أعادت حادثة الطريق الصحراوي الشرقي القديم بين مركزي المنيا وسمالوط، التي أسفرت عن مصرع 11 عامل محاجر وإصابة 9 آخرين، فتح ملف بالغ الخطورة طالما حاولت الدولة طمسه بالأرقام والبيانات الدعائية: ملف تهالك شبكة الطرق، وانعدام شروط السلامة، وتحويل التنقل اليومي للعمال إلى مقامرة بالحياة.
الحادث لم يكن نتيجة “لحظة تهور” أو “خطأ سائق” كما تُصوِّر الروايات الرسمية عادة، بل نتيجة مباشرة لتصادم سيارتين على طريق متهالك، إحداهما ربع نقل غير مخصصة لنقل البشر، تقل عمالًا خرجوا فجرًا بحثًا عن لقمة العيش، فعادوا جثامين أو مصابين.
خبراء السلامة المرورية يؤكدون أن هذا النمط من الحوادث أصبح متكررًا بشكل يرقى إلى كونه أزمة بنيوية، لا مجرد وقائع منفصلة، وأن استمرار سقوط الضحايا على الطرق الصحراوية يعكس فشلًا في إدارة البنية التحتية وليس عجزًا تقنيًا.
إدانة حقوقية ومسؤولية قانونية: الحق في التنقل الآمن يُنتهك يوميًا
المفوضية المصرية للحقوق والحريات أدانت الحادث واعتبرته انتهاكًا جسيمًا ومتكررًا للحق في التنقل الآمن، وهو حق منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقيات العمل الدولية، وقانون العمل المصري.
الدكتور أحمد فوزي، أستاذ القانون الدستوري وحقوق الإنسان، يوضح أن الدولة “ليست فقط مسؤولة عن إنشاء الطرق، بل عن صيانتها وتأمينها ومراقبة استخدامها”، مؤكدًا أن ترك طرق حيوية بلا صيانة أو إنارة أو إشارات تحذيرية يُعد إخلالًا صريحًا بالتزامات الدولة القانونية.
من جانبه، يشير الخبير الحقوقي محمد عبد السلام، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، إلى أن نقل عمال المحاجر في سيارات غير مهيأة هو انتهاك مزدوج: انتهاك لحق العامل في بيئة عمل آمنة، وانتهاك لحقه في وسيلة انتقال تحمي حياته، مشددًا على أن المسؤولية هنا مشتركة بين أصحاب العمل والجهات التنفيذية.
ويرى خبراء أن استمرار هذا النمط من النقل غير الآمن يعكس غياب الرقابة، وتراخي تطبيق قانون العمل، خصوصًا المادة 271 التي تُلزم أصحاب العمل بتوفير وسائل انتقال آمنة للعمال في حال عدم توفر نقل عام مناسب.
طريق حيوي بلا صيانة: سنوات من الإهمال تحوّله إلى مصيدة مفتوحة
الطريق الصحراوي الشرقي القديم يُعد شريانًا رئيسيًا يربط المنيا بمراكز سمالوط وبني مزار ومحافظات الصعيد، ويستخدمه آلاف المواطنين يوميًا، ومع ذلك يعاني منذ سنوات من:
حفر عميقة وتشوهات في طبقة الأسفلت
غياب شبه كامل للإنارة
انعدام الإشارات الإرشادية والتحذيرية
ضعف الرقابة المرورية
المهندس أسامة نبيه، خبير هندسة الطرق والنقل، يؤكد أن “الطريق لم يخضع لصيانة جذرية منذ سنوات، وما يتم هو ترقيعات مؤقتة لا تعالج الخلل الهيكلي”، موضحًا أن الطرق الصحراوية تحتاج صيانة دورية صارمة بسبب طبيعة الأحمال الثقيلة وسرعات المركبات.
ووفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة النقل، تسجل الطرق الصحراوية نحو 30% من إجمالي حوادث الطرق في مصر، وهي نسبة صادمة تؤكد أن المشكلة ليست سلوكًا فرديًا بل خللًا في منظومة التخطيط والصيانة والرقابة.
خبراء النقل يرون أن ترك هذه الطرق دون تطوير حقيقي، مقابل التركيز على طرق جديدة ذات طابع استعراضي، يعكس خللًا في ترتيب الأولويات، حيث تُهمل الطرق التي يعتمد عليها العمال والفقراء يوميًا.
العمال هم الضحايا الدائمون: نقل غير آمن وتأمين غائب
حادثة عمال المحاجر كشفت مجددًا هشاشة أوضاع هذه الفئة، التي تعمل في واحدة من أخطر المهن، دون ضمانات حقيقية. كثير من العمال يفتقرون إلى التأمين ضد إصابات العمل، أو الرعاية الصحية، ما يجعل أي حادث كارثة ممتدة على أسر كاملة.
الدكتورة عزة كريم، أستاذة علم الاجتماع، ترى أن “العمال في القطاعات الهامشية يدفعون ثمن الإهمال مرتين: مرة في ظروف العمل، ومرة في طريق الذهاب والعودة”، مؤكدة أن غياب شبكات الأمان الاجتماعي يحوّل الحوادث إلى مآسٍ اجتماعية طويلة الأمد.
وطالبت المفوضية المصرية للحقوق والحريات بـ:
- فتح تحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين
- صيانة فورية للطريق الصحراوي الشرقي والطرق المماثلة
- تشديد الرقابة على وسائل نقل العمال
- ضمان التأمين الصحي والاجتماعي وتعويض أسر الضحايا
- منع تشغيل الأطفال في أعمال المحاجر
غير أن خبراء يؤكدون أن هذه المطالب تتكرر بعد كل حادث، ثم تُطوى الملفات مع الوقت، لتبقى الطرق كما هي، وتبقى أرواح العمال هي الثمن.

