كشف الجدل الدائر حول التمويل الاستهلاكي في مصر عن تحول القروض من أداة شراء تكميلية إلى وسيلة لتمويل الأساسيات، بعدما تراجعت نسبة الادخار من 15% إلى 1% من الناتج المحلي خلال 10 سنوات، وسط اتساع قطاع مالي غير مصرفي يضم نحو 2500 شركة وجهة.

 

وتضع هذه الأرقام الحكومة أمام أزمة معيشية لا تستطيع تغطيتها بلغة الشمول المالي، لأن المواطن الذي يقترض لتدبير احتياجاته اليومية لا يعيش تحسنا اقتصاديا، بل يرحل عجز دخله إلى أقساط لاحقة، بينما تتوسع شركات التمويل أسرع من قدرة الرقابة على حماية الأسر من الغرم.

 

القروض خرجت من الرفاهية إلى الأساسيات

 

بدأت خطورة الملف من انتقال التمويل الاستهلاكي إلى مساحة الاحتياجات المعيشية، إذ أكد الخبير الاقتصادي محمد فؤاد أن القروض الاستهلاكية أصبحت تمول الأساسيات ولم تعد مرتبطة بالكماليات، وهو تحول يكشف أن الأسرة المصرية لم تعد تلجأ للتقسيط فقط لشراء رفاهية، بل لتخفيف ضغط يومي مباشر.

 

وبذلك يصبح الحديث عن سهولة التمويل ناقصا إذا تجاهل سبب الطلب عليه، لأن الأسر لا تختار القرض من فراغ، بل تدفعها فجوة واضحة بين الدخل والأسعار، ومع كل قسط جديد تتراجع قدرة الأسرة على الادخار، وتدخل في دورة التزام مالي أطول من السلعة نفسها.

 

كما أشار فؤاد إلى أن المنظومة المالية تنقسم بين قطاع مصرفي يضم 36 بنكا تحت رقابة البنك المركزي، وقطاع مالي غير مصرفي واسع يضم نحو 2500 شركة تمويل وتأمين تحت إشراف الرقابة المالية، وهو فارق رقابي يفتح سؤال القدرة لا سؤال الترخيص فقط.

 

ومن ثم لا تكمن الأزمة في وجود التمويل بحد ذاته، بل في سرعة توسعه داخل مجتمع تآكلت قدرته الادخارية، لأن إتاحة القرض أمام دخل ضعيف لا تنتج استقرارا ماليا، بل تصنع استهلاكا مؤجلا السداد، وتمنح الحكومة مؤشرا تجاريا نشطا يخفي وراءه ضائقة أسرية متصاعدة.

 

وفي هذا المحور يخدم رأي محمد فؤاد البناء التحريري مباشرة، لأنه يضع أصل الأزمة عند تراجع الادخار واندفاع المواطنين نحو الاقتراض الاستهلاكي، لا عند جدل شكلي حول أسماء الشركات، بما يجعل الملف أزمة دخل وأسعار ورقابة قبل أن يكون خلافا فنيا حول قطاع مالي.

 

فجوة الادخار تكشف فشل الدخل في حماية الأسر

 

في السياق نفسه، رصد معهد التخطيط القومي فجوة الادخار باعتبارها مشكلة هيكلية مرتبطة بضعف الفوائض الإنتاجية وارتفاع التضخم وتآكل الدخول الحقيقية، وهي عناصر تجعل تراجع الادخار إلى 1% نتيجة طبيعية لسياسات ضغطت الاستهلاك الضروري ولم ترفع قدرة الأسر على تكوين احتياطي.

 

لذلك يحمل رقم الادخار دلالة اجتماعية أشد من دلالته المالية، لأن الأسرة التي لا تدخر لا تملك مساحة آمنة أمام المرض أو فقدان العمل أو ارتفاع الأسعار، وعندما يصبح القرض بديلا للمدخرات تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة مواعيد سداد لا إلى خطة معيشة مستقرة.

 

ثم يضيف اتساع التمويل الاستهلاكي خطرا آخر، لأن الشركات لا تعتمد بالضرورة على تمويلات البنوك بصورة أساسية، وفق تصريحات فؤاد، بل تلجأ إلى صناديق وتدوير أموال، وهو ما يجعل حركة الائتمان خارج البنوك أوسع من قدرة المواطن العادي على فهم تكلفة القرض الكاملة.

 

وعلى هذا الأساس، لا تكفي نسبة التعثر المعلنة الأقل من 3% لطمأنة السوق، لأن انخفاض التعثر قد يعكس استمرار السداد تحت ضغط قانوني واجتماعي شديد، لا تحسن قدرة الأسر على الوفاء، خاصة إذا كانت القروض تتجه إلى سلع وخدمات لازمة لا تحتمل التأجيل.

 

ويؤدي رأي إيهاب سعيد، الخبير الاقتصادي، وظيفة مهمة هنا لأنه شدد على ضرورة ضبط محافظ التمويل بتقارير دورية أوضح، وميز بين الرقم الإجمالي للتمويل غير المصرفي وبين قطاعات التمويل الاستهلاكي والمتناهي الصغر، بما يمنع الحكومة من دفن الخطر داخل أرقام كبيرة ومختلطة.

 

رقابة واسعة على قطاع أسرع من الحماية

 

تقول إحصاءات الرقابة المالية إن قيم التمويلات الممنوحة من الجهات الخاضعة لها بلغت 1.4 تريليون جنيه بنهاية 2025، بما يعادل حوالي 54% من إجمالي التمويلات الممنوحة من القطاع المالي المصري للقطاع الخاص والعائلي والأفراد الطبيعيين، وهو رقم يوضح وزن القطاع خارج البنوك.

 

كذلك بلغ حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي حوالي 417 مليار جنيه، وتجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد، بينما سجلت نسب التعثر أقل من 3%، وهي أرقام تمنح القطاع حضورا اقتصاديا كبيرا، لكنها تضع الرقابة أمام عبء اجتماعي لا يقل عن عبئها المالي.

 

ورغم إعلان الدكتور إسلام عزام رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية تشديد معايير الجدارة الائتمانية قبل منح التمويل، فإن حجم القطاع واتساع قاعدة العملاء يفرضان سؤالا واضحا حول قدرة الرقابة على متابعة ملايين العقود فعليا، لا الاكتفاء بفحص قواعد عامة تصدر للشركات.

 

ولهذا لا يصلح أن تقدم الحكومة اتساع التمويل باعتباره دليلا على نجاح مالي فقط، لأن الاتساع نفسه قد يصبح مصدر خطر إذا سبق قدرة الأسر على السداد، وإذا تحولت القروض إلى تمويل للأدوية والتجهيزات الأساسية ومصاريف الحياة، لا إلى شراء محسوب من دخل مستقر.

 

في المقابل، تكشف عبارة فؤاد عن التعرض لعمليات من الغرم جوهر الخطر الاجتماعي، لأن التعثر في القرض لا يبقى رقما داخل ملف ائتماني، بل قد يتحول إلى نزاع قانوني يطارد الأسرة، ويضيف إلى الفقر كلفة قضائية ونفسية تتحملها الفئات الأضعف أولا.

 

ومن هنا يجب أن تتعامل الدولة مع التمويل الاستهلاكي باعتباره مرآة لأزمة الدخل لا مجرد نشاط سوقي، لأن المواطن الذي يقترض للمعيشة لا يحتاج إلى تطبيق أسرع فقط، بل يحتاج إلى أجر يكفي، وأسعار مضبوطة، ورقابة تمنع تحميله أقساطا تتجاوز قدرته الحقيقية.

 

وتبقى الخلاصة أن القروض الاستهلاكية لم تعد هامشا في الاقتصاد المصري، بل تحولت إلى مؤشر على هشاشة معيشية أعمق، فالادخار هبط من 15% إلى 1%، والتمويل غير المصرفي تمدد إلى ملايين العقود، والحكومة مطالبة بأن تفسر لماذا صار المواطن يستدين ليشتري الأساسيات.