تصاعد الخلاف بين إيران وقطر بشأن مصير ثلاثة طيارين إيرانيين فقدوا عقب إسقاط مقاتلاتهم في مارس الماضي، بعدما اتهم الحرس الثوري الإيراني الدوحة بمنع لجنة تضم خبراء ومتخصصين من دخول الأراضي القطرية لإجراء تحقيق ميداني.
وفي المقابل، نفت وزارة الخارجية القطرية احتجاز أي طيارين، مؤكدة أن فرقها بحثت عن رفاتهم وعثرت على رفات أحدهم، كما قالت إنها دعت فريقًا إيرانيًا إلى زيارة الموقع في أبريل، لكن طهران لم تستجب. ويكشف التضارب الحاد بين الروايتين عن أزمة متصاعدة تحتاج إلى تحقيق مشترك وشفاف لحسم مصير الطيارين وإنهاء تبادل الاتهامات.
إيران تطالب بتحقيق ميداني
قال الحرس الثوري الإيراني، الأحد، إن السلطات القطرية ترفض السماح بدخول لجنة إيرانية متخصصة في تقصي الحقائق، بهدف زيارة موقع إسقاط المقاتلات والتحقيق ميدانيًا في مصير الطيارين الإيرانيين الذين تقول طهران إن الدوحة تحتجزهم.
وأوضح الحرس الثوري أن خبراءه ينتظرون منذ عدة أشهر الحصول على تصريح لدخول الأراضي القطرية، مشيرًا إلى أن اللجنة تضم متخصصين قادرين على فحص الموقع وجمع الأدلة وتحديد ما حدث للطيارين منذ فقدان الاتصال بهم في مارس الماضي.
وشدد الحرس على ضرورة تمكين الفريق الإيراني من الوصول إلى الموقع بدلًا من استمرار قطر في نفي ما وصفه بقضية احتجاز الطيارين. واعتبر أن التحقيق المباشر هو الطريق الوحيد للوصول إلى نتائج موثوقة وإنهاء الغموض المحيط بالواقعة.
وبحسب الرواية الإيرانية، تحتجز قطر ثلاثة طيارين منذ إسقاط مقاتلاتهم، وهي رواية دفعت الحرس الثوري إلى مطالبة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتدخل والمساعدة في ضمان الإفراج عنهم، باعتبارهم محتجزين لدى السلطات القطرية.
ولم يقدم الحرس الثوري، وفق المعلومات المعلنة، تفاصيل إضافية بشأن الأدلة التي يستند إليها في تأكيد بقاء الطيارين على قيد الحياة أو احتجازهم. كما لم يوضح ظروف إسقاط المقاتلات أو المسار الذي دخلت منه المجال الجوي القطري.
ومع ذلك، تتمسك طهران بطلب دخول خبرائها، وترى أن رفض هذا الطلب يثير مزيدًا من الشكوك بشأن مصير الطيارين. وتطالب الدوحة بالسماح بإجراء تحقيق فني وميداني بدلًا من الاكتفاء بالتصريحات والبيانات الرسمية المتبادلة بين الجانبين.
وتضع المطالب الإيرانية قطر أمام ضغوط للكشف عن جميع المعلومات المتاحة بشأن عمليات إسقاط الطائرات والبحث والإنقاذ، بما في ذلك التسجيلات المتعلقة بمحاولات التواصل مع الطيارين ومواقع سقوط المقاتلات وما جمعته الفرق القطرية من أدلة أو رفات.
ويأتي التصعيد الإيراني في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متزايدة، ما يجعل قضية الطيارين أبعد من كونها خلافًا فنيًا محدودًا. إذ قد تؤثر الاتهامات المتبادلة على العلاقات بين البلدين، وعلى جهود الوساطة وخفض التصعيد التي تقول الدوحة إنها تواصلها.
الدوحة تنفي رواية الاحتجاز
ونفت وزارة الخارجية القطرية بشكل قاطع الادعاءات الإيرانية بشأن احتجاز ثلاثة طيارين، وأعربت عن استغرابها مما وصفته بالتصريحات المضللة، خصوصًا أنها صدرت بينما تبذل الدوحة جهودًا دبلوماسية تهدف إلى خفض التصعيد ومنع اتساع المواجهة في المنطقة.
وقال المتحدث الرسمي باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إن السلطات تواصلت مع الطيارين المعنيين بعد دخولهم المجال الجوي القطري، بهدف التحقق من مسارهم وطبيعة المهمة التي كانوا ينفذونها، قبل اتخاذ الإجراءات الدفاعية اللازمة.
وأضاف الأنصاري أن الجهات القطرية حاولت التواصل مع الطيارين وفق قواعد الاشتباك المعتمدة، لكنها لم تتلق ردًا منهم. وعلى إثر ذلك، اتخذت قطر إجراءات قالت إنها ضرورية للدفاع عن أراضيها وسيادتها وفق مقتضيات القانون الدولي.
وأكد المتحدث أن هذه الإجراءات لم تكن سرية، وأن الدوحة سبق أن أعلنت تفاصيلها من خلال القنوات الرسمية. وبذلك ترفض قطر تصوير الواقعة باعتبارها عملية احتجاز، وتقدمها بوصفها تعاملًا دفاعيًا مع طائرات دخلت مجالها الجوي.
كما أوضح الأنصاري أن فرق الإنقاذ القطرية نفذت عمليات بحث عن رفات الطيارين عقب سقوط المقاتلات. وأكد أن هذه العمليات أسفرت عن العثور على رفات أحدهم، بينما لم يعلن العثور على الطيارين الآخرين أو تحديد مصيرهما بصورة نهائية.
ووفق الرواية القطرية، تواصلت الدوحة مع الجانب الإيراني بهدف تنسيق تسليم الرفات التي عثر عليها، وفق أحكام القانون الدولي الإنساني. ويعارض ذلك مباشرة تأكيد الحرس الثوري أن الطيارين الثلاثة محتجزون داخل الأراضي القطرية.
وتقول قطر كذلك إنها وجهت في أبريل الماضي دعوة إلى فريق إيراني لزيارة موقع الحادث، والاطلاع على تفاصيل عمليات البحث والإنقاذ التي أجرتها فرقها، إلا أن الجانب الإيراني لم يستجب لهذه الدعوة حتى الآن.
وتتناقض هذه النقطة تحديدًا مع إعلان الحرس الثوري أن خبراءه ينتظرون منذ أشهر السماح لهم بالدخول. فبينما تؤكد إيران أن قطر تمنع اللجنة، تقول الدوحة إنها بادرت بالدعوة، لكن طهران لم تتخذ الإجراءات اللازمة للاستجابة لها.
روايتان وتحقيق غائب
ويكشف تضارب التصريحات عن فجوة واسعة بين روايتي البلدين، سواء بشأن الحالة القانونية للطيارين أو مصيرهم أو الدعوات المتبادلة لزيارة الموقع. ولا يمكن حسم هذه الفجوة عبر بيانات منفردة ما لم تعرض الأدلة المتاحة بصورة كاملة.
فالرواية الإيرانية تنطلق من فرضية أن الطيارين الثلاثة نجوا من إسقاط مقاتلاتهم، ثم احتجزتهم السلطات القطرية. ولهذا تطالب طهران بالإفراج عنهم، وتطلب تدخل الصليب الأحمر، وتصر على إرسال لجنة للتحقيق داخل موقع الحادث.
أما الرواية القطرية فتؤكد عدم وجود محتجزين، وتقول إن الطائرات أسقطت بعد خرق المجال الجوي وعدم استجابة طياريها لمحاولات الاتصال. ثم انتقلت فرق الإنقاذ إلى البحث عنهم وعثرت على رفات أحد الطيارين فقط.
ولا يقتصر الخلاف على مصير الأشخاص الثلاثة، بل يمتد إلى مسألة التعاون الفني بين البلدين. فكل طرف يتهم الآخر ضمنيًا بعرقلة وصول فريق إيراني إلى الموقع، ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة المراسلات الرسمية والإجراءات التي أعقبت دعوة أبريل.
وقد يمثل تشكيل لجنة مشتركة تضم خبراء من البلدين، بمشاركة جهة دولية محايدة مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، خطوة ضرورية للتحقق من الوقائع. ويمكن للجنة مراجعة الاتصالات الجوية وتسجيلات الرادار وأعمال البحث والأدلة التي عثر عليها.
كما يتطلب التحقيق تحديد مواقع سقوط المقاتلات، وفحص أي حطام أو متعلقات شخصية، والتحقق من هوية الرفات التي قالت قطر إنها عثرت عليها. ومن شأن هذه الإجراءات أن توفر إجابات لأسر الطيارين وتحد من توظيف القضية في التصعيد.
وفي غياب تحقيق شفاف، ستبقى الاتهامات الإيرانية والنفي القطري متقابلين دون نتيجة حاسمة. وقد يؤدي استمرار السجال إلى توسيع الخلاف، خصوصًا إذا واصلت طهران الحديث عن احتجاز متعمد، وتمسكت الدوحة باعتبار الاتهامات مضللة وغير قائمة على أدلة.
وتظل القضية اختبارًا لقدرة إيران وقطر على إدارة خلاف شديد الحساسية بعيدًا عن التصعيد. فالكشف عن مصير الطيارين يتطلب تعاونًا عمليًا وتبادلًا موثقًا للمعلومات، لا الاكتفاء ببيانات متعارضة تزيد الغموض ولا تمنح أسر المفقودين إجابات نهائية.

