أعلنت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا، الخميس، تسجيل أكثر من 125 ألف إصابة بالالتهابات الجلدية المرتبطة بالقوارض والطفيليات في قطاع غزة بين يناير ومايو 2026، في نتيجة صحية مباشرة لدمار البنية التحتية ومنع دخول الإمدادات الطبية بالقدر الكافي.
وتكشف هذه الأرقام أن الحرب الإسرائيلية لم تترك آثارها عند حدود القصف والقتل، بل دفعت السكان إلى بيئة ملوثة تنتج المرض يوميا داخل الخيام ومراكز النزوح، حيث تتكاثر القوارض والطفيليات فوق أنقاض شبكات المياه والصرف الصحي وتتحول الأمراض الجلدية إلى وجه آخر للحصار.
الأمراض الجلدية تتسع مع انهيار البيئة الصحية
قالت أونروا إن القوارض والطفيليات في تزايد داخل قطاع غزة، وإن الالتهابات الجلدية تنتشر بالتوازي مع ارتفاع مخاطر الإصابة بالأمراض، وهو توصيف يضع الأزمة في خانة الصحة العامة لا في خانة الحالات الفردية التي يمكن عزلها أو علاجها بشكل محدود.
وبحسب الوكالة، تعالج طواقمها الطبية نحو 400 حالة يوميا، لكنها تستطيع تقديم رعاية أوسع إذا توفرت لها كميات كافية من الأدوية، ما يعني أن المشكلة لا ترتبط بغياب الكوادر فقط، بل ترتبط أيضا بمنع الإمدادات التي تجعل العلاج ممكنا قبل تفاقم الإصابات.
كما يعكس رقم 125 ألف إصابة خلال 5 أشهر قفزة خطيرة مقارنة بما أعلنته منظمة الصحة العالمية في 25 أبريل 2026، حين تحدثت عن أكثر من 17 ألف إصابة مرتبطة بالقوارض والطفيليات منذ بداية العام، وهو فارق يكشف سرعة انتشار العدوى داخل بيئة النزوح.
ومن هنا لا يمكن التعامل مع الالتهابات الجلدية بوصفها عرضا بسيطا، لأن الطفح والجرب والعدوى المرتبطة بالطفيليات تتفاقم مع نقص المياه النظيفة والصابون والعلاج، وتصبح أكثر خطورة على الأطفال والمرضى وكبار السن الذين يعيشون في أماكن مكتظة بلا حماية صحية كافية.
القوارض نتيجة مباشرة لتدمير البنية التحتية
خلّفت الحرب الإسرائيلية دمارا واسعا في قطاع غزة، وتسبب هذا الدمار في انتشار القوارض داخل مناطق النزوح وبين أكوام الركام، كما زاد انهيار شبكات المياه والصرف الصحي من قدرة الطفيليات والحشرات على التكاثر، وهو ما يربط المرض بسياسة التدمير لا بسوء النظافة الفردية.
وتشير المعطيات الإنسانية إلى أن تدمير نحو 90 بالمئة من البنى التحتية، بما في ذلك شبكات المياه والصرف الصحي، خلق شروطا مثالية لانتشار الأمراض، لأن السكان فقدوا القدرة على التخلص الآمن من النفايات والمياه الملوثة داخل مساحة محاصرة ومزدحمة ومحرومة من أدوات الوقاية.
لذلك يصبح حديث أونروا عن ضرورة السماح بدخول الإمدادات الطبية على نطاق واسع مطلبا عاجلا لا بيانا إغاثيا عابرا، لأن الدواء وحده لا يكفي إذا استمرت القوارض والطفيليات في الانتشار، كما أن الوقاية لا تنجح دون مواد تنظيف ومبيدات ومياه صالحة للاستخدام.
وبينما يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني في غزة أوضاعا كارثية، بينهم نحو 1.5 مليون نازح، تتحول الخيمة إلى مساحة تعرض يومي للمرض، فلا يستطيع النازح عزل الطفل المصاب، ولا تستطيع الأسرة غسل الأغطية أو تغيير مكان النوم أو الوصول إلى علاج مستقر.
الحصار يحول المرض إلى أداة إنهاك جماعي
بدأت إسرائيل حربها على غزة في 8 أكتوبر 2023 بدعم أمريكي، وخلّفت الحرب أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، وفق أرقام فلسطينية متداولة في التغطيات الإنسانية، بينما بقيت المنظومة الصحية عاجزة عن استيعاب الأعداد.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، استمرت الهجمات الإسرائيلية اليومية وسقط مئات الفلسطينيين بعد الاتفاق، ما جعل الهدنة المعلنة عاجزة عن وقف الموت المباشر، وعاجزة كذلك عن وقف الموت البطيء الذي تصنعه الأمراض والجوع ونقص الدواء والمياه.
كما تمنع إسرائيل دخول الكميات المتفق عليها من الغذاء والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء والمنازل الجاهزة، وهو منع يحول الالتهاب الجلدي من مرض قابل للعلاج إلى أزمة ممتدة، لأن الأسرة لا تحتاج إلى وصفة فقط بل تحتاج إلى دواء وماء وصابون وسكن آمن.
وفي هذا السياق، تبدو كارثة القوارض والطفيليات امتدادا طبيعيا لحصار مفروض على غزة منذ عام 2007، لأن الحصار لم يترك للقطاع قدرة على التعافي بعد كل عدوان، ثم جاءت الحرب الأخيرة لتدمر البقية الباقية من منظومة الصحة العامة والمرافق البلدية.
وتحمل هذه الأزمة دلالة سياسية أوسع، فإسرائيل التي قامت عام 1948 على أراض احتلتها عصابات صهيونية مسلحة وهجّرت مئات الآلاف من الفلسطينيين، تواصل اليوم منع شروط الحياة الأساسية في غزة، وترفض تحويل وقف إطلاق النار إلى التزام عملي بفتح الإغاثة وإعادة الإعمار.
وتبقى الخلاصة أن 125 ألف إصابة جلدية ليست رقما طبيا منفصلا عن الحرب، بل شهادة على بيئة قسرية صنعتها الإبادة والحصار، حيث يلاحق المرض من نجا من القصف، وتصبح القوارض والطفيليات دليلا يوميا على أن منع الدواء والمياه والإيواء يقتل ببطء لا يقل خطورة عن السلاح.

