تصدّر اسم منير فخري عبد النور، الوزير السابق في حكومات ما بعد 3 يوليو، المشهد مجددًا بعد تصريحاته الأخيرة عن احتمال عودة الإخوان، وحديثه عن أن “البيئة الثقافية الحالية قريبة من فكرهم”، مع جملته اللافتة: “مفيش مستحيل في السياسة”. تصريحات قد تبدو لأول وهلة “تحليلًا سياسيًا محايدًا”، لكن قراءة سياقها ومسيرة الرجل تطرح سؤالًا أبعد: هل هو تحذير موضوعي، أم استخدام تقليدي لفزاعة الإخوان لتخويف الشارع وتثبيت الحكم القائم؟
منتقدو عبد النور يرون أنه يتحرك داخل نفس المعادلة القديمة: أي حراك شعبي أو مطلب ديمقراطي يُعاد تعريفه كخطر “إخواني”، بينما يتم تجاهل مسؤوليته هو ومن يمثلهم عن إغلاق المجال العام وغياب البدائل السياسية. كما تُستدعى سجلات قديمة تتعلق بتحالفه مع الإخوان انتخابيًا في الثمانينيات، وبقضية تخصيص كبائن المنتزه، لتذكير الجمهور بأن من يلوّح اليوم بفزاعة “العودة” استفاد يومًا من نفس التيار، ثم وجد نفسه لاحقًا في مرمى تحقيقات تخص المال العام.
فزاعة “عودة الإخوان”.. خطاب تحذير أم استثمار في الخوف؟
في المقابلة التي أعيد تداول مقاطع منها على مواقع التواصل، قال منير فخري عبد النور إن “تنظيم الإخوان لا يزال قائمًا، وإن البيئة الثقافية الحالية قريبة من فكرهم”، مع التأكيد على أنه “مفيش مستحيل في السياسة”. الرسالة المباشرة: عودة الإخوان ممكنة إذا لم يُحصّن النظام نفسه سياسيًا وثقافيًا.
التغريدة المتداولة للضابط السابق شريف عثمان لخصت قراءة قطاع من المعارضين: عبد النور “بيقول كده عشان الشعب يخاف ويفضل تحت الحكم العسكري…”. الفكرة هنا أن استدعاء شبح عودة الإخوان يُستخدم لتبرير استمرار القبضة الأمنية، ورفض أي انفتاح سياسي حقيقي.
منير فخرى عبد النور, الثقافة السائدة في الشارع المصرى قريبة جدا من فكر الأخوان
— Abo Soelam (@AboSoelam27058) February 7, 2026
دقيقة بتنسفلك كل اللى بيتقال و أتقال عن الأخوان و الإرهاب و الهبد دة, معنى الكلام انك لو بتتهم الأخوان بشئ يبقا بتتهم كل الشعب المصرى , ربنا بينطقهم بالحق و لو بعد حين#قالوا_أية_عن_الأخوان pic.twitter.com/vOhKWqCNmr
حساب @grok على منصة X قدّم قراءة مختلفة، أقل حدة، اعتبر فيها أن تصريح عبد النور “تحذير مدروس” من تأثير أفكار الإخوان في الثقافة، ودعوة لمواجهتها عبر التعليم والأمن، مع إقراره بأن التفسيرات تختلف بين من يراها زلة لسان ومن يراها جزءًا من تحليل سياسي أوسع، قبل أن يسأل متابعيه: “ما رأيك في ذلك؟”.
أعتقد أن تصريح منير فخري عبد النور في المقابلة يعبر عن تحذير مدروس من تأثير أفكار الإخوان في الثقافة المصرية، مع دعوة لمواجهتها عبر التعليم والأمن. بعض يفسره كزلة لسان، لكن يبدو جزءاً من تحليل سياسي أوسع. الآراء تختلف بناءً على المنظورات المتنوعة.
— Grok (@grok) January 29, 2026
بالتوازي، يكرر إبراهيم عيسى، أحد أبرز الأصوات المعادية للإخوان والمدافعة عن النظام، خطابًا مشابهًا: الإخوان “ما زالوا موجودين في وجدان قطاع من المصريين”، وعودتهم غير مستحيلة إذا استمر غياب الإصلاح السياسي. في برنامجه “حديث القاهرة” (يناير 2026 تقريبًا)، وفي مقاله بجريدة “المقال” (ديسمبر 2025)، وعلى شاشة قناة “الحرة”، تحدث عن الإخوان كـ“ثقافة متغلغلة” لا مجرد تنظيم، محذرًا من احتمال عودتهم إذا لم يتغير شيء في بنية النظام.
بهذا المعنى، لا تبدو تصريحات عبد النور معزولة، بل جزءًا من خطاب متكرر: تصوير المجتمع ككتلة مائلة تلقائيًا نحو الإخوان، ومن ثم تقديم استمرار الوضع الحالي كـ“خيار الضرورة” أمام فوضى أو عودة محتملة.
شعب “كلّه إخوان”؟ نقد القراءة التعميمية للمجتمع
في مواجهة هذا الخطاب، ظهرت قراءة أخرى من كتاب وأطباء ونشطاء يهاجمون ليس فقط مضمون كلام عبد النور، بل الطريقة التي يختزل بها المجتمع. الطبيب والكاتب أحمد والي لفت إلى أن عبد النور – في رواية المقابلة المتداولة – قال إن عودة الإخوان ممكنة لأن “غالبية الشعب أو الشارع المصري بينتموا فكريًا للجماعة حتى لو مش أعضاء فيها”، وعلّق بأن دهشة المذيع كانت تعبيرًا عن صدمة خطاب يعترف ضمنيًا بقوة شعبية فكر كان يُقال إنه انتهى تمامًا.
الكاتب أحمد حسين ذهب أبعد في النقد. سأل بسخرية مريرة: “انت طالع بعد السنين دي كلها تقول إن الشارع كان معاهم فعلا؟ أمال التلاتين مليون اللي نزلوا في ٣٠ يونيو دول كانوا مين؟”. ثم حاول تفكيك الفكرة: قد يكون “قرب” المواطن من الإخوان نكاية في النخب الحاكمة، لا انتماءً أيديولوجيًا صلبًا.
أحمد حسين استخدم تشبيهًا لافتًا: البلد ليست كلها إخوان، بل “عايشة في ضباب قاتم، أي حد هايدخل عليهم بفانوس نور هايمشوا وراه بدون تفكير”، واللوم – في رأيه – على النخب التي لا تقدم بدائل حزبية حقيقية، وعلى من “كسروا الفوانيس بإيديهم خوفًا من الخروج عن المألوف”. كما ذكّر بأرقام فادحة: 120 مليون نسمة بلا 3–4 أحزاب حقيقية تمثل شرائح مختلفة، حزب يحصد الأغلبية في البرلمان دون أن يجرؤ نوابه على تشكيل حكومة تخدم من انتخبهم، وعشرين مليون شاب بلا نموذج سياسي جاد يمثلهم.
من هذه الزاوية، تصبح خطابات “البيئة القريبة من فكر الإخوان” اعترافًا غير مباشر بفشل النظام في إنتاج بدائل، أكثر من كونها تشخيصًا موضوعيًا لـ“تديّن المجتمع” أو “اختراق الإخوان لوجدان الناس”. الخوف ليس من “ثقافة إخوانية” بقدر ما هو من أي مشروع سياسي مختلف قد يجد في الفراغ الحالي فرصة للتمدد.
سجل عبد النور.. تحالف قديم مع الإخوان واتهامات مال عام
عندما يُستخدم اسم منير فخري عبد النور اليوم كـ“صوت تحذيري” من الإخوان، يستدعي البعض سريعًا تاريخه السياسي والاقتصادي.
فعبد النور نفسه لم يدخل البرلمان فى الثمانينيات إلا بفضل تحالف حزب الوفد مع جماعة الإخوان عام 1984، حين فشل الوفد منفردًا في تجاوز نسبة الـ8% المطلوبة لدخول مجلس الشعب، فكان التحالف مع الجماعة – الخارجة حديثًا من المعتقلات – هو الطريق إلى مقاعد النواب، ومنها مقعد عبد النور.
هذا التحالف يعكس واقعًا معروفًا: أحزاب كثيرة لجأت إلى شعبية الإخوان لتخطي عوائق قانونية وانتخابية، رغم وجود خلافات أيديولوجية معلنة. اليوم، يبدو مفارِقًا أن أحد المستفيدين من هذا التحالف يلوّح بخطر “عودتهم” ويقدم نفسه كجزء من جبهة التحصين ضدهم.
على الجانب الآخر، لا يخلو سجل عبد النور من أسئلة حول إدارة المال العام. في يناير 2013، أصدر النائب العام المستشار طلعت عبد الله قرارًا بالتحفظ على أموال وممتلكات عدد من وزراء السياحة السابقين، بينهم فؤاد سلطان ومنير فخري عبد النور، ووضعهم على قوائم الممنوعين من السفر، على خلفية اتهامات تتعلق بتخصيص كبائن وشاليهات بشاطئ “عايدة” بقصر المنتزه بالإسكندرية لكبار مسؤولين بأسعار تقل عن القيمة العادلة.
التحقيقات أشارت إلى موافقته – كوزير للسياحة بعد الثورة – على استمرار انتفاع حبيب العادلي وأحمد نظيف بكبيناتهم رغم وجودهما في السجن، قبل استدعائه لسماع أقواله في نيابة الأموال العامة.
كل ذلك لا يعني إدانة قضائية نهائية للرجل، لكنه يطرح سؤالًا منطقيًا عند المتلقين: عندما يحذّر وزير سابق، خضع لتحقيقات في قضايا مال عام، من “عودة الإخوان” بوصفها الخطر الأكبر، هل يتحدث عن مصلحة عامة خالصة، أم عن صيغة خطابية تعفي الطبقة السياسية والاقتصادية التي ينتمي إليها من مراجعة أدوارها ومسؤولياتها؟
بهذه الخلفية، يبدو من الصعب فصل تصريحات منير فخري عبد النور عن سياق أوسع: استخدام متكرر لفزاعة الإخوان لتقييد أي نقاش حقيقي عن الإصلاح السياسي، والهروب من سؤال جوهري: لماذا، بعد كل هذه السنوات من القمع والملاحقات، ما زال يُستدعى اسم الإخوان في كل مرة يُفتح فيها ملف الديمقراطية والبدائل؟
ما بين تحذير صادق وتحريض مقنّع، يبقى الحكم للقارئ، لكن المؤكد أن اختزال الشعب في “لونين” واستدعاء الماضي على طريقة “إما نحن وإما الإخوان” لا يبني سياسة صحية، بل يطيل عمر الأزمة ويترك الشارع “يمشي وراء أي فانوس” في غياب مشروع وطني جاد وشجاع.

