د. خيري عمر

أستاذ العلوم السياسية في جامعة صقريا

 

بعد عامٍ من توقيع وزيرَي الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، والتركي، هاكان فيدان، "إطار التعاون الاستراتيجي"، تمَّم اجتماع رئيسَي البلدين، عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان، في القاهرة في الرابع من فبراير الجاري، الإطار الاستراتيجي للعلاقات بين تركيا ومصر، بما يكشف استقرار رؤية السياسة الخارجية حول مرونة الانتقال من مربّع التوتّر إلى التعاون. فخلال هذه الفترة، اجتاز البلدان عوائق العلاقات الثنائية والتحدّيات المترتّبة من فراغ الأمن الإقليمي. ومن هذه الوجهة، يمكن تناول تأثير ميراث التاريخ السياسي في اتجاهات الحراك الثنائي وانعكاسه على التفاعلات الإقليمية.

 

تحدُث هذه الحركة المتبادلة في سياق مراجعة وتقييم بدءا مع تطويق مصادر توتّر العلاقات في ليبيا في يوليو 2020، لتبدأ خطوات التنسيق والتفاهم على المصالح والتساند في مواجهة التهديد. وعلى المستوى الثنائي، كانت باكورة التفكير في تطوير العلاقات الاقتصادية والعسكرية لتكون أكثر استقرارًا وتناسقًا مع معايير الأمن الإقليمي. فكما حدث التفاهم حول المشكلتين، الليبية والسودانية، كان هناك تفهّم للوضع في سورية، لتعبّر هذه الأرضية عن درجة من التطوّر الدبلوماسي في العلاقات السياسية، أسّست للتراجع عن "المزاحمة" لحساب التنسيق، تجاه وضعية عدم الاستقرار الإقليمي.

 

ومنذ مايو 2021، بدأت عملية مراجعة شاملة للعلاقات الثنائية شكّلت أرضية النقاش في السنوات اللاحقة. لم تقتصر على ترقية العلاقات الدبلوماسية، بل سارت نحو تأطير المصالح لمواكبة حالة الفراغ الأمني في دائرة المجال الحيوي للبلدَين. ومع إعلان "مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى" في سبتمبر 2024، تشكّلت ملامح العلاقات السياسية والاقتصادية، وهو ما عبّر عنه في البيان المشترك لوزيري الخارجية، في 4 فبراير 2025، ليكون أساسًا لترتيب الإدراك السياسي للمصالح الثنائية وسياسات التعامل مع الوضع الإقليمي.

 

خرائط قلق متشابهة

 

خلال عقد ونصف عقد، واجه البلدان تحدّيات متماثلة، أهمها الأعباء المترتّبة من انهيار دول الجوار وتداعيات الحرب على غزّة؛ ليقع نطاق العرب والأناضول في تحدّيات متشابهة استهدفت تفكيك أكبر قدر ممكن من الدول. وفي لحظة تاريخية من السياسة الخارجية، مرّت مصر ثم تركيا بظروف وتحدّيات متقاربة؛ فكما لم تقدّم سنة 2011 إجابةً للاستقرار (وظلّت متلازمتها الاستقطاب بين الأطراف في مصر)، واجهت تركيا حالة انكسار نتيجة محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016. فقد كان عنوان تلك المرحلة مكافحة الطابع السرّي لمنظمات قامت على أفكار سيّد قطب وحسن البنا وفتح الله غولن. وفي الحالتَين، تماثلت نظرة الدولة إليهما بوصفهما عامل تهديد. وعلى هذه الأرضية تشكّلت التحدّيات الثنائية والإقليمية، وكان أهمّ ملامحها ترابط حالات الدول الفاشلة وصعود الدور السياسي للإسلاميين والجماعات المسلّحة والمنظمات الإرهابية. فقد واجه البلدان توتّرات مستمرّة في دول الجوار، كانت نتائجها ماثلة في عدم قدرة شعوب تلك الدول على إقامة نظام حكم مستقرّ أو تشكيل حكومة قوية. وكما كانت سورية وشمال العراق مناطق رخوة ومصدر تهديد بالنسبة إلى تركيا، ظلّت ليبيا والسودان مصدر قلق مباشر بالنسبة إلى مصر.

 

لم تكن هذه الأزمات نتيجة عوامل داخلية فقط، بل أسهمت فيها عوامل خارجية ظلّت تعمل في إعادة إنتاج أسباب الاضطراب وتحفيزها في مواجهة محاولات البناء السياسي. ويقدّم السودان حالةً واضحةً في الإصرار الأميركي والبريطاني على تفكيك الجيش السوداني قبل حلّ الخلافات على شكل الحكم، ما يترتّب منه وقوع البلاد في فراغ أمني. وهذا النمط من التفكير ليس بعيدًا من طريقة إدارة الأزمة في سورية وليبيا وحتى اليمن. كما يمثّل العدوان على غزّة نمطًا مماثلًا في منطق التفكير الغربي؛ إذ ظلّ الإصرار على تصفية القضية الفلسطينية قائمًا، سواء بالتهجير أو بالإبادة.

 

تقارب المواقف وحدود الدور

 

بشكل عام، كان تطوّر العلاقات الثنائية حاضرًا في تقارب إدراك الدولتَين للملفّات الحرجة إقليميًا. فمن وجهة أساسية، تقاربت مواقف البلدَين تجاه العدوان على غزّة، وظلّ مستوى التنسيق مرتفعًا بما يبعث على تفهّم مخاطر استيلاء إسرائيل على القطاع وتهجير سكّانه. وعلى هذه الأرضية كان التنسيق على مستوى منظمة التعاون الإسلامي وتجاه مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليشكّل العامل العربي – الإسلامي متغيّرًا رئيسيًا في إعداد صيغة وقف الحرب وإعادة بناء الكيان الفلسطيني، ومتابعة مراحل الإعمار، ودعم دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ضمن سياسة مكافحة تهجير الفلسطينيين.

 

وبشكل عام، يمثّل التنسيق بين مصر وتركيا في الملفّ الفلسطيني واحدًا من مسارات تلاقي المواقف حول الأمن الإقليمي. فمنذ بداية العدوان، كانت سياسة البلدَين على وفاق وتضامن في الدعوة إلى وقف الحرب وحماية الكيانات الفلسطينية باعتبارها الطريق لاستعادة الدولة. لم يتوقّف التعاون بين البلدَين عند مستوى التنسيق اليومي، بل تسارع نحو الإسناد المتبادل في إطار منظمة التعاون الإسلامي في التفاوض مع الولايات المتحدة، ليسفر عن ترابط ثماني دول ظهيرًا دوليًا متماسكًا، كانت مساهمته واضحة في تعديل مبادرة الرئيس ترامب والاقتراب من مطالب المقاومة الفلسطينية.

 

هناك اعتقاد بأن تفاعل البلدَين مع مجريات العدوان على غزّة كشف إمكانات القوة الكامنة في مواجهة العوامل الخارجية المتعلّقة بالأزمات الإقليمية، تجلّت مظاهرها في الظهور ضمن الأطراف المؤثّرة في ملفّات فلسطين وسورية والسودان وليبيا وحتى القرن الأفريقي.

 

ومع الانهيار المفاجئ للسلطة في سورية، شكّل اجتماع العقبة حول سورية (14 ديسمبر 2024) إطارًا لمواجهة الفراغ الأمني. ومع أهميته، لم يترتّب منه إطارٌ جماعيٌّ معني بالتوافق على معايير تفهّم السوريين للمخاوف الإقليمية. وباستثناء اجتماع دول جوار سورية، لم تتشكّل حاضنةٌ إقليميةٌ للتعرّف إلى تطوّر العملية السياسية واستعداد الحكومة المؤقتة لبناء الدولة. ولذلك، كشف اندلاعُ المعارك بين السلطة في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) غيابَ إطار إقليمي، ليكون الحضور الأميركي طاغيًا في الوساطة والتسيير اليومي لمجريات السياسة؛ إذ ظلّ صعود وهبوط القتال متأثّرًا بالعامل الأميركي وتنسيقه مع أربيل، لتنخفض مساهمة الدول الإقليمية في الاقتراب ممّا يجري على الأراضي السورية.

 

دبلوماسية المصالح المشتركة

 

وبحسب سياقات السياسة الخارجية، لدى تركيا ومصر إدراك متقارب لمقتضيات الأمن، يقوم على أن استمرار المنطقة في مرمى التدخّل الخارجي سوف يؤدّي إلى مزيد من التفكّك الذاتي للدول في الإقليم. وإزاء التطوّرات الجارية، يساعد الميراث التاريخي على تفسير مرونة الحراك الثنائي التركي – المصري. فعلى مدار عدّة قرون تشكّلت خبرات مشتركة ملائمة لتجاوز التوتّر الناشئ من الخيارات القومية في سنوات الجمهورية، لتبقى المصالح المشتركة كابحًا لتمديد الصراع وتفضيل بدائل التعاون. وبعد التخارج السلس من مرحلة الدولة العثمانية، استمرّت العلاقات دبلوماسية مائة عام على قاعدة الاحترام المتبادل. وتكشف تجربة العقد الماضي قدرة البلدَين على استئناف العمل المشترك في ساحة وادي النيل والأناضول، وهذا ما يفسّر (جزئيًا) سهولة التقييم في مايو 2021. ومع أهمية المدخل التاريخي والثقافي، هيمنت الاستجابة للضغوط الإقليمية على المناقشات السياسية.

 

غير أنه، على الرغم من تقارب إدراك التحدّيات، ظلّت الأطر العملياتية مهيمنة على النشاط الدبلوماسي؛ فهناك تركيز واضح على التجارة والصناعة، من دون إكمال الشوط للتضامن الثقافي تجاه المخاطر الآتية من الخارج، خصوصًا ما يتعلّق باختلاف تعريف مكافحة الإرهاب، ليكون واحدًا من دواعي تعطيل التكامل، ولا سيّما مع تعدّد الإكراهات الداخلية والخارجية المؤثّرة في التزامات سورية تجاه الأمن الإقليمي، وتهديد دول الجوار.

 

وبشكل عام، دفع وعي السياسة الخارجية بهذه المخاطر وأهمية استعادة المصالح إلى بلورة إطار تتلاقى فيه السياسة التركية والمصرية في الاهتمام بتنسيق سياسات دول الجنوب. فبحسب توجّهات "السياسة الخارجية في المئوية التركية"، وفي مدلول مختلف لتعريف الإقليم، تقوم السياسة التركية على مبدأ "الملكية الإقليمية وإيجاد الحلول للمشكلات الإقليمية"، وتضع في اهتمامها أولوية تبدأ من منطقة البحر الأسود وجنوب شرق أوروبا ومبادرة الدول التركية، بالإضافة إلى الوظيفة المزدوجة للشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة من ناحيتي العضوية في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وتأثيرها في الأمن والازدهار في أوروبا.

 

وفي الجانب الآخر، وباعتبار "التوازن الاستراتيجي" مراجعةً للعشر سنوات الماضية، فهو يؤسّس لملامح السياسة الخارجية وأولوياتها؛ إذ رأت فيه تحالفات الدول المتوسطة القوة صيغة مناسبة لحفظ توازن النظام الدولي وإثراء تعددية الفاعلين وتجاوز التهميش. وهي صيغة لتجديد أفكار عدم الانحياز ضمن مفهوم ترتيب دوائر الانتماء. لينصبّ الاهتمام المصري على تفكيك تداعيات الأزمات الإقليمية واتباع علاقات مرنة لتجاوز الحصار. وكان الوعي بظروف عدوان 1967 واضحًا في تصرفات السياسة الخارجية؛ فقد رتبت سياسة دفاعية قامت على الانضباط العسكري ورفع تكلفة أي محاولة اشتباك من جانب إسرائيل.

 

على أيّ حال، لا يمثّل منظور السياسة الخارجية لدى البلدَين (سواء ما يتعلّق بسياسة الشرائح أو ما يتعلّق بدوائر الانتماء) خلافًا على الأولويات بقدر ما يرتّب مسارات التعاون والتنافس التقليدي في ساحات آسيا وأفريقيا. لكن تظلّ الفجوة المشتركة في كثرة مصالحهما مع القوى الكبرى في مقابل الانخفاض النسبي للعلاقات البينية، ليظلّ البلدان أكثر تأثّرًا بتغيّر المصالح مع الدول خارج الإقليم، وتظلّ معضلة ضعف مرونة التحرّك تجاه قضايا الأمن الإقليمي قائمة. وباستثناء الاتجاه الواقعي في سياسة البلدَين، تُقدّم تجربة وقف إطلاق النار في غزّة صيغة ناجحة لإنشاء حالة تفاوض جماعي مع أقطاب النظام الدولي.

 

وبينما تسير محاولات تأطير السياسة الخارجية، تواجه مصر وتركيا أعباء تسارع تأثير المتغيّرات الإقليمية والدولية على قضايا الأمن الوطني لكلٍّ من البلدَين، ما يجعل العمل في توطيد ركائز القوة ضروريًا لتكون أساس الاعتماد المتبادل وخفض اضطراب المناخ السياسي. فمع كثرة التحدّيات، تتصاعد الحاجة إلى وجود قاطرة إقليمية لاقتراح الحلول وتحمّل الالتزامات. وهنا تمثّل مصر والسعودية وتركيا المكوّنات الرئيسية، بصفتها دولًا معنية باستقرار دول الجوار والحدّ من التدخّل الخارجي.

 

خاتمة

 

بشكل عام، تشير التطوّرات الجارية إلى أن مراجعة العلاقات المصرية – التركية في العامَين الماضيَين تُرسي أرضيةً لخفض الفجوة الناتجة من ضعف ملاحقة تسارع الأحداث الدولية. وهنا تمثّل كثافة العلاقات بين مصر وتركيا والسعودية قاطرةً لإطار إقليمي تتكامل فيه دول الفائض والعجز من النواحي الاقتصادية والسكّانية والثقافية. فمع كثافة المشاركات الثنائية والجماعية، يمكن وضع إطار "مائدة مستديرة" للتشاور والتحرّك الجماعي تجاه مساحات التعاون وتسوية الأزمات.