في ساعات قليلة، قفز مقطع مصوّر على منصة «إكس» من حسابات مؤيدة للخطاب القومي التركي إلى مساحة أوسع من التداول، مرفقًا بعنوان مثير يوحي بأن إسرائيل تعيش «حالة إنذار» بسبب صاروخ تركي باليستي جديد باسم «جينك – CENK» يصل مداه إلى 2000 كيلومتر، وأن «كل الأراضي الإسرائيلية أصبحت ضمن مداه».
إنذار «جينك» في إسرائيل!
— الرادع التركي 🇹🇷 (@RD_turk) February 15, 2026
إعلان تركيا تطوير صاروخ باليستي بمدى يصل إلى ألفي كيلومتر يثير قلقاً في إسرائيل..
الإعلام الإسرائيلي:
➖ «كامل أراضينا باتت ضمن مدى الصواريخ التركية.» pic.twitter.com/otjsanqntU
ومع تزامن المقطع مع موجات التوتر السياسي والإعلامي في المنطقة، بدا كأنه «خبر عاجل» مُصوّر لا يحتاج إلى دليل إضافي: لقطات لصاروخ ضخم، موسيقى حماسية، وكلمات توحي باستعراض قوة وقلق فوري على الطرف الآخر.
لكن أول ما يكشفه التحقق هو أن قوة الرواية جاءت من طريقة تقديم الفيديو، لا من محتواه. تتبّعنا النسخ الأقدم للمقطع، فظهر أنه ليس فيديو حديثًا مرتبطًا بإنذار طارئ، بل مادة مرئية متداولة منذ مايو/أيار 2023 ضمن سياق الترويج والتعريف ببرامج الصناعات الدفاعية التركية.
حيث أشارت قراءات لاحقة للمقطع نفسه إلى أنه مأخوذ من فيديو يعود لجهات تركية معنية بالصناعات الدفاعية، وظهرت فيه لقطات لصاروخ أكبر جرى ربطه لاحقًا باسم «Cenk». عند هذه النقطة يتضح الفارق بين ما يراه المشاهد وما يُروَّج له: المشاهد يرى «صاروخًا» في فيديو دعائي/تعريفي، بينما الرواية المتداولة تحوّله إلى «إنذار إسرائيلي الآن» وصاروخ «دخل الخدمة» ومداه «2000 كم».
وعند وضع الفيديو في سياقه الحقيقي، تتراجع الفكرة الأساسية التي يحاول المقطع تثبيتها. فالمؤكد من التغطيات الموثوقة أن الصاروخ التركي الذي كُشف عنه واختُبر وأُعلن ضمن المنظومة المعروفة هو «Tayfun»، وقد قُدّم في تقارير على أنه صاروخ باليستي قصير المدى/ضمن فئة أدنى، وبمدى أقصى جرى تداوله على نطاق واسع عند حدود 800 كيلومتر.
https://www.trtworld.com/article/18261046
أما «Cenk» نفسه، فحتى المصادر التي تحدثت عن ظهوره الأول تربطه بمرحلة عرض/تعريف وتوقّع بمدى «أكثر من 1000 كيلومتر»، لا كمنظومة مُعلنة الخدمة بمدى 2000 كيلومتر. وهنا تحديدًا يقع «الربط المصطنع»: مشهد من فيديو قديم يُستعمل كأنه دليل على حالة تأهب آنية، مع قفزة غير موثقة في الأرقام (من 800 أو «أكثر من 1000» إلى «2000 كم»)، ثم تُستخرج منه نتيجة سياسية جاهزة: «إسرائيل في إنذار».
يبقى السؤال الأهم: هل الادعاء نفسه — إنذار إسرائيلي بسبب صاروخ تركي بمدى 2000 كم «في الخدمة» — مدعوم بأي إعلان رسمي أو تصريح حكومي أو تغطية موثوقة تؤكد دخول هذا الصاروخ الخدمة فعلًا؟
ما وجدناه أن الحديث عن طموح تركي للوصول إلى مدى 2000 كيلومتر جاء في سياق تصريحات عن «تطوير» قدرات الصواريخ بعيدة المدى، لا في سياق إعلان تشغيل صاروخ محدد ودخوله الخدمة. فقد نقلت «جينز» أن الرئيس رجب طيب أردوغان تحدث في خطاب متلفز (6 يناير/كانون الثاني 2025) عن تطوير صواريخ بمدى 2000 كيلومتر.
وهذا يضع الادعاء المتداول في مكانه الصحيح: المؤكد هو وجود برنامج وتوجه مُعلن لتطوير مدى أطول، والمؤكد أيضًا هو وجود «تايفون» بمديات أقل بكثير من 2000 كم وفق تغطيات موثوقة، بينما غير المؤكد — ولا سند له في مصادر رسمية واضحة — هو أن صاروخًا باسم «CENK» بمدى 2000 كم أصبح «في الخدمة»، وأنه تسبب في «إنذار إسرائيلي» لحظي كما تزعم المنشورات.
خلاصة: الفيديو ليس جديدًا ولا يوثق إنذارًا طارئًا، بل يُعاد تدويره منذ 2023 داخل سردية ترفع سقف التهديد بأرقام غير مثبتة. المؤكد هو وجود منظومات تركية مثل «Tayfun» ومدياتها المتداولة في المصادر الموثوقة، والمؤكد كذلك وجود تصريحات عن تطوير صواريخ بمدى 2000 كم، أما «المدى 2000 كم في الخدمة الآن» و«إنذار إسرائيل بسبب CENK» فتبقى رواية مبالغًا فيها ومضللة؛ لأنها تخلط بين التطوير والإعلان، وبين فيديو ترويجي قديم وحدث أمني آني لم تثبته تغطية موثوقة.

