تحل الثلاثاء 18 أغسطس الذكرى الثالثة عشرة لمذبحة سيارات ترحيلات أبو زعبل، التي راح ضحيتها 37 معتقلًا بعد حشرهم مع آخرين داخل سيارة لا تتسع لهذا العدد، واحتجازهم لساعات في حرارة شديدة، قبل إطلاق قنبلة غاز داخل العربة المغلقة، وفق روايات وشهادات متداولة عن الواقعة.

 

جاءت الجريمة بعد أربعة أيام فقط من فض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس 2013، الذي أسفر عن سقوط قرابة 1500 قتيل من المدنيين، لتتحول عربة الترحيلات إلى امتداد للمشهد الدموي الذي أعقب الفض، ودليل على أن الخطر لم يتوقف عند ميدان الاعتصام، بل لاحق المعتقلين وهم مكبلو الأيدي وتحت الحراسة الرسمية.

 

وبعد 13 عامًا، لا تزال الواقعة تثير أسئلة جوهرية بشأن المسؤولية الجنائية والسياسية، وتوصيف الاتهامات، وتخفيف الأحكام الصادرة بحق الضباط المتهمين، وسط مخاوف حقوقية من ضياع دماء الضحايا وطمس الأدلة، وتكرار مسار الإفلات من العقاب الذي أعقب وقائع قتل أخرى شهدتها مصر.

 

 

45 معتقلًا داخل عربة تتسع لـ24

 

بدأت فصول المأساة في 18 أغسطس 2013، عندما جرى وضع 45 معتقلًا مكبلين بالأغلال داخل سيارة ترحيلات مخصصة لنقل 24 شخصًا فقط، في ظل درجة حرارة قاربت 40 درجة، بينما كانت السيارة مغلقة ومكتظة على نحو جعل التنفس داخلها بالغ الصعوبة.

 

كان المعتقلون قد ألقي القبض عليهم في سياق الأحداث التي أعقبت فض اعتصام رابعة العدوية، ثم تقرر نقلهم من قسم شرطة مدينة نصر في القاهرة إلى سجن أبو زعبل، وهم تحت السيطرة الكاملة لقوات الأمن ولا يملكون حرية الحركة أو القدرة على حماية أنفسهم.

 

استمر احتجاز المعتقلين داخل العربة نحو سبع ساعات، في أجواء خانقة ووسط تكدس بشري شديد، قبل أن يبدأوا في الاستغاثة وطرق أبواب السيارة طلبًا للهواء والمساعدة، بعدما تصاعدت معاناتهم وأصبح استمرارهم داخلها يهدد حياتهم بصورة مباشرة.

 

وبدلًا من فتح الأبواب أو التدخل لإنقاذ المحتجزين، أمر الضباط المسؤولون، بحسب ما ورد في الروايات المرسلة، بإلقاء قنبلة غاز داخل عربة الترحيلات، فامتلأت المساحة المغلقة بالغاز، بينما عجز المعتقلون المكبلون عن الهرب أو تفادي آثاره القاتلة.

 

أسفر إطلاق الغاز داخل العربة عن وفاة 37 معتقلًا اختناقًا، بينما نجا ثمانية فقط من أصل 45 شخصًا كانوا محتجزين فيها. وجاءت الوفيات داخل مركبة تابعة للشرطة وتحت إشراف القوة المكلفة بنقل المعتقلين وحمايتهم حتى وصولهم إلى مقر الاحتجاز.

 

وتطرح تفاصيل الواقعة سؤالًا يتجاوز كل محاولات تبرير ما حدث في رابعة، إذ كان ضحايا العربة معتقلين مقيدي الحرية والحركة، ولم يكونوا داخل ميدان أو في مواجهة مع قوات الأمن، بل كانوا تحت السيطرة الكاملة للجهات المسؤولة عن نقلهم.

 

وكانت السلطات وأذرعها الإعلامية قد دأبت على تحميل المعتصمين مسؤولية سقوط الضحايا خلال فض رابعة، بزعم أن موعد الفض سُرّب قبل تنفيذه وأن المشاركين اختاروا البقاء، رغم تأكيد شهود عيان أن القسم الأكبر من المعتصمين لم يكن يعلم بالموعد.

 

لكن هذه الذريعة، حتى مع افتراض صحتها، لا تقدم تفسيرًا لمقتل معتقلين داخل عربة شرطة مغلقة. فالضحايا لم يكن أمامهم طريق للمغادرة، ولم يمتلكوا قرار البقاء أو الرحيل، كما لم يستطيعوا دفع الغاز أو فتح الأبواب أو إنقاذ أنفسهم.

 

 

جنحة بدلًا من القتل العمد

 

أثارت الواقعة صدمة واسعة بين الحقوقيين، الذين اعتبروها جريمة وحشية ارتكبت بحق أشخاص مقيدين لم يتمكنوا من دفع الضرر عن أنفسهم، بينما أثار توصيف النيابة للواقعة بوصفها جنحة انتقادات حادة ومطالب باعتبارها جناية قتل عمد.

 

وبررت النيابة هذا التوصيف بعدم معرفة المتهمين بآثار إطلاق قنابل الغاز على عدد كبير من المعتقلين داخل عربة مكتظة ومغلقة، وهو ما رأى حقوقيون أنه سهّل تخفيف المسؤولية الجنائية وأضعف فرص محاسبة المتورطين بما يتناسب مع حجم الجريمة وعدد ضحاياها.

 

وأكد مركز العدالة الآن أن ما جرى يمثل جريمة مكتملة الأركان تستوجب المساءلة الجنائية والسياسية، مندّدًا بعدم فتح تحقيق جدي ومستقل يحيط بجميع ملابسات الحادث ويحدد المسؤوليات الكاملة، بدلًا من حصر القضية في أخطاء محدودة ارتكبها عدد من الضباط.

 

ووصف رئيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد الحادث بأنه جريمة بشعة بحق معتقلين مقيدين، مؤكدًا أن الضحايا قتلوا بعلم من كانوا مكلفين بحمايتهم، ما يجعل محاسبة المسؤولين ضرورة لا يمكن تجاوزها أو اختزالها في الإهمال.

 

وحذر عيد من ضياع حقوق القتلى وذهاب دمائهم هدرًا، كما حدث مع ضحايا ثورة 25 يناير، في ظل تبرئة متهمين بقتل متظاهرين وعدم الوصول إلى محاسبة حقيقية تعترف بحقوق الضحايا وتمنع تكرار الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.

 

كما أثار تقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية بشأن تفاصيل مذبحة عربة الترحيلات صدمة في الأوساط الحقوقية المصرية، ودفع ناشطين إلى تجديد مطالبهم بإجراء تحقيق مستقل يحدد المسؤولين عن القرار والتنفيذ ومحاولات طمس حقيقة ما جرى داخل السيارة.

 

ولم تقتصر المخاوف الحقوقية على ضعف الأحكام، بل امتدت إلى احتمالات إخفاء أدلة الإثبات أو تفريغ القضية من مضمونها، بما يسمح بإغلاق الملف قضائيًا دون الوصول إلى الحقيقة الكاملة بشأن ظروف الاحتجاز وإطلاق الغاز وسلسلة الأوامر والمسؤوليات.

 

 

أحكام مخففة وتسريب يثير الشبهات

 

في أغسطس 2015، قضت محكمة مصرية بتخفيف الحكم الصادر على نائب مأمور قسم شرطة مصر الجديدة المقدم عمرو فاروق، ليصبح الحبس خمس سنوات بدلًا من عشر سنوات، رغم سقوط 37 ضحية وإصابة آخرين داخل سيارة الترحيلات.

 

كما عاقبت المحكمة الضباط إبراهيم محمد المرسي وإسلام عبد الفتاح حلمي ومحمد يحيى عبد العزيز بالحبس سنة واحدة لكل منهم مع إيقاف التنفيذ، بعدما أسندت النيابة إلى المتهمين الأربعة تهمتي القتل والإصابة الخطأ بحق المعتقلين داخل العربة.

 

وفي فبراير 2018، أيدت محكمة النقض الأحكام الصادرة، ليغلق المسار القضائي عند عقوبات رآها حقوقيون غير متناسبة مع عدد الضحايا وقسوة تفاصيل الواقعة، ولا تحقق الردع أو تنصف أسر من ماتوا اختناقًا وهم تحت الحراسة.

 

وزادت الشكوك بعد تسريب أذاعته قناة الشرق في ديسمبر 2014، بشأن لقاء جمع اللواء عباس كامل، الذي كان مسؤولًا في مكتب عبد الفتاح السيسي، واللواء ممدوح شاهين مساعد وزير الدفاع للشؤون القانونية، وتناول قضية أحد الضباط المتهمين.

 

وبحسب مضمون التسريب، طلب كامل من شاهين التدخل لدى القضاء لمساعدة أحد المتهمين لأنه نجل لواء في الجيش، بينما وعد شاهين بتسوية الأمر، ما أثار تساؤلات خطيرة بشأن احتمالات التأثير على مسار القضية وتوفير الحماية لبعض المتهمين خارج نطاق القضاء.

 

ويعزز التسريب المخاوف من أن المحاكمات لم تكن كافية لكشف جميع الملابسات، خصوصًا مع تخفيف العقوبات وإيقاف تنفيذ أحكام ثلاثة ضباط، والإبقاء على توصيف القتل والإصابة الخطأ بدلًا من التعامل مع الواقعة باعتبارها جريمة قتل عمد.

 

وبعد مرور 13 عامًا، تظل سيارة ترحيلات أبو زعبل شاهدًا على واحدة من أبشع وقائع القتل داخل منظومة الاحتجاز المصرية. فقد دخل المعتقلون السيارة أحياء وتحت مسؤولية الدولة، ثم خرج 37 منهم جثامين، بينما بقيت الحقيقة الكاملة بعيدة عن تحقيق مستقل.

 

ولا تقتصر ذكرى الضحايا على استعادة تفاصيل موتهم، بل تعيد طرح سؤال العدالة الغائبة، والمسؤولية عن حشر 45 إنسانًا في عربة تتسع لـ24، واحتجازهم سبع ساعات، ثم مواجهة استغاثاتهم بقنبلة غاز حوّلت السيارة إلى غرفة اختناق جماعي.