حُسام شاكر
باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية
تملكت الصدمة تاجرا اسمه "غريغور سامسا" عندما أفاق ذات صباح فاكتشف أنه صار حشرة، وبدأ يحس بهذا التحول المذهل. هذا ما صوره فرانتز كافكا سنة 1915 في عمله الروائي القصير المترجم إلى العربية بـ"المسخ" أو "التحول"، والمسمى بالألمانية "Die Verwandlung".
بوسع الخيال "الكافكوي" أن يجود علينا اليوم بمسوخ أخرى من وحي جزيرة إبستين المحجوبة عن الأنظار بعد قرن من الزمن، التي أوت إليها نخبة عالمية متصدرة لتتحول فيها مباشرة إلى نمط آخر يخالف صورتها المعروفة في العلن.
ما ينبغي الإقرار به أن هذا السيل المذهل من الفضائح المدوية لا يعني في جوهره أن جديدا قد طرأ على أخلاقيات النخبة المحظية المتصدرة في مركز "العالم الحر"، فما استجد على الأرجح هو وعي الجماهير في كل مكان ببعض المخبوء من واقعها. فملفات إبستين البشعة تمنح فرصة تلصص نادرة على أقساط من واقع المحظيين والمحظيات الذي استتر أمدا طويلا في بؤرة "العالم الحديث المتنور".
ليست فضائح إبستين مؤشرا على تراجع أخلاقي حادث أو تدهور قيمي طارئ، فهي تكشف بالأحرى واقعا أخلاقيا مخزيا ومذهلا تواطأت نخبة عالمية محظية على الاستغراق المديد فيه من قبل ومن بعد؛ دون أن يتحرك ضمير أحدهم أو إحداهن باعتراف علني أو شكوى قانونية سنين عددا.
لم يكن القوم قديسين من قبل وصاروا آثمين من بعد، فاكتشاف واقعهم يعني أن الحال هي الحال في دركاتها واتساعها؛ وإن تعين الامتناع عن التعميم رغم حقيقة أن فضائح إبستين تنخر النخبة الأمريكية وبعض النخب الغربية وغير الغربية نخرا: السياسية، والرأسمالية، والمجتمعية، والفنية، والثقافية، والأكاديمية، وغيرها.
قد يصعب على الجمهور العالمي أن يستوعب حقيقة تتجلى شاخصة للناظرين عبر نافذة إبستين؛ هي أن نخبة عريضة بارزة عالميا استمرأت كل هذا الحضيض الأخلاقي والمروق القيمي والانفلات القانوني واعتادته وتطبعت معه واستغفلت مجتمعاتها وأنظمتها ومؤسساتها، وامتنعت في فضاءاتها الواقعة "خارج نطاق التغطية" عن تشغيل المبادئ، وتنزيل الشعارات والتقيد بالقانون.
ترسم هذه الفضائح تصورا تقريبيا نادرا عن نمط عيش مجتمع "الواحد في المائة"، الذي تمثله العينة المكثفة المشار إليها في تقارير إبستين المعدودة بالملايين، كما تفصح عنها وزارة العدل الأمريكية بالقطارة.
تبين للأنظار كيف يدير رجال النخبة المحظية ونساؤها نمط حياة منفلت العقال يتجاوز توقعات "مجتمع الـ 99%"، حسب تعبير معتصمي حركة "احتلوا وول ستريت" التي نشطت في ميادين نيويورك في خريف 2011.
على أن فضائح إبستين تمثل عينة من واقع مستتر قد يختزن بؤرا أخرى من حيث لم يحتسب أحد، وحق للخيالات الخصبة اليوم، مع كافكا أو بدونه، أن لا يحدها حد في تخمين ما هو كائن في فضاءات المحجوب من وقائع أخرى مذهلة على هذا النحو أو سواه.
فثمة انزلاقات خارج مجال الرؤية يتواطأ العارفون بها والضالعون فيها على سترها رغم أنها في حكم المعلَن في أوساطهم، فكيف يستقيم في حالة إبستين أن المخازي المارقة كانت سرا مطبقا، وقد تورط بها كل هؤلاء الواقعين والواقعات تحت الأضواء؟
من بواعث الصدمة في هذه القضية أنها ليست فضيحة فرد آثم استبدت به نزوة عابرة في مخبأ ما؛ فهي حكاية تواطؤات متواترة ومتشابكة عبر أطياف من النخب المتصدرة في حقول شتى على مدار ألف ليلة وليلة استغفلت الأمريكيين وشعوب الأرض.
فما جرى في حضرة إبستين استغرق ردحا من زمن مديد ناهز جيلا في تبدلات الأعمار، دون أن يتفوه أحدهم أو إحداهن من تلكم الجمهرة الغفيرة بكلمة إفصاح، أو أن يتحرك ضميره باعتراف علني في بؤرة العالم الحديث قبل أن تخرج هذه الملفات إلى العلن لتصفع مزاعم "الشفافية" وادعاءات "الإفصاح" وفاعلية "دولة القانون".
ثمة عظة شبيهة نسبيا مستقاة من سنة 2017 عندما انفجرت فضيحة هارفي واينستين، ديناصور هوليود المتنفذ، فقد اتضح حينها سريعا أن الصفوة الفنية والمالية والمجتمعية التي ترتع في حفلات الاستقبال وتنهض للتصفيق في فعاليات الأوسكار، وبعض النخبة السياسية من حولها أيضا، تواطأت على التغافل عما اقترفه وحش السينما سنين مديدة من استغلال بشع لفتيات طامحات إلى مجد الشاشات التي يملك المنتج الشهير مفتاحها.
انفجرت الفضيحة بعد أن تضخمت وقائعها وملفاتها فتخطت عوائق البوح وكوابح الإفصاح وتجاوزت ترهيب المتنفذين في المجتمع والمال والإعلام، ضحايا الاستغلال المتوحش.
انطلقت يومها حملة البوح الجماعي المسماة "أنا أيضا" أو "MeToo" التي فضحت تقاليد الاستغلال والتحرش المستشرية في الفن والسينما والإعلام والثقافة والحياة البرلمانية على جانبي الأطلسي، ولم يسلم منها البرلمان الأوروبي المكلل بشعارات أخلاقية وضوابط صارمة بشأن استغلال النساء والفتيات.
كشف ذلك الموسم عن سلوك التجاهل المطبق إزاء تجاوزات رائجة مسكوت عنها، وعن استشراء تقاليد التغافل عن انتهاكات مريعة تجري في مراتب النخبة ضمن مجتمعات حديثة "حرة" ومكللة بشعارات تتذرع بالمرأة.
ثمة محجوب آخر على هذا المنوال تتكشف ذيوله في كل موسم، عن ملاذات الأموال الطائلة التي تستتر بها نخبة العالم في المغارب والمشارق عن الأنظار، مثل تسريبات "أوراق بنما" سنة 2016 و"أوراق باندورا" سنة 2021، وغيرها من التفاصيل التي تنفجر في وجه شعوب مقهورة وطبقات مسحوقة دون أن يتغير الواقع بعدها جوهريا.
ولا ينفك منحى انفجار الوقائع المذهلة في وجوه الشعوب عن الظاهرة الشبكية المستجدة التي سمحت بتخطي احتكار الحكومات والصناعة الإعلامية، امتياز البث الجماهيري الواسع، فأوجدت أوساطا نشطة تصنع الاهتمامات وتتفاعل على نحو لم تَحزه البشرية من قبل.
كانت لحظة انبثاق "ويكيليكس" سنة 2006 إيذانا بدخول عالمنا حقبة التسريبات المدوية التي كشفت عن عالم مستتر له لغته وتعبيراته وانزلاقاته التي تتجنب الأضواء، وكان على جوليان أسانج أن يطارد ويعاقب؛ لأنه اجترأ على تمكين جماهير الأرض من استراق السمع عبر جدران غليظة.
يحمل أحدهم مصباح المخبر فيضيء به نطاقات معتمة من المحجوب لنكتشف عبر حافظة بياناته عالما مستترا لا يوافق ظاهره، فتتجلى بعض الشخصيات المرموقة عالميا في هيئة مسوخ تحولت عن هيئتها الرصينة المعهودة في المشاهد المصورة.
ولما عدت قضية إبستين حزمة فضائح بحيالها تلطخ صفوة الصفوة المتنفذة عالميا، فإن هذا يحيل التدبر الواجب إلى مفهوم الفضيحة ذاته، من حيث إنها انكشاف واقع مطمور أو مستتر، فالمستجد هو معرفة الجمهور بالمحجوب لا وجود الواقع المحجوب الذي جرى إدراكه على نحو متأخر. على أن ما يتسرب من فضاءات المحجوب يبقى بعضا من كل، ما يشير إلى أن ما يتراءى للعيان لا يتعدى قمة جبل الجليد تقريبا.
أبانت فضائح إبستين عن تقاليد الحجب، التي تنغلق بمقتضاها ممارسات شائنة على أوساطها، فتلوذ بمكان موصَد يتيح تصميم عالم خاص بأولئك المحظيين والمحظيات، منقطع عن مشهود جماهيرهم، فيتخذ القوم ملاذا لهم في قصر مسور أو جناح فندقي محروس بعناية، أو في جزيرة محاطة بالماء من كل صوب؛ منعا لاستراق الأسماع أو تلصص الأبصار.
وقد تتفشى الخطيئة المتواطأ عليها حتى في أديرة تحتجب عن مشهود بيئاتها، كما تبين من واقع فضائح هوَت بادعاءات الفضيلة والرفعة الأخلاقية لنخبة كهنوتية آثمة ومتسلطة يفترض أنها منقطعة للعبادة الخالصة.
وللصفوة المحظية المتعالية فضاءات خصصتها للانقطاع بما ترغب عن دنيا الناس، وقد تريدها فردوسا أرضيا لنزواتها الجامحة. ومن شأن هذا الانقطاع عن المشهود أن يربك الأنظمة التي يرعاها بعض هؤلاء أو يعلنون الامتثال لها أو يحاسبون غيرهم على أدنى مما يقترفونه، فنظام الرقابة والمساءلة الأرضي له نطاقات لا يتخطاها، ما يتيح انفلات الممارسات الشائنة من عقالها خارج سلطانه، مثل سفينة تلقي بمواد ملوثة في أعالي البحار لغياب كاميرات المراقبة عن سطح الماء.
يتعين الانتباه إلى أن الأمم الديمقراطية الحديثة لم تتجاوز تقاليد انقطاع نخبتها المتنفذة عن الجماهير في فضاءات خاصة، وقد تجتمع في بعضها صفوة القرار والتأثير على نحو يمثل اجتماعا احتكاريا للثروة والسلطة في رواق واحد أحيانا؛ كما يحصل مثلا لا حصرا في اجتماعات "مؤتمر بيلدربيرغ" السنوية المثيرة للجدل التي تلتزم التكتم الشديد على وقائعها، وهذا غيض من فيض الأمثلة المعروفة التي لا حاجة إلى "نظريات مؤامرة" للتعرف عليها.
إن معرفة العالم بعد فضائح إبستين بمدى الانحطاط المذهل الكامن في المحجوب عن أنظار الجماهير لا يجعل هذا الواقع طارئا أو مستجدا، فالطارئ هو الإحاطة بالواقع- أو بعضه على وجه التدقيق- والمستجد هو تجاوز حالة جهل به لا بغيره.
يجدر اعتبار ملفات إبستين لحظة كاشفة لعينة مكثفة من واقع المحجوب العالمي أو بعضه في مستويات النخب التي تكتنز الامتيازات المركزة، وهي تشير إلى وهم الامتثال المبدئي والرفعة القيمية والامتياز الأخلاقي في عالمنا إن اكتفى البشر باحتساب ما يتجلى للعيان في الفضاء المشهود وحده الذي لا يبرأ هو الآخر من المثالب.
لنتخيل ما كانت تفعله النخبة الاستعمارية في مستعمرات قاصية عن المراكز مثلا، فأي انفلات كان يجري حينها في غياب التوثيق والتصوير والشبكات؟! لم يبرأ واقع النخبة المتصدرة عالميا من هذا المروق الشائن، وقد رصدت كتب ودراسات وروايات منقولة أقساطا مرعبة منه، لكن عالمنا اليوم يمنح إطلالات غير مسبوقة نسبيا على بعض الواقع المتواري، ففيه كاميرات تلتقط وأجهزة تختزن وشبكات تحمل بعض المخبوء إلى جماهير الأرض.
وعلى هذا المنوال ما زالت نخب متصدرة في منظمات "إنسانية" و"خيرية" مرموقة، مكللة بضوابط "الحوكمة" و"مواثيق الشرف"، تتواطأ على اقتراف انتهاكات استغلالية، بعضها موثق في تقارير منشورة، بحق مجتمعات "المستفيدين من خدماتها" في بيئات البؤس البعيدة عن مراكزها في الشمال الغربي، حسب تقارير متضافرة يدفع بها كل موسم.
تخطئ الاستنتاجات إن اعتبرت ملفات إبستين تعبيرا عن انحطاط مستجد، فالمعرفة بفحواها المذهلة هي التي طرأت، لا أكثر، وهي معرفة قاصرة ومبتورة ومتأخرة ببؤرة واحدة من بؤر شتى يختزنها واقع المحظيين المتنفذين في عالم يخذل قيمه المرفوعة وشعاراته المعلنة. خلاصة الاستنتاج أن واقع النخبة العالمية المتنفذة لم يسقط في بئر الخطيئة أخيرا، فهو قابع في قعرها أساسا.

