حمّلت جهات الكهرباء أهالي منطقة جبل الشيخ حسين بالبطحة في الغربي بهجورة بمحافظة قنا تكلفة كابلات تبلغ 65 ألف جنيه لتركيب العدادات القانونية بمنازلهم، ما أبقاهم عالقين تحت نظام الممارسة رغم طلبهم تقنين الخدمة.

 

ويكشف تحميل سكان منطقة جبلية فقيرة تكلفة إنشاء البنية الأساسية كيف تنسحب الدولة من واجبها الخدمي، ثم تعاقب المواطنين بفواتير تقديرية لأنهم عجزوا عن تمويل شبكة كان يفترض أن توفرها لهم بوصف الكهرباء حقًا أساسيًا.

 

كابلات غائبة وعدادات معطلة

 

في البداية، أوضح الأهالي أنهم يريدون التعاقد رسميًا مع شركة الكهرباء وتركيب عدادات قانونية، لكن غياب الكابلات اللازمة يمنع إتمام الإجراءات ويبقي منازلهم خارج منظومة المحاسبة المنتظمة رغم استعدادهم لسداد الاستهلاك الفعلي.

 

وبحسب السكان، تواصلوا مرارًا مع الجهات المختصة لبحث المشكلة، قبل إبلاغهم بأن تنفيذ الكابلات المطلوبة سيكلف نحو 65 ألف جنيه يتحملونها بأنفسهم، وهو مبلغ يتجاوز قدرات غالبية الأسر المقيمة في المنطقة.

 

وفي المقابل، تقع منطقة جبل الشيخ حسين أمام مدرسة الصوامعة ضمن نطاق الغربي بهجورة، وتتميز بطبيعة جبلية تزيد صعوبة تنفيذ التوصيلات، لكنها لا تسقط مسؤولية شركة التوزيع عن تخطيط الشبكة وتوصيل الخدمة للمناطق المحرومة.

 

علاوة على ذلك، يعتمد معظم السكان على الأعمال اليومية والأجور المحدودة، ما يجعل جمع المبلغ المطلوب شبه مستحيل، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الغذاء والنقل والخدمات وتآكل الدخول أمام موجات الغلاء المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة.

 

ومن ناحية أخرى، لا يطلب الأهالي توصيلًا عشوائيًا أو إعفاءهم من دفع الاستهلاك، بل يطالبون بعدادات رسمية تتيح قياس ما يستهلكونه بدقة وتمنح الشركة مستحقاتها دون تقديرات جزافية أو اتهامات ضمنية بمخالفة القانون.

 

كما أن الدكتور حافظ سلماوي رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء الأسبق أوضح أن العدادات جاءت لإنهاء الممارسة، مؤكدًا أن النظام القديم لم يكن عادلًا لأنه يعتمد على مبالغ تقديرية لا تعكس الاستهلاك الحقيقي للمواطن.

 

وبالتالي، تدعم رؤية سلماوي مطلب الأهالي فنيًا، لأن تركيب العدادات يضمن للشركة تحصيل قيمة الطاقة المستخدمة، ويمنح السكان محاسبة قابلة للقياس والمراجعة، بدل إبقائهم داخل نظام يعترف الخبراء أنفسهم بغياب العدالة عنه.

 

وفوق ذلك، يظل غياب الكابلات عقبة لا يستطيع المواطن حلها منفردًا، فالشبكات والمحولات وخطوط التوزيع مرافق جماعية تحتاج تخطيطًا وتمويلًا مؤسسيًا، ولا يصح تحويل تكلفتها كاملة إلى أسر تفتقر أصلًا إلى دخول مستقرة.

 

الممارسة تستنزف الفقراء

 

على صعيد المعاناة اليومية، يؤكد الأهالي أن استمرار نظام الممارسة يفرض عليهم عبئًا ماليًا إضافيًا، إذ يدفعون مبالغ لا تستند إلى قراءة عداد منزلي، بينما يظلون محرومين من مزايا التعاقد القانوني والمحاسبة بحسب الاستهلاك.

 

إضافة إلى ذلك، يخلق النظام حالة دائمة من القلق لدى الأسر، لأن قيمة الممارسة قد لا ترتبط باستخدامها الحقيقي، كما يصعب عليها تنظيم استهلاكها أو مراجعة الفواتير أو إثبات وجود خلل في تقدير المبالغ المطلوبة.

 

غير أن الدكتور أحمد الشناوي خبير الطاقة الكهربائية يرى أن تحديث العدادات يساعد شركات التوزيع على خفض الفقد التجاري، الذي بلغ في بعض الشركات نحو 30 في المئة، ويوفر موارد لازمة للصيانة والإحلال وتجديد الشبكات.

 

وفي ضوء ذلك، لا يتعارض تركيب العدادات القانونية مع مصلحة قطاع الكهرباء، بل يخدمها مباشرة عبر تسجيل الاستهلاك ورفع كفاءة التحصيل وتقليل الفقد، ما يجعل تعطيل التوصيل بسبب الكابلات قرارًا يضر بالمواطن والشركة معًا.

 

كذلك، يضع بقاء المنازل بلا عدادات الأهالي أمام مفارقة قاسية، فالوزارة تعلن التوسع في أجهزة القياس المسبق وتقنين المشتركين، بينما تعجز منطقة كاملة في قنا عن دخول المنظومة بسبب مطالبتها بتمويل البنية الأساسية.

 

ومع ذلك، لا يمكن فصل المشكلة عن التفاوت الخدمي بين المحافظات والمناطق، إذ تحصل تجمعات أكثر قدرة ونفوذًا على الشبكات والمرافق ضمن خطط التطوير، بينما يطلب من سكان المناطق الجبلية الفقيرة تمويل احتياجاتهم بأنفسهم.

 

إلى جانب ذلك، يمثل استمرار الوضع خطرًا على السلامة إذا دفع اليأس بعض السكان إلى حلول غير رسمية للحصول على الكهرباء، بينما كان يمكن منع المخاطر بتدخل حكومي يوفر الكابلات ويستكمل الشبكة وفق المواصفات الفنية المعتمدة.

 

لهذا السبب، طالب الأهالي بمعاملتهم أسوة بباقي المواطنين، وتمكينهم من التعاقد وتركيب العدادات دون تحميلهم تكلفة جماعية تفوق طاقتهم، مؤكدين أن التقنين يحفظ حقهم في الخدمة وحق الدولة في تحصيل قيمة الاستهلاك.

 

الحل مسؤولية الوزارة

 

أما على مستوى العدالة الاجتماعية، فقد انتقد عضو مجلس النواب ضياء الدين داود تحميل أصحاب العدادات غير القانونية أعباء غير متوازنة، معتبرًا أن تسعير الكهرباء يجب ألا يساوي بين الراغبين في التقنين والمتورطين في سرقة التيار.

 

وبناءً على ذلك، تنطبق ملاحظة داود على سكان جبل الشيخ حسين الذين يعلنون استعدادهم للتعاقد، إذ لا يجوز إبقاؤهم تحت الممارسة ثم معاملتهم كمخالفين، بينما يتمثل سبب الأزمة في عدم توفير الشركة للكابلات اللازمة.

 

ومن ثم، ينبغي لوزارة الكهرباء تكليف شركة التوزيع بإجراء معاينة فنية عاجلة تحدد أطوال الكابلات وقدرة الشبكة وعدد المنازل المستفيدة، ثم إدراج التنفيذ ضمن خطة دعم المناطق المحرومة بدل الاكتفاء بتسليم السكان مقايسة باهظة.

 

في الوقت نفسه، يمكن للوزارة تنفيذ المشروع على نفقتها أو تقسيط مساهمة رمزية تراعي دخول الأهالي، مع إعلان تفاصيل التكلفة بشفافية، حتى لا يتحول اختلاف القدرات المالية إلى معيار يحدد من يحصل على الكهرباء القانونية.

 

وعليه، تحتاج القضية إلى جدول زمني معلن يبدأ بالمعاينة وينتهي بتركيب العدادات، مع تحديد الجهة المسؤولة عن كل مرحلة، لأن الوعود المفتوحة والمخاطبات المتبادلة لا تنهي معاناة الأسر ولا توفر خدمة آمنة ومنتظمة.

 

بالتوازي مع ذلك، يفترض بجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك فحص شكوى الأهالي، باعتباره الجهة المختصة بتلقي شكاوى المشتركين، والتحقق من عدالة مطالبتهم بكامل تكلفة الكابلات ومدى التزام شركة التوزيع بقواعد توصيل الخدمة.

 

ولزيادة فاعلية التدخل، ينبغي حصر الأسر محدودة الدخل بالمنطقة وربطها ببرامج الحماية الاجتماعية، لأن توفير الكهرباء القانونية يخفف النفقات غير المنضبطة ويمنح المواطنين قدرة أفضل على إدارة الاستهلاك بدل الخضوع لتقديرات الممارسة.

 

في السياق ذاته، يجب ألا تستخدم الطبيعة الجبلية ذريعة لتأجيل التنفيذ، بل سببًا لمنح المنطقة أولوية فنية وتمويلية، فصعوبة التضاريس تزيد احتياج السكان إلى تدخل مؤسسي لا يستطيع الأفراد القيام به بإمكاناتهم المحدودة.

 

أخيرًا، تختصر استغاثة جبل الشيخ حسين أزمة إدارة المرافق في المناطق الفقيرة، حيث يطلب المواطنون دخول القانون فتواجههم فاتورة 65 ألف جنيه، بينما يبقى الحل مرهونًا بقرار وزاري يعيد الخدمة إلى معناها العام.