أثار مقطع مصور ظهر فيه الداعية مصطفى حسني وهو يقبل يد وزير الأوقاف أسامة الأزهري خلال مناسبة بقلعة صلاح الدين موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أعاد إلى الواجهة ظاهرة تقبيل أيدي المشايخ والمسؤولين وأصحاب النفوذ في مصر. وتصدر الدكتور مراد علي المنتقدين للواقعة، متسائلًا عن دوافع مصطفى حسني، ومعتبرًا أن المشهد لا يمكن فصله عن ثقافة التملق والمبالغة في تعظيم الشخصيات القريبة من السلطة، في وقت رأى آخرون أن تقبيل اليد قد يكون تعبيرًا عن الاحترام والتوقير.
مراد علي ينتقد المشهد
انتقد الدكتور مراد علي واقعة تقبيل مصطفى حسني يد وزير الأوقاف، قائلًا إنه لا يعرف لأسامة الأزهري عطاءً علميًا مميزًا أو تاريخًا حافلًا في خدمة الدين، ومشيرًا إلى أن ما يميزه، من وجهة نظره، هو علاقاته الوثيقة بالسلطة والجيش.
كما هاجم علي توجهات الأزهري الصوفية، واصفًا إياها بالتطرف والوقوع في بدع الموالد، وهي أوصاف تعبر عن موقفه الشخصي والفكري من الوزير ولا تمثل حكمًا علميًا أو قضائيًا ثابتًا بشأنه.
وفرّق مراد علي بين تقبيل موظفين يد رئيسهم بدافع التملق الوظيفي، وبين قيام داعية معروف مثل مصطفى حسني بالفعل نفسه، متسائلًا عن سبب صدور هذا السلوك منه، قبل أن يختتم تعليقه بالقول إن المصريين يعيشون في «أردأ العصور».
وجاءت تغريدته في صياغتها الأساسية باعتبار أن أسامة الأزهري لا يملك، وفق تقييمه، عطاءً علميًا استثنائيًا يبرر هذا التوقير، وأن قربه من دوائر السلطة يفتح الباب لتفسير مشاهد تقبيل يده باعتبارها مجاملة أو تملقًا لا احترامًا علميًا مجردًا.
لا أعرف لوزير الأوقاف، أسامة الأزهري، عطاء علمي مميز ولا تاريخ حافل في خدمة الدين.
— Mourad Aly د. مراد علي (@mouradaly) August 15, 2026
الرجل يتميز بعلاقات وثيقة مع السلطة والجيش، وتاريخه في التصوف المتطرف الضال في بدع الموالد وغيرها معروف.
حرص موظفيه على تقبيل يديه تملق، لكن لماذا يقوم بذلك مصطفى حسني؟
نحن نعيش في أردأ العصور!!…
وأعادت تصريحات مراد علي النقاش من حدود التصرف الشخصي إلى سؤال أوسع يتعلق بالمكانة التي يمنحها المجتمع للمسؤول الديني، وما إذا كانت مظاهر التبجيل الجسدي تليق بمن يتولى منصبًا عامًا، أم تضعه في دائرة الشبهات الاجتماعية.
ولا تعد الواقعة الأولى التي يظهر فيها أشخاص يقبلون يد أسامة الأزهري، إذ انتشرت في يوليو 2025 صور لمواطنين يفعلون ذلك خلال زياراته الميدانية، ما أثار وقتها انتقادات وتساؤلات داخل الأوساط الدينية والإعلامية.
وعلق الدكتور محمد إبراهيم العشماوي على تلك المشاهد مؤكدًا أن تولي العالم منصبًا دنيويًا أو وجوده في موقع من مواقع السلطة يقتضي منه التبرؤ من مد يده للتقبيل، حفاظًا على هيبة المنصب وابتعادًا عن الشبهات.
ويضع هذا الرأي مسؤولية إضافية على صاحب المنصب نفسه، إذ لا تتوقف المسألة عند نية الشخص الذي يقبل اليد، بل تشمل موقف المسؤول من السلوك، وهل يسحب يده ويرفض المبالغة في تعظيمه أم يسمح بتكرارها.
بين التوقير والتملق
شهدت مصر وقائع عديدة مشابهة ارتبط بعضها برجال دين، بينما تعلق بعضها الآخر بالسياسيين ورجال الأعمال. وفي كل مرة انقسمت الآراء بين من اعتبر تقبيل اليد تعبيرًا عن المحبة، ومن رآه مظهرًا للتبعية والمبالغة
.
في نوفمبر 2012، تعرض البرلماني السابق محمد أبو حامد لانتقادات واسعة بعد انتشار صورة له وهو يقبل يد البابا تواضروس الثاني، إذ رأى منتقدوه أن التصرف مبالغ فيه بالنسبة إلى سياسي يفترض أنه يمثل دولة مدنية.
وفي أغسطس 2024، أصر الداعية الحبيب علي الجفري على تقبيل يد شيخ الأزهر أحمد الطيب أمام الكاميرات، ثم نشر الصورة وعلق عليها باعتبار الزيارة تجديدًا للعهد مع من وصفه بإمام أهل السنة ومرجعهم.
وتكرر المشهد مع شيخ الأزهر في مايو 2026، حين رصدت الكاميرات علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء، وهو يصر على تقبيل يد الإمام الأكبر عقب الانتهاء من أداء صلاة عيد الأضحى.
وقد تُقرأ هذه الوقائع داخل السياق الديني بوصفها تقليدًا مرتبطًا بتوقير العلماء، لكن معارضيها يرون أن التوقير لا يتطلب إظهار الخضوع، وأن مكانة العالم ينبغي أن تستند إلى علمه ومواقفه لا إلى طقوس التبجيل العلني.
ويزداد الجدل عندما يكون الشخص الذي تُقبل يده مسؤولًا رسميًا أو صاحب نفوذ، لأن العلاقة عندئذ لا تكون متكافئة تمامًا. وقد تختلط المجاملة بالمصلحة، ويصبح من الصعب الفصل بين الاحترام الحقيقي والرغبة في التقرب.
ومن هنا اكتسب تقبيل مصطفى حسني يد وزير الأوقاف حساسية أكبر، فالأزهري لا يظهر في المقطع بصفته عالمًا فقط، وإنما وزيرًا وعضوًا في السلطة التنفيذية، بينما يحظى حسني بحضور جماهيري وإعلامي واسع.
مشاهد صنعت رموزًا للنفوذ
لم تقتصر ظاهرة تقبيل الأيدي على المؤسسات الدينية، ففي يناير 2017 ظهر النائب إيهاب الطماوي محاولًا تقبيل يد رجل الأعمال نجيب ساويرس مؤسس حزب المصريين الأحرار، قبل أن ينتبه ساويرس ويسحب يده سريعًا.
وقوبل الطماوي بهجوم إعلامي، إذ اعتبر المنتقدون المشهد تملقًا سياسيًا وماليًا لا يليق بعضو في مجلس النواب يتمتع بسلطة تشريعية ورقابية، ويفترض أنه يمثل المواطنين بدلًا من إظهار الخضوع لأصحاب المال والنفوذ.
وفي مايو 2024، أثارت صورة الطبيب حسام موافي وهو يقبل يد رجل الأعمال محمد أبو العينين خلال زفاف ابنته غضب قطاع من متابعيه، خصوصًا أن موافي يقدم برنامجًا طبيًا عبر القناة المملوكة لأبو العينين.
كما اشتهر الإعلامي توفيق عكاشة بتقبيل يد صفوت الشريف، وزير الإعلام ورئيس مجلس الشورى الأسبق، في مناسبات موثقة. وبعد إنكاره صحة بعض الصور، أعلن لاحقًا أنه لا يخجل من التعبير عن امتنانه الشديد للشريف.
وتحولت واقعة تقبيل وزيرة القوى العاملة السابقة عائشة عبد الهادي يد سوزان مبارك في مؤتمر الحزب الوطني خلال نوفمبر 2009 إلى أحد أشهر رموز العلاقة بين المسؤولين والنظام الحاكم قبل ثورة يناير.
وفي أبريل 2015، أثار القائم بأعمال نقيب الفلاحين أسامة الجحش موجة غضب بعد تقبيله يد وزير التنمية المحلية الأسبق عادل لبيب، إذ اعتُبر التصرف إهانة لكرامة الفلاحين، وطالب أعضاء بالنقابة بإقالته.
وتكشف هذه الوقائع أن الجدل لا يدور حول قبلة عابرة، بل حول ثقافة عامة تربط المكانة بالقرب من السلطة، وتحول مظاهر الاحترام إلى استعراض علني للولاء، خاصة عندما تجمع الصورة بين مسؤول وصاحب مصلحة.
وبذلك أعاد مشهد مصطفى حسني وأسامة الأزهري فتح ملف قديم لم يغادر المجال العام المصري، فيما بقي سؤال مراد علي حاضرًا: هل كان ما جرى توقيرًا لعالم، أم تملقًا لمسؤول يملك سلطة ونفوذًا؟

