في بلد يقبع ثلث سكانه تحت خظ الفقر، يصبح من الطبيعي أن يعمل الأطفال، لمساعدة أسرهم على تلبية متطلبات الحياة، مما يحرمهم من عيش طفولتهم بالصورة التي يتمنونها.
وقد تكررت حوادث عمالة الأطفال في مصر في الفترة الأخيرة، وكان آخرها في 18 ديسمبر الماضي حيث توفي 8 أشخاص من ضمنهم 6 أطفال إثر انقلاب واحتراق سيارة كانت تقلهم عائدين من العمل في محافظة الفيّوم.
وفي 28 يونيو الماضي، لقيت 19 فتاة، معظمهن قاصرات، مصرعهن في حادث سير على الطريق الإقليمي بمحافظة المنوفية، أثناء توجههن إلى مزرعة لقطف العنب، وهو ما سلط الضوء على معاناة شريحة كبيرة من المصريين في سعيها للحصول على لقمة العيش، وسط أجواء صعبة لا تخلو من المخاطرة، وقد يكون الموت ثمنها.
وأثار الحادث جدلاً واسعًا حول الأوضاع المزرية في المناطق الريفية بمصر. والتي ترتبط بالسياسات الاقتصادية التي تبنتها حكومة الانقلاب بتوجيه من صندوق النقد الدولي منذ عام 2016، والتي أدت إلى زيادة عمالة الأطفال، في ظل تدني الجنيه، وتآكل قيمته الشرائية، وسط موجة من التضخم لا مثيل لها خلال السنوات الأخيرة.
فتيات
وتخرج كثير من الفتيات خصوصًا في الريف للعمل في الحقول والمصانع لمساعدة آبائهن، والتخفيف عن كاهلهم، سواءً أثناء الإجازة الصيفية، لتوفير متطللباتهن الدراسية، أو حتى المساهمة في توفير مستلزمات الزواج، لكثيرات ممن لا يكملن التعليم حتى النهاية.
ويستلزم ذلك العمل في أجواء مرهقة للغاية، تستلزم الاستيقاظ في ساعة مبكرة من أجل الذهاب إلى العمل، مقابل الحصول على أجر يتجاوز بالكاد 150 جنيهًا يوميًا، لكن ليس أمامهن خيار آخر لتحقيق أحلامهن البسيطة في العيش.
أرقام متضاربة حول الأطفال العاملين بالزراعة
وتشير إحصاءات نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2019، إلى أن أكثر من 1.8 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و16 عامًا يعملون في البلاد، 64 بالمائة منهم في الزراعة.
إلا أن باحثين، مثل عبد المولى إسماعيل، رئيس الجمعية المصرية للحقوق الجماعية، وتقديرات أخرى، تشير إلى أن عدد الأطفال العاملين في الزراعة وحدها يتجاوز ثلاثة ملايين.
وقال إسماعيل في تصريحات سابقة: "تعتقد جماعات المجتمع المدني أن الأرقام الرسمية غير دقيقة، لأنها تستبعد قطاعات كبيرة غير مسجلة من عمالة الأطفال ولا تعكس العدد الحقيقي للأطفال العاملين في المناطق الريفية، بل وتذهب إلى حد إنكار وجود هذه الظاهرة من الأساس".
بحسب عبدالفتاح عبدالعزيز، النقيب العام لنقابة الفلاحين وصغار المزارعين: "يوجد الآن حظر على عمالة الأطفال دون سن الخامسة عشرة، وهناك المجلس القومي للطفولة والأمومة. ولكن في الوقت نفسه، لا يوجد تطبيق فعلي لهذا الحظر. كم عدد الأطفال العاملين فعلاً؟ تكمن المشكلة في عدم وجود نظام مراقبة دقيق".
حقول قطف الياسمين
وتنتشر عمالة الأطفال على نطاق واسع في حصاد الياسمين، وهو محصول يُصدّر معظمه إلى السوق الأوروبية، حيث تُزوّد مصر السوق العالمية بنحو 60 بالمائة، وهي المُصدّر الرئيس لهذه الزهرة إلى أوروبا.
وقد سلّط تحقيقٌ أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في مايو 2024 الضوء على هذه المشكلة، لا سيما فيما يتعلق بعمالة الأطفال في قطف الياسمين، أحد مكونات العطور الرئيسة، المستخدم في عطور "آيدول إنتنس" من شركة لانكوم، و"ليمون دي سيسيليا" و"إيكات جاسمين" من شركة "إيرين بيوتي".
يقول إسماعيل: "من بداية شهر يونيو وحتى نهاية شهر نوفمبر، يعمل آلاف الأطفال كل ليلة في حصاد هذه الزهرة، التي تُستخدم في العديد من العطور. إنهم يعملون في ظروف قاسية، دون أي حماية، وبأجر زهيد".
وانخفضت قيمة الجنيه بأكثر من 50 في المئة منذ عام 2022. ونسبيًا، أصبح جامعو الياسمين يكسبون أقل من أي وقت مضى، وغالبًا ما يعيشون تحت خط الفقر بكثير.
ويضيف النقيب العام للفلاحين: "يوظف منتجو الياسمين الأطفال، كما هو الحال مع بعض المحاصيل الأخرى، نظرًا لصغر حجمهم وخفة حركتهم، مما يسمح لهم بالقطف دون الانحناء كثيرًا". بينما يُباع الكيلوجرام الواحد من الياسمين بأكثر من 80 يورو في فرنسا، لا يتجاوز سعره في مصر 100 جنيه مصري (أقل من 2 يورو). ولا يحصل القاطف إلا على ثلثي هذا المبلغ، وهو سعر يحدده تجار الجملة الذين يصدرون الياسمين إلى أوروبا.
وتقول واحدة من العاملات في قطف الياسمين، إن سعر الياسمين في الماضي كان يكفي لتغطية تكاليف التعليم والطعام والشراب. وتضيف: "الآن علي أن أعمل دون توقف لمدة شهر، حتى أتمكن من شراء كيلو من اللحم، أتمنى أن يزيدوا سعر الياسمين من أجل الأطفال".
عواقب وخيمة على الأطفال
ولهذا العمل عواقب وخيمة على الأطفال: "يعاني الأطفال الذين يعملون بهذه الطريقة من مشاكل صحية، وأحيانًا من أمراض مزمنة نتيجة استخدام المبيدات الحشرية والتعرض المفرط لأشعة الشمس. كما أن الكثير منهم غير قادرين على الالتحاق بالمدارس"، كما يقول النقيب العام لنقابة الفلاحين وصغار المزارعين.
ووفقًا للتقديرات الرسمية، يبلغ عدد المصريين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 سنوات فما فوق 18.4 مليون شخص أميين، معظمهم يعيشون في محافظات ريفية.
وإلى جانب الأطفال، تعمل نحو 5 ملايين امرأة في الزراعة (وفقًا لتعداد عام 2010، وهو أحدث تعداد للعاملين في القطاع الزراعي).
يقول إسماعيل: "لا تتمتع أي منهن بالضمان الاجتماعي أو التأمين الصحي أو أي نوع من الحماية. إنهن يعملن طوال اليوم، وفي بعض الحالات لمدة تصل إلى عشر ساعات يوميًا"، مشيرًا إلى أن متوسط العمر المتوقع لهؤلاء العاملات نادرًا ما يتجاوز 50 عامًا.

