تشهد حركة التجارة العالمية حالة من الاضطراب المتزايد نتيجة استمرار التوترات العسكرية في منطقة الخليج العربي، خاصة في محيط مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والبضائع حول العالم.
ومع تصاعد المخاوف من اتساع نطاق الصراع وعدم التوصل إلى اتفاق يضمن استقرار الملاحة الدولية، بدأت تداعيات الأزمة تنعكس بصورة مباشرة على تكاليف النقل والشحن البحري، الأمر الذي يهدد بارتفاع أسعار السلع ومستلزمات الإنتاج في الأسواق المصرية خلال الفترة المقبلة.
وأكد مسؤولون وخبراء في قطاع النقل والتجارة أن أسعار الشحن البحري شهدت ارتفاعات قياسية خلال الأسابيع الأخيرة، مدفوعة بزيادة أسعار الوقود عالميًا وفرض رسوم إضافية على السفن والحاويات تحت مسمى "مخاطر الحرب"، إلى جانب اضطرار العديد من شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها بعيدًا عن مناطق التوتر، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات ورفع تكاليف التشغيل.
زيادات ضخمة في أسعار الشحن
وقال رئيس شعبة النقل الدولي باتحاد الغرف التجارية، أيمن الشيخ، إن أسعار الشحن البحري ارتفعت بصورة ملحوظة منذ تفاقم الأزمة في مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن إجمالي الزيادة في بعض الخطوط الملاحية تراوح بين 200 و400% مقارنة بالمعدلات السابقة.
وأوضح أن شركات الشحن الدولية أضافت رسومًا استثنائية على الحاويات والبضائع المنقولة عبر المناطق المتأثرة بالتوترات الأمنية، لافتًا إلى أن بعض تلك الرسوم وصل إلى نحو 4000 دولار للحاوية الواحدة، وهو مستوى غير مسبوق يعكس حجم المخاطر التي تواجه قطاع النقل البحري العالمي في الوقت الراهن.
وأضاف أن بعض شركات الملاحة فرضت رسوم طوارئ أقل نسبيًا تراوحت بين 160 و400 دولار للحاوية، إلا أن التأثير التراكمي لهذه الرسوم، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود، ساهم في رفع التكلفة النهائية لواردات مصر.
تأثير مباشر على أسعار السلع
ويرى متخصصون في قطاع الاستيراد أن الارتفاعات المتلاحقة في تكاليف الشحن والتأمين والطاقة العالمية ستنعكس تدريجيًا على أسعار السلع داخل السوق المحلية، خاصة السلع المستوردة التي تعتمد بشكل كامل على النقل البحري.
وأكد مصدر بشعبة المستوردين باتحاد الغرف التجارية أن الأزمة الحالية تدفع بالفعل نحو زيادة مرتقبة في أسعار العديد من المنتجات، موضحًا أن السلع المستوردة تامة الصنع ستكون الأكثر تأثرًا بالأوضاع الراهنة.
وأشار إلى أن الزيادات المتوقعة في أسعار المنتجات المستوردة قد تتراوح بين 10 و50% وفقًا لطبيعة السلعة وحجم تكاليف النقل المرتبطة بها، بينما قد تشهد الصناعات المحلية المعتمدة على خامات ومكونات مستوردة زيادات تتراوح مبدئيًا بين 5 و15% إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
الصناعات المحلية ليست بمنأى عن التأثير
ورغم أن جزءًا كبيرًا من المنتجات يتم تصنيعه داخل مصر، فإن العديد من المصانع تعتمد على استيراد مواد خام ومكونات إنتاج من الخارج، ما يجعلها عرضة للتأثر بأي زيادة في تكاليف النقل أو التأمين.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار ارتفاع أسعار الشحن لفترة ممتدة قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج في عدد من القطاعات الصناعية، وهو ما سينعكس في النهاية على أسعار المنتجات النهائية التي تصل إلى المستهلك.
كما قد تواجه بعض المصانع تحديات إضافية تتعلق بتأخر وصول الشحنات نتيجة تغيير مسارات السفن أو ازدحام الموانئ البديلة، الأمر الذي قد يؤثر على سلاسل الإمداد العالمية والإقليمية.
بدائل جديدة لتجنب المخاطر
وفي محاولة لتقليل المخاطر المرتبطة بالنقل البحري عبر مناطق التوتر، اتجه عدد متزايد من المصدرين والمستوردين إلى استخدام مسارات بديلة لنقل البضائع.
وشهد خط النقل البري – البحري بين ميناء سفاجا المصري وميناء ضبا السعودي ارتفاعًا ملحوظًا في حجم الطلب خلال الأشهر الأخيرة، مع سعي الشركات لتأمين حركة البضائع وتجنب التأخير أو المخاطر المحتملة في بعض المسارات البحرية التقليدية.
ويؤكد العاملون في قطاع النقل أن هذا التحول يعكس محاولات السوق التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، إلا أن البدائل المتاحة لا تزال أكثر تكلفة مقارنة بالمسارات المعتادة.
متى يشعر المستهلك بالزيادة؟
رغم التوقعات بارتفاع الأسعار، فإن انعكاس تلك الزيادات على الأسواق المحلية لن يكون فوريًا في جميع القطاعات، وذلك بسبب وجود مخزونات سلعية لدى بعض الشركات والمستوردين، إضافة إلى عقود استيراد تم إبرامها قبل اندلاع الأزمة الحالية.
لكن مع استمرار ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، يتوقع مختصون أن تبدأ موجة إعادة تسعير العديد من المنتجات خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع وصول الشحنات الجديدة التي تحمل التكاليف المرتفعة الحالية.
أبرز السلع المرشحة للارتفاع
وتأتي على رأس السلع المتوقع تأثرها بالأزمة الحالية المنتجات المستوردة أو المرتبطة بخامات مستوردة، وتشمل الوقود والحبوب والزيوت الغذائية والسيارات والهواتف المحمولة والأجهزة الكهربائية والأدوية والكيماويات ومستلزمات الإنتاج الصناعية.

