفة، وإنما تمتد إلى طبيعة الفرص المتاحة وجودتها ومدى قدرتها على توفير الاستقرار والحماية الاجتماعية. فجزء كبير من الشباب يجد نفسه مضطرًا إلى العمل في وظائف مؤقتة أو غير رسمية، بما يقلل من فرص التطور المهني ويجعلهم أكثر عرضة لفقدان الدخل والحماية الاجتماعية.
بطالة الشباب.. أزمة تتجاوز غياب الوظيفة
تمثل بطالة الشباب واحدة من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المنطقة العربية، خاصة مع دخول أعداد كبيرة من الشباب سنويًا إلى سوق العمل بحثًا عن فرص تتناسب مع مؤهلاتهم وطموحاتهم.
وبحسب البيانات التي عرضتها منظمة العمل الدولية، فإن معدل بطالة الشباب في الدول العربية يزيد بأكثر من الضعف على المعدل العالمي، وهو فارق يعكس صعوبة قدرة أسواق العمل على استيعاب الشباب، فضلًا عن وجود فجوة بين مخرجات أنظمة التعليم والاحتياجات الفعلية للقطاعات الاقتصادية المختلفة.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما لا يجد الشاب وظيفة تتناسب مع مؤهلاته، فيضطر إلى قبول أعمال لا توفر له الاستقرار أو التطور المهني، أو يظل خارج سوق العمل لفترات طويلة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع مهاراته وصعوبة عودته إلى المسار الوظيفي لاحقًا.
وتشير هذه المعطيات إلى أن معالجة البطالة لا يمكن أن تقتصر على زيادة عدد الوظائف فحسب، بل يجب أن تشمل تحسين نوعية الوظائف، ورفع قدرتها على توفير أجور مناسبة وحماية اجتماعية وفرص حقيقية للتعلم والتطور.
67 مليون شاب وشابة أمام تحدي البطالة
وتشير البيانات إلى أن أزمة بطالة الشباب ليست ظاهرة محدودة التأثير، بل تمس عشرات الملايين من الشباب حول العالم، في وقت تواجه فيه المنطقة العربية تحديات اقتصادية وجيوسياسية تؤثر في الاستثمار والنمو وقدرة الشركات على التوسع وخلق وظائف جديدة.
ويؤدي تباطؤ النشاط الاقتصادي، إلى جانب حالة عدم اليقين الناتجة عن التوترات الجيوسياسية، إلى زيادة صعوبة خلق فرص عمل بالسرعة المطلوبة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل.
وقالت سارة إيلدر، رئيسة وحدة تحليل التوظيف والسياسات الاقتصادية في منظمة العمل الدولية، إن تباطؤ الاقتصاد العالمي والتوترات الجيوسياسية يضغطان على وتيرة خلق الوظائف، وهو ما يجعل دخول الشباب إلى سوق العمل أكثر صعوبة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الدول التي تمتلك نسبة مرتفعة من الشباب ضمن تركيبتها السكانية، إذ يعني استمرار البطالة لفترات طويلة خسارة جزء من الإمكانات الاقتصادية التي يمكن أن يوفرها هذا القطاع من السكان.
العمل غير الرسمي.. الوجه الآخر للأزمة
إذا كانت البطالة تمثل الجانب الأكثر وضوحًا من أزمة الشباب، فإن العمل غير الرسمي يمثل جانبًا آخر لا يقل خطورة، لأنه يعني أن الحصول على وظيفة لا يضمن بالضرورة الحصول على عمل مستقر أو آمن.
وتظهر بيانات منظمة العمل الدولية أن نحو 9 من كل 10 شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل الأدنى يعملون في القطاع غير الرسمي.
ويعني انتشار هذا النوع من العمل تعرض قطاعات واسعة من الشباب لظروف عمل تفتقر إلى الاستقرار، فضلًا عن محدودية الحماية الاجتماعية وصعوبة الوصول إلى بعض الحقوق والمزايا المرتبطة بالوظائف الرسمية.
كما أن العمل غير الرسمي قد يحد من قدرة الشباب على التخطيط لمستقبلهم، سواء فيما يتعلق بالاستقرار المالي أو بناء مسار مهني طويل الأجل، وهو ما يجعل الانتقال من العمل المؤقت إلى الوظائف المستقرة هدفًا رئيسيًا للسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
فجوة بين التعليم وسوق العمل
تظهر أزمة بطالة الشباب أيضًا في الفجوة القائمة بين ما تقدمه المؤسسات التعليمية وما يطلبه أصحاب الأعمال.
فالحصول على شهادة تعليمية لم يعد ضمانًا كافيًا للحصول على وظيفة، في ظل تغير احتياجات الشركات وظهور وظائف جديدة واختفاء أو تراجع أهمية بعض المهارات التقليدية.
ويحتاج الشباب اليوم إلى مزيج من المهارات التقنية والعملية والشخصية، إلى جانب القدرة على التعلم المستمر والتكيف مع التغيرات التي يشهدها سوق العمل.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في المناهج التعليمية وربطها بشكل أكبر بالاحتياجات الفعلية للاقتصاد، بحيث لا يخرج الطالب من المؤسسة التعليمية حاملًا شهادة فقط، وإنما يمتلك أيضًا مهارات يمكنه استخدامها فعليًا في بيئة العمل.
الذكاء الاصطناعي يدخل على خط الأزمة
وفي الوقت الذي تحاول فيه الاقتصادات العربية معالجة أزمة بطالة الشباب، تفرض تقنيات الذكاء الاصطناعي تحولًا جديدًا في سوق العمل، من خلال تغيير طبيعة عدد من المهن والمهام والمهارات المطلوبة.
وتشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن 6.1% من الوظائف التي يشغلها الشباب بين 15 و29 عامًا تقع في مهن شديدة التأثر بتحولات الذكاء الاصطناعي.
ولا تعني قابلية الوظائف للتأثر بالذكاء الاصطناعي أنها ستختفي بالضرورة، وإنما تشير إلى إمكانية تغير طبيعة المهام التي يؤديها العاملون فيها، مع انتقال جزء من الأعمال من التنفيذ التقليدي إلى استخدام الأدوات والأنظمة الذكية.
وهنا يبرز تحدي جديد أمام الشباب، يتمثل في ضرورة اكتساب مهارات تساعدهم على التعامل مع التكنولوجيا بدلًا من منافستها بصورة مباشرة.
فالوظائف التي كانت تعتمد على تنفيذ مهام روتينية قد تشهد تحولًا كبيرًا، بينما يمكن أن ترتفع قيمة العامل القادر على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاجية وتحليل المعلومات واتخاذ القرارات وتنفيذ المهام بصورة أكثر كفاءة.
وظائف البداية تحت الضغط
يمثل هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة إلى الشباب، لأن كثيرًا من الوظائف التي يبدأ بها الخريجون حياتهم المهنية تكون مرتبطة بمهام روتينية أو قابلة للتنظيم والأتمتة.
وفي الماضي، كانت هذه الوظائف تمثل وسيلة أساسية لاكتساب الخبرة الأولى، حتى لو كانت أجورها محدودة أو طبيعتها مؤقتة. أما مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، فقد تتغير طبيعة هذه الوظائف، ما يفرض إعادة التفكير في الطريقة التي يحصل بها الشباب على خبرتهم الأولى.
وتصبح الحاجة أكبر إلى توفير مسارات تدريبية تسمح للشباب باكتساب الخبرة المهنية إلى جانب المهارات الرقمية، بدلًا من تركهم أمام سوق عمل يتغير بسرعة أكبر من قدرة الأنظمة التعليمية والتدريبية على الاستجابة.
الذكاء الاصطناعي بين زيادة الإنتاجية وفقدان بعض المهام
يحمل الذكاء الاصطناعي وجهين متناقضين بالنسبة إلى سوق العمل.
فمن جهة، يمكن للتقنيات الحديثة أن ترفع الإنتاجية وتساعد الشركات على إنجاز المهام بسرعة وكفاءة أكبر، كما يمكن أن تخلق مجالات مهنية جديدة مرتبطة بتطوير واستخدام الأنظمة الذكية.
ومن جهة أخرى، يمكن أن تؤثر هذه التقنيات في بعض الوظائف القائمة، خصوصًا الوظائف التي تتضمن مهام قابلة للأتمتة أو تعتمد بدرجة كبيرة على الأعمال المتكررة.
وترى سارة إيلدر أن الذكاء الاصطناعي قادر على رفع الإنتاجية، لكنه في الوقت نفسه يؤثر في وظائف قائمة، الأمر الذي يجعل الاستثمار في تدريب الشباب وإتاحة فرص التعلم المستمر ضرورة أساسية خلال المرحلة المقبلة.
كما تبرز أهمية وجود سياسات تضمن أن يؤدي استخدام التكنولوجيا إلى دعم العاملين ورفع كفاءتهم بدلًا من النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلًا كاملًا عن العنصر البشري.
شاب خارج العمل والتعليم والتدريب
ولا تتوقف تداعيات أزمة سوق العمل عند الشباب الذين يبحثون عن وظيفة، إذ توجد فئة أخرى أكثر عرضة للتهميش، تتمثل في الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يحصلون على تدريب.
وتشير البيانات التي عرضتها منظمة العمل الدولية إلى أن واحدًا من كل خمسة شباب عالميًا يقع ضمن هذه الفئة.
وتزداد خطورة المؤشر مع حقيقة أن الشابات يمثلن نحو ثلاثة أرباع هذه الفئة، بما يعكس وجود عوائق إضافية تحول دون وصول عدد كبير من الفتيات إلى التعليم أو التدريب أو فرص العمل.
ولا تعني هذه الأرقام فقط ضياع فرصة الحصول على وظيفة في الوقت الراهن، وإنما قد تؤدي فترات الانقطاع الطويلة عن التعليم والتدريب والعمل إلى تراجع المهارات، وصعوبة العودة إلى سوق العمل، واتساع الفجوة في الدخل والفرص مستقبلًا.
الشابات أمام تحديات مضاعفة
تكشف الفجوة بين الشباب والشابات في الوصول إلى التعليم والتدريب والعمل عن ضرورة وضع سياسات أكثر قدرة على معالجة العوائق التي تحول دون المشاركة الاقتصادية للنساء الشابات.
فدخول المرأة الشابة إلى سوق العمل لا يرتبط فقط بتوفير وظيفة، وإنما يتطلب بيئة تساعدها على الاستمرار والتطور المهني، إلى جانب توفير التدريب والحماية الاجتماعية والفرص المتكافئة.
كما أن خروج أعداد كبيرة من الشابات من مسارات التعليم والعمل والتدريب يمثل خسارة اقتصادية، لأن الاقتصادات تفقد جزءًا من طاقتها البشرية التي يمكن أن تساهم في زيادة الإنتاج والنمو.
لماذا لا يكفي التدريب وحده؟
ورغم أهمية التدريب في مواجهة التحولات التي يشهدها سوق العمل، فإن منظمة العمل الدولية ترى أن الحل لا يمكن أن يختزل في تدريب الشباب على مهارات تقنية جديدة فقط.
فإذا لم توجد وظائف كافية لاستيعاب المتدربين، ستظل المشكلة قائمة، حتى لو ارتفع مستوى المهارات.
ولهذا تحتاج معالجة أزمة بطالة الشباب إلى سياسات متكاملة تجمع بين التعليم والتدريب والاستثمار ودعم الشركات والحماية الاجتماعية وتحسين بيئة الأعمال.
كما تحتاج الشركات نفسها إلى المشاركة في تأهيل الشباب، من خلال توفير فرص التدريب العملي والتوظيف الأولي، بدلًا من اشتراط سنوات طويلة من الخبرة أمام حديثي التخرج.
ما المطلوب لفتح أبواب سوق العمل؟
تطرح منظمة العمل الدولية مجموعة من المسارات التي يمكن أن تساعد في توسيع فرص الشباب، تبدأ من إصلاح التعليم وتطوير المناهج، ولا تنتهي عند تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي.
ومن أبرز هذه المسارات تحديث التعليم وربطه بصورة أكبر باحتياجات سوق العمل، بما يسمح بتقليل الفجوة بين المهارات التي يحصل عليها الطالب والمهارات التي تحتاجها الشركات.
كما تبرز أهمية دعم الشركات لتوظيف الشباب، خاصة أن الحصول على الخبرة الأولى يمثل أحد أكبر العوائق أمام حديثي التخرج.
ويأتي كذلك توسيع نطاق الحماية الاجتماعية للعاملين الجدد، إلى جانب العمل على تقليص الاعتماد على القطاع غير الرسمي وتحسين انتقال العاملين منه إلى وظائف رسمية وأكثر استقرارًا.
وفي ظل التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي، يصبح من الضروري أيضًا دمج المهارات الرقمية ومهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي في التعليم والتدريب، بحيث يصبح الشاب قادرًا على استخدام التكنولوجيا كأداة لرفع إنتاجيته وليس مجرد متلقٍ لتأثيراتها.
الحاجة إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي
ولا تتعلق المسألة فقط بتعليم الشباب استخدام الأدوات الذكية، وإنما تمتد إلى وضع قواعد وسياسات تحكم استخدام الشركات لهذه التقنيات.
فمع توسع الذكاء الاصطناعي، تحتاج الحكومات إلى مراقبة تأثيراته على سوق العمل، والتأكد من أن التحول الرقمي لا يؤدي إلى توسيع الفجوة بين فئات العاملين، أو إقصاء الفئات الأقل قدرة على الوصول إلى التدريب والتكنولوجيا.
كما أن الشركات مطالبة بالنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة لتحسين أداء العاملين وتطوير مهاراتهم، وليس مجرد وسيلة لتقليص العمالة.
وتبرز هنا أهمية الاستثمار في إعادة تأهيل العاملين، خاصة الشباب الذين يعملون في وظائف معرضة للتحول نتيجة الأتمتة والأنظمة الذكية.
الوظيفة اللائقة هي التحدي الحقيقي
تكشف أزمة الشباب في الدول العربية أن القضية لا تتمثل فقط في عدد الوظائف التي يمكن توفيرها، وإنما في طبيعة تلك الوظائف.
فالحصول على وظيفة مؤقتة ومنخفضة الأجر ومن دون حماية اجتماعية لا يمثل حلًا كاملًا لمشكلة البطالة، خصوصًا إذا كان العامل لا يمتلك فرصة حقيقية للتطور أو الانتقال إلى وظيفة أفضل.
ومن ثم، فإن الهدف الأساسي يجب أن يكون توفير وظائف لائقة ومستقرة تمنح الشباب فرصة لبناء مستقبل مهني واقتصادي واضح.
وهذا يتطلب سياسات تستهدف خلق وظائف ذات قيمة مضافة، وتشجع الاستثمار في القطاعات القادرة على استيعاب العمالة الشابة، وتدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوفر بيئة تسمح للشركات بالنمو والتوسع.
التحول التقني.. فرصة أم تهديد؟
في النهاية، لا يمكن التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا مطلقًا للوظائف، كما لا يمكن اعتباره حلًا تلقائيًا لمشكلة البطالة.
فالنتيجة ستعتمد بدرجة كبيرة على كيفية إدارة التحول التقني، ومدى استعداد الحكومات والمؤسسات التعليمية والشركات لتأهيل العاملين والشباب.
وإذا جرى الاستثمار في المهارات والتعليم والتدريب، فقد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لزيادة الإنتاجية وخلق مجالات مهنية جديدة وتحسين فرص الشباب.
أما إذا حدث التحول التكنولوجي من دون سياسات موازية للتدريب والحماية الاجتماعية وخلق فرص العمل، فقد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين من يمتلكون المهارات المطلوبة ومن يجدون أنفسهم خارج سوق العمل.

