محمد طلبة رضوان
كاتب صحافي
أنا مع "محاسن موتانا"، معها جدًّا جدًّا، حتى لو لم تكن حديثًا، وكانت فكرة، فهي نبيلة، المشكلة أن بعض موتانا لا يريدون أن يكونوا منا، وتزعجهم الضمائر التي تعيدهم إلينا، كما أنهم لا يتركون وراءهم ما يمكن تسميتها "محاسن". ولذلك مجرّد ذكر أقوالهم وتصريحاتهم، من دون إبداء الرأي فيها، وتركها "خامًا"، كما هي، يعدّ إساءة لهم أو شماتة بهم.
مات وزير العدل ورئيس نادي قضاة مصر الأسبق، أحمد الزند، مصري منا؟ لا. لماذا؟ لأنه يرى هذا، ويقول (مع توفيق عكاشة) على الهواء: "احنا هنا على أرض هذا الوطن أسياد وغيرنا هم العبيد". وهذه ليست جملة عابرة، بل تصوّر ومنهج له خطابات وسياسات وممارسات، خذ مثلًا: حين جرى انتقاد تعيين أبناء القضاة في السلك القضائي بالواسطة، وبالتجاوز لأوائل خرّيجي كليات الحقوق من أبناء المصريين العاديين، قال الزند، في 2012، "سيظل تعيين أبناء القضاة سنة بسنة، ولن تكون قوة في مصر تستطيع أن توقف هذا الزحف المقدّس…". قيل هذا الكلام في نادي القضاة، وأمام الرأي العام، وردًّا على مطالبات بتوقف فساد توريث المناصب، وبعد ثورة شعبية قامت من أجل إيقاف مشروع توريث أصلًا. التوريث = الزحف المقدّس.
يبرّر أحمد الزند (مع حمدي رزق) تصريحاته بأنها مجتزأة من سياقها، وبأنها جاءت دفاعًا عن هيبة القضاء من هجمات الإخوان المسلمين والعملاء والممولين من الغرب… وإلخ. أما السياق فيمكنك أن تذهب إلى "يوتيوب"، والدفاع عن القضاء حقٌّ وواجب، لكنه هنا مشكلة، فلو اعتمدنا كلام الزند وكتبنا أمام كل تصريح له: "صادر عن قاض"، من دون أن نتجاوز منهجنا في عدم التدخل في تصريحات الزند، وتركها كما هي، فالمشكلة تتضاعف، والسياق يزداد تأزّمًا، والمعنى يزداد سوءًا وضحالة وفُحشا، خذ مثلا: يسأله رزق عن سجن الصحافيين: فيقول الزند: "إن شالله يكون نبي"، وهي الجملة التي سبّبت موجة غضب أزاحته عن منصب وزير العدل، رغم أنه استغفر بعدها مباشرة، ثم برّرها بأنها زلّة لسان، وهي كذلك، هي بالفعل زلّة لسان، والاستغفار على الهواء، ثم التنصّل من المعنى السلبي، بعد الحلقة، كافيان لتصديقه ولتجاوزها. ولكن ماذا لو كتبنا أمامها: "زلّة لسان صادرة عن قاض"؟ تجاوز الإدانة الدينية هنا لن ينهي المشكلة، بل سيزيدها، هذا قاضٍ، مهنته تُعوده على الحذر، على التحرّي، على اختيار مفرداته، على ميزانها بالذهب، فهي أحكام، أين حساسية المهنة، أين القاضي؟
هذا سؤالٌ سوف يصحبك أمام كل كلمة ينطق بها الزند، برّرها بأنها زلّة، أو صرّح بها واثقًا، مرتاحًا، مختالًا، هل ثمّة قاض يقول، وهو وزير للعدل، عن شهداء القوات المسلحة: "أقسم بالله العظيم، أنا شخصيًا، لن تنطفئ النار في قلبي إلا إذا كان مقابل كل واحد على الأقل عشرة آلاف"؟. وحين سأله أحمد موسى عمّن يقصد، لم يحصر كلامه في مرتكبي القتل، بل شمل به "الإخوان" ومن يعاونهم "ومن يحبهم". هذه عبارة تصدر عن وليّ دم، حزنًا أو غضبًا، لكن عن قاض؟ الواحد بعشرة آلاف؟ في شرع من؟ في قانون من؟ هذه ليست مفردات صاحب منصة قضاء، بل صاحب ثأر وزعيم قبيلة، وهي فرع عن تصورات الزند عن الأسياد والعبيد، فدماء العبيد أرخص، وسجنهم أولى، ورفضهم تعيين الخائبين من أبناء الأسياد "حقد وكراهية".
كان الزند في حياته ممثلًا عن الدولة المصرية الحالية، وجاء موته ليستدعي رأي ممثلي هذه الدولة في مواطنيها، بوصفهم حقودين وشامتين، ورأيهم في كل ما سبق من تصريحات الزند، فهي: قوة، وهيبة، وهو: أسد القضاء. لقد فاق حجم تعدّيات هذه الدولة على مواطنيها حدود حاجتهم إلى الحجاج والاستدلال، يكفي أن تأتي بالمسؤول نفسه، رئيسًا أو وزيرًا أو قاضيًا أو إعلاميا، وتعيد نشر ما قال: خطاباته، تصريحاته، مقالاته، حلقاته، ولن تحتاج أن تشهد له أو عليه، فشهادته تكفي، أما آخرته، فهي بيد الله وحده.

