تعيين ضياء رشوان وزيرًا للإعلام في حكومة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي لا يبدو مفاجئًا لمن تابع مسار الرجل خلال العقد الأخير. فقد انتقل تدريجيًا من موقع الباحث والناشط المعارض نسبيًا في عهد مبارك، إلى واحد من أهم وجوه الدفاع عن نظام السيسي بعد 3 يوليو، مرورًا بموقعين حاسمين: نقيب الصحفيين، ورئيس الهيئة العامة للاستعلامات.
سياسيون يرون أن هذا المسار لم يكن مجرد تحوّل سياسي، بل كان على حساب حرية الصحافة وحقوق الصحفيين. يتهمونه بأنه ساهم في ترويض النقابة، وتغطية القبضة الأمنية على الإعلام، وأن انتقاله إلى كرسي وزير الإعلام هو استكمال طبيعي لمشروع إحكام السيطرة على ما تبقى من مساحة إعلامية مستقلة في مصر.
من باحث «إصلاحي» إلى ذراع مدني للحكم العسكري
وُلد ضياء رشوان عام 1960، وتخرّج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة عام 1981، ثم حصل على ماجستير من جامعة السوربون عام 1985، وعمل منذ بداية الثمانينيات باحثًا في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية حتى أصبح مديرًا للمركز عام 2011.
في عهد مبارك، قُدِّم رشوان بوصفه وجهًا «إصلاحيًا»؛ شارك في حركة «كفاية»، وترشّح في انتخابات 2010 ضد مرشح الحزب الوطني، وخسر في أجواء وُصفت بالتزوير. لاحقًا، أصبح عضوًا في لجنة الخمسين لصياغة دستور 2014، ما عنى انتقاله من صفوف المعارضة إلى قلب هندسة المرحلة الانتقالية التي كرّست نفوذ الجيش في السياسة.
بعد انقلاب 3 يوليو 2013، قدّمته دراسات مستقلة كـ«حليف وثيق للنظام» بعد أن كان محسوبًا على تيار الاستقلال داخل النقابة. أحد تحليلات المبادرة العربية للإصلاح وصفه بأنه «ناصري في مركز الأهرام» خرج من رحم المعارضة، لكنه بعد 2013 أصبح من أكثر المدافعين عن السلطة الجديدة، ما جعله نموذجًا لتحوّل جزء من النخبة البحثية والإعلامية إلى أذرع سياسية للنظام.
تولّى ضياء رشوان منصب نقيب الصحفيين لأول مرة بين 2013 و2015، ثم عاد للفوز بالمقعد في انتخابات 2019 و2021، في فترة تزامنت مع تشديد القبضة الأمنية على الصحافة، وحبس عشرات الصحفيين باتهامات «نشر أخبار كاذبة» و«الانضمام لجماعة محظورة».
صحفيون وحقوقيون انتقدوا وقتها الجمع بين منصبه النقابي ومنصبه الرسمي كرئيس لهيئة الاستعلامات. رأوا في ذلك تضاربًا صارخًا في المصالح؛ فالجهة التي يفترض أن تدافع عن الصحفيين كان يقودها شخص يمثل في الوقت نفسه وجهًا حكوميًا مكلّفًا بتسويق رواية النظام في الخارج، ومهاجمة التقارير الدولية المنتقدة لأوضاع الحريات في مصر.
داخل النقابة، تكررت شكاوى من غياب المواقف الحاسمة في قضايا زملاء محبوسين أو ملاحقين. صدرت بيانات عامة وهادئة، وتم الحديث عن «تواصل مع الجهات المعنية»، لكن دون خطوات تصعيدية حقيقية، ودون استخدام ثقل النقابة لفرض ثمن سياسي لأي اعتداء على الصحفيين.
على الجانب الآخر، بدا رشوان أكثر نشاطًا في الدفاع عن السلطة عندما تتعرض لانتقادات من منظمات حقوقية أو وسائل إعلام أجنبية. ظهر في مؤتمرات وبرامج ليرد على تقارير الانتهاكات، وينفي أو يقلل من شأنها، وهو ما عزّز الانطباع بأنه نقيب قريب من الأجهزة، يوازن حساباته بما لا يغضب مراكز القوة الأمنية والسياسية.
هذه الصورة جعلت قطاعًا من الصحفيين يصفه بأنه «نقيب للسلطة لا نقيبًا للصحفيين»، وأن وجوده على رأس النقابة كان خطوة مهمة في ترويض واحدة من آخر ساحات الاعتراض المهني في البلاد، تمهيدًا لإدماجها في منظومة الولاء العام للنظام.
وزارة إعلام تحت الحراسة.. مستقبل الإعلام في يد رجل الأجهزة
سجل ضياء رشوان في الهيئة العامة للاستعلامات يقدم مؤشرًا واضحًا على شكل السياسات الإعلامية المتوقعة مع توليه وزارة الإعلام. خلال وجوده على رأس الهيئة، تحولت الجهة المفترض أن تكون قناة تواصل مع الإعلام الأجنبي إلى منصة اتهام وتشكيك في عمل مراسلين ووسائل دولية، مع بيانات هجومية واستدعاءات متكررة.
في الوقت نفسه، شارك رشوان في صناعة خطاب رسمي يعتبر كثيرًا من التغطيات المستقلة «تشويهًا لصورة مصر» أو «استهدافًا للدولة». هذا الخطاب يُستخدم عادة لتبرير القيود، من غلق منافذ إعلامية، إلى توحيد الرسالة في القنوات والصحف الكبرى، لصالح رواية واحدة تصدر من أعلى.
اليوم، مع عودة وزارة الإعلام، يصبح هذا النموذج في موقع أقوى. الوزارة ستجلس فوق شبكة من المجالس والهيئات: المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الهيئة الوطنية للصحافة، الهيئة الوطنية للإعلام، إلى جانب الأدوار غير المعلنة للأجهزة الأمنية. وجود رشوان على رأس هذه المنظومة يمنحها واجهة مدنية بخبرة طويلة في التعامل مع الصحافة، لكنها خبرة موظفة لصالح مزيد من التحكم، لا لصالح توسيع الهامش.
من الناحية العملية، من الصعب توقع انفراجة حقيقية في المشهد الإعلامي تحت هذه القيادة. فالرجل الذي قبل أن يتولّى في وقت واحد موقع نقيب الصحفيين وموقع مسؤول حكومي مكلف بالرد على الإعلام الأجنبي، والذي لم يصطدم علنًا بسياسات الحبس والحجب، لن يتحول فجأة إلى مدافع عن استقلالية الإعلام.
الأقرب أن يستمر مشروع «تصفية ما تبقى من إعلام حر» بأدوات أكثر تنظيمًا: ضبط المحتوى عبر التعليمات الرسمية، إعادة توزيع الأموال والإعلانات بما يخدم المنابر الموالية، الإبقاء على سيف القانون والأمن مسلطًا على أي تجربة مستقلة، والاستفادة من خبرة رشوان في مخاطبة الداخل والخارج لتسويق هذه السياسات على أنها «تنظيم» و«تصحيح للمسار».
في هذه المعادلة، يصبح تعيين ضياء رشوان وزيرًا للإعلام خطوة متسقة مع مسار عام يقوده الحكم العسكري منذ سنوات: إغلاق المجال العام، وتأميم الصوت والصورة، وتعيين رجال موثوقين من داخل الدائرة في المواقع التي تتحكم في الرواية، حتى لا يبقى في الفضاء المصري إلا إعلام يصفّق، أو يصمت.

