ياسر محجوب الحسين

كاتب صحفي وأكاديمي سوداني

 

في تطور عسكري نوعي، أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء 3 فبراير، رفع الحصار عن مدينة كادقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، بعد عمليات عسكرية استمرت أسابيع.

 

وبدأت هذه العمليات بتقدم القوات المسلحة من مدينة الدلنج، حيث شنت هجمات مركزة على مواقع مليشيا الدعم السريع وحلفائها من الحركة الشعبية- شمال (جناح الحلو)، مستخدمة الغارات الجوية والطائرات المسيرة لتدمير خطوط الإمداد. وأسفرت المعارك عن استعادة السيطرة على الطريق القومي الرابط بين الدلنج وكادقلي، ودخول قوافل الإمداد إلى المدينة، منهية حصارا دام أكثر من عامين، مع تكبد المليشيا خسائر كبيرة وانسحابها نحو غرب كردفان، في مؤشر واضح على تحول ميداني لصالح الجيش.

 

ولا تقتصر دلالات فك الحصار على البعد العسكري المباشر، بل تشير إلى إمكانية انتقال الحرب من مرحلة الاستنزاف المفتوح إلى إعادة ضبط موازين القوة.

 

فالحصار كان واحدا من أهم أدوات مليشيا الدعم السريع للضغط العسكري والسياسي، واستمراره كان يُستخدم لتكريس واقع ميداني يخدم مشروع فرض وقائع تفاوضية بالقوة. وعليه، فإن كسر هذا الحصار يوجه ضربة رمزية وعملية لهذا النهج، ويفتح الباب أمام إعادة تعريف مسار الصراع برمته.

 

منذ تمرد مليشيا الدعم السريع في أبريل 2023، خضعت كادقلي لحصار خانق بدعم من الحركة الشعبية- شمال، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية بصورة كارثية.

 

وأشارت تقارير أممية إلى وقوع مجاعة واسعة النطاق، مع نقص حاد في الغذاء والدواء، ونزوح عشرات الآلاف، ووفاة المئات؛ بسبب الجوع والأمراض.

 

ووفق تقديرات برنامج الغذاء العالمي، تجاوز عدد المتضررين نصف مليون شخص، ما جعل كادقلي رمزا للمعاناة الإنسانية في هذه الحرب، ودليلا على استخدام الحصار كسلاح ضد المدنيين.

 

وتكمن أهمية كادقلي في موقعها الجغرافي الإستراتيجي، إذ تقع في قلب جبال النوبة، وتشكل حلقة وصل بين وسط السودان وجنوبه، وبوابة للتجارة والنقل مع دولة جنوب السودان.

 

كما تمثل المدينة محورا تاريخيا للعمليات العسكرية والإمدادات منذ اتفاقية السلام الشامل عام 2005، فضلا عن قربها من مناطق غنية بالموارد الطبيعية، وعلى رأسها حقول النفط في هجليج، ما جعلها هدفا دائما للصراع العسكري والاقتصادي.

 

الأبعاد العسكرية والإستراتيجية لفك الحصار

 

يعني فك الحصار استعادة السيطرة على شرايين الإمداد الحيوية، وفي مقدمتها الطريق القومي من الدلنج إلى كادقلي، الذي يربط ولاية جنوب كردفان بولاية شمال كردفان عبر عاصمتها الأبيض، وصولا إلى بورتسودان.

 

ويمنح هذا التطور الجيش قدرة أكبر على الحركة والانتشار، ويعزز عمقه العملياتي، بما يقلل من كلفة الإمداد، ويقوض إستراتيجية الاستنزاف التي اعتمدتها المليشيا. كما يفتح المجال أمام عمليات هجومية محتملة في غرب كردفان، ويحد من قدرة مليشيا الدعم السريع على تهديد مدن إستراتيجية أخرى.

 

ويبرز في هذا السياق الدور المتنامي لسلاح الجو، الذي أسهم في تثبيت السيطرة ومنع الارتداد العسكري عبر ضربات دقيقة استهدفت مواقع المليشيا وخطوط تحركها، ما يعكس تطورا في استخدام القوة الجوية كأداة حسم لا مجرد إسناد.

 

ولا شك أن فك الحصار عن كادقلي يكتسب أهمية مضاعفة إذا ما قُرئ في سياق إعادة تعريف الجبهة الغربية للحرب. فطوال الأشهر الماضية، شكلت ولايات كردفان مسرحا رماديا للصراع، لا هي خاضعة بالكامل لسيطرة مليشيا الدعم السريع، ولا مستقرة تحت سيطرة الجيش، ما أتاح للمليشيا هامش حركة واسعا لتهديد مدن إستراتيجية وقطع طرق الإمداد.

 

غير أن استعادة كادقلي تعني عمليا كسر هذا الوضع الرمادي، وتحويل جنوب كردفان من منطقة ضغط على الجيش إلى نقطة ارتكاز لعملياته اللاحقة.

 

كما أن هذه العملية تكشف عن تطور في التخطيط العملياتي للقوات المسلحة السودانية، حيث لم يعد التركيز منصبا على استعادة المدن بوصفها أهدافا رمزية فقط، بل على تفكيك البيئة العملياتية للمليشيا، عبر ضرب خطوط الإمداد، وعزل مناطق الانتشار، وفرض تفوق عسكري ميداني يمنع إعادة التموضع.

 

ويلاحظ أن هذا النمط من العمليات يقلل من كلفة المواجهة المباشرة، ويرهق الخصم على المدى المتوسط، وهو ما قد يفسر تراجع وتيرة الهجمات المعاكسة من جانب مليشيا الدعم السريع في محيط كادقلي.

 

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى العملية باعتبارها اختبارا ناجحا لقدرة الجيش السوداني على إدارة معارك مركبة، تجمع بين العمل البري والجوي، وبين البعد العسكري والبعد النفسي، خاصة في مناطق اعتادت على الحصار الطويل وتآكل الثقة في إمكانية فكه.

 

جبال النوبة: البعد الاجتماعي والسياسي

 

كذلك يمثل فك حصار كادقلي تحولا في طبيعة الصراع نفسه. فبعد مرحلة طويلة اعتمدت فيها مليشيا الدعم السريع على الانتشار السريع والحصار، تجد نفسها اليوم أمام نمط مختلف من العمليات العسكرية، يقوم على المبادرة والهجوم المنظم من جانب الجيش.

 

هذا التحول يفرض ضغوطا متزايدة على تماسك المليشيا، ويقوض سرديتها بشأن القدرة على الحسم، سواء داخليا أو لدى داعميها الإقليميين.

 

كما أن تعدد الجبهات، وتراجع القدرة على تأمين الإمدادات، يرفعان من احتمالات الانشقاقات أو إعادة التموضع، خصوصا في المناطق الطرفية التي لا تقوم علاقتها بالمليشيا على روابط أيديولوجية راسخة، بل على حسابات مصلحية مؤقتة.

 

لا يمكن فصل مدينة كادقلي عن سياقها الاجتماعي والسياسي في جبال النوبة، وهي منطقة ذات تاريخ معقد من الصراعات مع المركز.

 

وعليه، فإن فك الحصار لا يحمل فقط رسالة عسكرية، بل يبعث بإشارة سياسية إلى المجتمعات المحلية مفادها أن الدولة قادرة- ولو ببطء- على استعادة حضورها.

 

كما يضع هذا التطور الحركة الشعبية- شمال (جناح الحلو) أمام مأزق إستراتيجي، في ظل تراجع جدوى التحالف مع مليشيا آخذة في الانحسار، ما قد يفتح الباب أمام مراجعات داخلية أو مسارات تفاوضية جديدة.

 

إقليميا، يتقاطع فك الحصار مع تحولات في مواقف دول الجوار. فمصر ترى في هذا التقدم تعزيزا لأمن حدودها وتقليلا لمخاطر تدفق اللاجئين، بينما تراقب السعودية التطورات في إطار جهود إقليمية ودولية لوقف إطلاق النار. وفي المقابل، قد تواجه الدول المتهمة بدعم مليشيا الدعم السريع ضغوطا متزايدة، في ظل التحركات السودانية على المستويين؛ الأممي، والدولي.

 

ومن زاوية الاقتصاد الحربي، يضرب فك الحصار أحد أعمدة تمويل المليشيا القائم على السيطرة على الطرق والموارد. فاستعادة خطوط الإمداد والاقتراب من مناطق النفط يقللان من قدرة الدعم السريع على تمويل عملياتها، ويضعفان جاذبيتها كشريك إقليمي محتمل.

 

كسر الحصار وسؤال الشرعية

 

إن كسر الحصار عن كادقلي لا يمثل انتصارا موضعيا فحسب، بل يشكل مؤشرا على تحول محتمل في مسار الحرب السودانية، من الاستنزاف إلى إعادة فرض السيطرة.

 

غير أن ترجمة هذا التحول إلى استقرار دائم تظل مرهونة بقدرة الدولة على الجمع بين الحسم العسكري والمسار السياسي، بما يحفظ وحدة السودان ويجنب البلاد الانزلاق نحو مزيد من التدخلات الخارجية أو تدوير الصراع بأشكال جديدة.

 

إلى جانب أبعاده العسكرية، يطرح كسر حصار كادقلي سؤالا محوريا يتعلق بالشرعية؛ فالحصار، بوصفه أداة قتال، لا يحقق فقط مكاسب ميدانية، بل يُستخدم لإضعاف الحاضنة الاجتماعية للخصم، وتحويل المدنيين إلى ورقة ضغط سياسية.

 

ومن هذا المنظور، فإن كسر الحصار يعيد للجيش جزءا مهما من رأس المال الرمزي الذي تآكل بفعل طول أمد الحرب وتداعياتها الإنسانية.

 

كما أن هذا التطور قد ينعكس على المزاج العام في المناطق المتأثرة بالحرب، حيث يشكل وصول الإمدادات وانفراج الأزمة الإنسانية مؤشرا عمليا- لا خطابيا- لقدرة الدولة على القيام بوظائفها الأساسية. ونقلت وسائل التواصل الاجتماعي أفراحا عبر عنها سكان كادقلي عقب دخول قوات الجيش.

 

وهذا العامل، وإن بدا بطيئا، إلا أنه مؤثر في الحروب الممتدة، إذ يعيد بناء علاقة الثقة بين المجتمع المحلي والمؤسسة العسكرية، ويحد من قابلية السكان للانخراط في تحالفات جهوية مسلحة.

 

في المقابل، يضع فك الحصار مليشيا الدعم السريع أمام مأزق سياسي متزايد، إذ تتآكل قدرتها على تبرير استمرار القتال في ظل تراجع قدرتها على تحقيق مكاسب ملموسة.

 

ومع انكشاف محدودية مشروع "الحسم بالقوة"، تصبح المليشيا أكثر عرضة للضغوط الداخلية والخارجية، سواء عبر مطالب بالاستسلام، أو عبر تصدعات داخلية ناتجة عن طول أمد الاستنزاف.